"إسرائيل" ترى انعكاسها في المرآة.. استيقظوا (1-2)

فهمت أوساط إسرائيلية، منذ مدة، أن الأخطار لم تنقضِ مع انتهاء شهر رمضان الفائت، وأن المنازلة الكبرى تلوح في الأفق.

  • "إسرائيل" ترى انعكاسها في المرآة.. استيقظوا (1-2)

تفكُّك "إسرائيل" من الداخل فرضية تعززها يوماً بعد آخر التطورات السياسية في الكيان المحتل، خصوصاً إذا جرى الوصول إلى معادلة ردع صلبة تجعله عاجزاً عن تصدير أزمته عبر تنفيذ أي عدوان أمني أو عسكري. 

يرى المرشد الإيراني السيد علي خامنئي، في هذا الصدد، أن "قوّة الردع الصهيونية انتهت أو شارفت على الانتهاء، ومع انتهاء هذه القوة يكون زوال إسرائيل قريب الوقوع". التصريح، الذي ورد أواخر الشهر المنصرم، كان سبقه تصريح آخر للمرشد، أشار فيه إلى أن "إسرائيل" على عجلة من أجل زوالها، وأوضح قائلاً: "نحن قلنا إنكم لن تشهدوا الأعوام العشرين أو الخمسة والعشرين المقبلة، لكنهم استعجلوا، ويريدون الزوال أسرع". 

صورة النهايات

تنظر "إسرائيل" بقلق اليوم إلى زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لسوريا، من دون أن تفصلها عن مجمل التطورات السياسية المستجدة في المنطقة. سوريا هي الساحة الوحيدة تقريباً، التي تقوم "إسرائيل" بتكرار اعتداءاتها عليها، انطلاقاً مما تسمّيه "المعركة بين الحروب"، في ظل غياب أي مستوى من الردع هناك، نتيجة اعتبارات وظروف خاصة. 

لكن، ليس هناك ما يضمن أن يستمر الأمر على هذا النحو في المستقبل المنظور، بحسب الأمين العام لحزب الله. السيد حسن نصر الله كان حذّر الشهر الماضي، خلال الاحتفال بمناسبة "يوم القدس العالمي،" من أن "الموقف السوري تجاه الاعتداءات الإسرائيلية قد يتبدّل في أي وقت من الأوقات". في أكثر من مناسبة، أشار السيد نصر الله إلى مسألة اقتراب زوال "إسرائيل". أحياناً كانت الإشارة تأتي مقترنة بعبارة "قريباً"، كما حثّ على تسمية "إسرائيل" بـ"الكيان الموقت".

من دون حاجة إلى الاستطراد كثيراً في الساحة السورية بصورة خاصة، فإن تفكك "إسرائيل" من الداخل ليس السيناريو الوحيد، الذي يرسم صورة النهايات للمشروع الصهيوني. قد ينتهي الأمر على شاكلة حرب فاصلة مع محور المقاومة بأكمله، أو مع بعض أطرافه، أو بمزيج بين أمرين، بحيث تُواكب الانحلالَ الداخلي خلال مرحلة معيّنة حربٌ عسكرية متعدّدة الجبهات، يصبح بعدها ما كان مُتخيلاً أمراً واقعاً خلال أسابيع. 

العبور إلى شرق أوسط "ما بعد إسرائيل" تعززه، في هذه المرحلة، مجموعة ضغوط متعددة المستويات والجوانب تشدّ الخناق عليها. إلى جانب الطوق الناري المتنامي حولها، معطوفاً على معادلات قوة وردع غير مسبوقة، وإلى جانب العمليات الفدائية والمقاومة المتصاعدة في الضفة الغربية وداخل الأراضي الـمحتلة عام 1948، والانحلال المتزايد نتيجة التناقضات الداخلية المتجذّرة فيها، لا يبدو أن الرياح في البيئتين الإقليمية والدولية تسير وفق ما يشتهي الشِّراع الإسرائيلي.

ما لا يقلّ خطراً عن البركان الداخلي هو الإعصار الخارجي الجاثم، الذي يمثّله مجموع قوى محور المقاومة، الذي انتقل إلى مرحلة جديدة ومتقدمة من العمل بناءً على اعتبارات ومتغيّرات متعددة. بين الديناميات الداخلية والخارجية للكيان، ثمة روابط متفاعلة وتحفيزية، لها انعكاسات على معادلات القوى والردع، ويمكن أن تُلقي ظلالها على مستوى الحرب النفسية.

برميل البارود الذي تخشاه "إسرائيل"

تتزاحم الأجندة هذا الشهر، وفي طيّاتها أكثر من فتيل محتمل يقود إلى برميل البارود الذي تخشاه "إسرائيل". فهمَ بعض الأوساط الإسرائيلية منذ مدة أن الأخطار لم تنقضِ مع انقضاء شهر رمضان الفائت، وأن الأمر لا ينحصر في الاستفزاز في المسجد الأقصى. أكثر من باحث ومحلّل، بالإضافة إلى أصحاب مناصب أمنية سابقة، بدأوا يشيرون إلى أن المنازلة الكبرى باتت واردة جداً وأكثر احتمالية من السابق. وذهب بعضهم إلى أنها باتت مسألة وقت، بناءً على تحفّز الطرف المقابل في موازاة الأزمة الداخلية وتغيّر البيئة الاستراتيجية، وحذّروا من التمادي في الانقسام الداخلي وضرورة التآلف والاستعداد.

تتحدث "إسرائيل هيوم" عن مناسبتين ساخنتين في الشهر الحالي، أُولاهما يوم النكبة الفلسطيني منتصف الشهر، وبعده بأيام يأتي إحياء "يوم القدس الإسرائيلي"، والذي تجوب فيه مسيرة الأعلام أحياء القدس المحتلة مروراً بجانبها الشرقي. المغاير، هذا العام، بحسب الصحيفة، بصورة استثنائية، هو "وحدة الساحات". هذا السيناريو تخشاه المؤسستان الأمنية والعسكرية منذ أشهرٍ، وتحاولان فكّ عقده. عند هذا الحد، لا يعودُ مهماً ما هو الحادث أو المناسبة التي تُشعل الفتيل. إمكان الاشتعال قد يبدأ على شاكلة تصعيد نقطوي، ويمكن أن يتطور ويشمل أنشطة ضد "إسرائيل"، من ساحات عدة في الوقت نفسه.

باختصار، يبدو القول الشائع إن "المصائب لا تأتي فرادى" منطبقاً، بصورة مثالية، على الحالة الإسرائيلية. لعلّ أبلغ من يمكن أن يعبّر عن هذه المصائب هو مراكز القوى والنخب داخل "إسرائيل" نفسها. عندما تنظر الأخيرة إلى المرآة يتراءى لها جسد شاحب متثاقل الخطى وعجوز، وصل إلى أرذل العمر. هذا ما يمكن استخلاصه من عشرات المقالات والأبحاث والآراء المهنية، التي تعكسها وسائل الإعلام الإسرائيلية. 

من هذا المنطلق، سيتنحّى تالياً أي تحليل أو سياق مصدره محور المقاومة، ويُفسح المجال فقط لمعطيات ومعلومات وآراء مصدرها الصحافة الإسرائيلية، مع الاحتفاظ بمسافة آمنة، والابتعاد قليلاً عن الآراء الواردة، بحيث يتعذر التأكد من كل المقاصد والمصادر والغايات، وإن كانت الصورة الإجمالية تتحدث عن نفسها بكثير من الوضوح.

سيناريو "يوم القيامة"

العنوان أعلاه لمقال كتبه المستشرق الدكتور مُردخاي كيدار في صحيفة "ماكور ريشون"، يتحدث فيه عن هجوم مشترك من سوريا والعراق ولبنان واليمن وغزة، ومن داخل فلسطين المحتلة. في نهاية المقال، يدعو كيدار "شعب إسرائيل" إلى الاستيقاظ، لأن هذا "السيناريو الخيالي" يمكن أن يكون واقعياً. 

في البداية، يقول كيدار إنه احتار قبل أن ينشر كلامه الوارد أدناه، بسبب الذعر الذي يمكن أن يثيره في "إسرائيل"، والسبب مخطط إيراني، في المدى الزمني المنظور، لشن هجوم مشترك على "إسرائيل"، كما يقول، اطّلع عليه من مصدر يعرفه في المنطقة متعاطف مع الكيان.

هجوم متدرّج، شامل، مشترك ومنسق، مرحلته الأولى ستكون عبارة عن وابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة، مصدرها كل الساحات المذكورة أعلاه. التقدير الإيراني، بحسب الكاتب، هو أن مخزون منظومة القبة الحديدية سينتهي خلال فترة وجيزة، بعدها ستكون أجواء "إسرائيل" مفتوحة. سينتهي اليوم الأول بشل أجهزة البنى التحتية والمرافق الحيوية المدنية والعسكرية.

بعدها تبدأ المرحلة الثانية بهجوم بري منسّق من لبنان ومن سوريا ومن غزة، والوصول بأسرع ما يمكن إلى مستوطنات محدَّدة بهدف ضرب معنويات "الجمهور الإسرائيلي" وفرض استسلامٍ على حكومته من أجل إنقاذ حياة المستوطنين. 

تقدير المهاجمين، بحسب الكاتب، أن تجنيد الاحتياط سيستمر عدة أيام، وفي أحسن الأحوال سيكون جزئياً بسبب الفوضى. التعزيزات لن تصل في الوقت الملائم إلى مختلف الجبهات. لذلك، ستنهار القوات النظامية خلال ساعات أمام الهجوم البري. مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي ستزيد في الذعر وسط "الجمهور الإسرائيلي". وسوف ينتفض الفلسطينيون في الداخل وفي الضفة الغربية، وستُلحق هذه الأعمال ضرراً كبيراً بقدرة "إسرائيل" على الصمود وصدّ الهجوم البري. 

البيئة الدولية غير مواتية

وفق السيناريو الذي يتصوّره كيدار، فإن روسيا والصين، حليفتَي إيران، "ستدعوان الطرفين إلى وقف العنف"، بينما تدعمان إيران بصورة شبه علنية، وتزودانها بمعلومات بشأن ما يجري في "إسرائيل". الرأي العام في العالمين العربي والإسلامي سيدعم عملية القضاء على الكيان الصهيوني، مثلما حدث خلال حرب لبنان الثانية عام 2006. 

يتوالى السرد في المقال: الحكومات الأميركية والأوروبية سوف تكتفي بالتعبير عن أن أحداً في الغرب لا يبحث عن ساحة قتال إضافية بعد الساحة الأوكرانية، التي تُفرغ مخازن الناتو. بعضها سيرى في الهجوم فرصة للتخلص من "وجع الرأس" الذي تسببه "إسرائيل" لهذه الحكومات منذ أعوام، وهذه الرؤية ازدادت في الأشهر الأخيرة في إثر الفوضى الداخلية التي تعتمل فيها.

بالنسبة إلى الغرب، خسارة "إسرائيل" ليست فظيعة كثيراً، لأن الشرق الأوسط أصلاً أدار ظهره للغرب عندما قررت السعودية وصديقاتها الخليجية – وهي دول أهم كثيراً من "إسرائيل" وفق الكاتب – إدارة ظهرها للحلف الغربي الضعيف، والانضمام إلى الحلف الشرقي القوي، والذي يتعزز يوماً بعد يوم.

أمّا بالنسبة إلى الإدارة الأميركية تحديداً فهي تعرف العلاقة السلبية للأغلبية الليبرالية، وسط يهود الولايات المتحدة، بـ"إسرائيل". لذلك، لا تخشى دفع ثمن كبير جداً، جماهيرياً وسياسياً، إذا تُركت "إسرائيل" تواجه الغزو وحدها. بايدن سيعلن طبعاً أمام الكاميرات "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، لكنه سيحرص على عدم القيام بأي خطوات حقيقية.

الاستعداد للحرب في المدى المنظور

إذا كان هناك مَن يشكّك في خلاصة كلام الدكتور مُردخاي كيدار وصوابية آرائه، فإن معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) ليس واحداً من هؤلاء. يحذّر المعهد من الوضعين الدبلوماسي والأمني الجديدين والناشِئَين بالنسبة إلى "إسرائيل"، ويدعوها إلى الاستعداد لإمكان حرب في المدى الزمني المباشر.

يركّز المعهد في توقعاته على التغيّرات في البيئة الاستراتيجية لـ"إسرائيل"، ويرى أنها تصبح أكثر إشكالية وأخطر مما كانت منذ عشرات الأعوام، انطلاقاً من مسارين أساسيين: في الداخل سبّب الصراع الناشئ ضرراً هائلاً في البعدين الدبلوماسي والاقتصادي، بحيث تقوضت صورة الدعم الأميركي (بمعزل عن استمرار الدعم الأمني)، وتَأَكَّل التصنيف الائتماني. كما دفع الجمهور الإسرائيلي إلى ذرواتٍ جديدة من التطرف والاغتراب، الأمر الذي أدّى إلى تشكّل صورة عنه كمجتمع ممزَّق وماضٍ في خسارة قدرته الوظيفية. هذه النظرة السلبية انسحبت، بحسب المعهد، على دول صديقة، بينها الموقِّعة على "اتفاقات أبراهام"، والتي لم تعد تستبعد وجود تهديدات يمكن أن تفكك قدرة "إسرائيل" العسكرية. 

أمّا المسار الثاني، فهناك إيران التي تبدو أكثر ثقة بنفسها بعد نجاحها في تجاوز القطوع الداخلي، ونتيجة ارتباطها الاستراتيجي بروسيا وبالصين. وفي حين باتت طهران تدرك أن الولايات المتحدة منهمكة في أماكن أخرى، مثل أوكرانيا والصين، وتقلّل انخراطها في الشرق الأوسط، فإن هذا الأمر يمنحها، بحسب المعهد، مزيداً من حرية العمل بمعيّة "وكلائها" في مواجهة "إسرائيل".

الخبير في الشؤون الاستراتيجية، يوني بن مناحيم، يختصر، عبر "تويتر"، الواقع الناشئ بالقول إن إيران تتَّبع استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط، ترتكز على تسوية الخلافات مع دول عربية بهدف عزل "إسرائيل" والمسّ بعملية التطبيع. في المقابل، هي تواصل تحدّي "إسرائيل" وتعزيز حلفائها، ومواصلة حرب الاستنزاف متعددة الجبهات ضد "تل أبيب".