مخاطر ومحاذير التدخل العسكري لمجموعة "إيكواس" في النيجر

قبل أن تنتهي المهلة الممنوحة للمجلس العسكري في النيجر، أعلنت "إيكواس" أن قادة جيوش الدول الأعضاء فيها توافقوا على خطة لتدخل عسكري محتمل في النيجر، بعد رفض المجلس العسكري هناك إعادة الحكم المدني في أعقاب الانقلاب العسكري.

  • مخاطر ومحاذير التدخل العسكري لمجموعة
    مخاطر ومحاذير التدخل العسكري لمجموعة "إيكواس" في النيجر

بينما تُرك السودان وحيداً منذ أكثر من 3 أشهر يواجه مصيره على وقع الاقتتال الحاصل بين الجنرالات، تداعت دول العالم، وفي مقدمتها فرنسا والولايات المتحدة ودول مجموعة "إيكواس"، للتباحث في الإجراءات العملية العسكرية الممكنة والمتاحة من أجل التصدي للانقلاب الحاصل في النيجر، الأمر الذي لا يعكس ازدواجية التعامل الدولي مع القضايا الأفريقية فحسب، ولكنه يكشف أيضاً أن المحدد الضابط للمواقف تلك هو المصالح والنفوذ.

لم يمضِ على انقلاب النيجر الذي وقع في 26 تموز/يوليو الماضي أكثر من 72 ساعة حتى تداعى قادة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس"، وفرضوا عقوبات قاسية على نيامي، وقُطعت إمدادات الكهرباء من نيجيريا، وأغلقت الحدود، وأُمهل المجلس العسكري في النيجر أسبوعاً لإعادة الرئيس النيجيري محمد بازوم تحت طائلة القوة.

وقبل أن تنتهي المهلة الممنوحة للمجلس العسكري في النيجر، أعلنت "إيكواس" أن قادة جيوش الدول الأعضاء فيها توافقوا على خطة لتدخل عسكري محتمل في النيجر، بعد رفض المجلس العسكري هناك إعادة الحكم المدني في أعقاب الانقلاب العسكري.

وقال مفوض الشؤون السياسية والأمن في مجموعة "إيكواس" عبد الفتاح موسى في ختام اجتماع استمر 3 أيام في العاصمة النيجيرية "أبوجا": "حُدِّد في هذا الاجتماع كل عناصر التدخل المحتمل، بما في ذلك الموارد اللازمة، وكذلك كيف ومتى سننشر القوة". 

بالتزامن مع إعلان "إيكواس" خطتها العسكرية للتدخل في النيجر، أوقفت الولايات المتحدة الأميركية بعض برامج المساعدات الخارجية التي تستفيد منها نيامي، فيما قالت وزارة الخارجية الفرنسية إن باريس ستدعم بقوة جهود المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس" لإحباط الانقلاب العسكري في النيجر.

تحرك "إيكواس" وتبني الخيار العسكري من أجل التصدي للانقلاب في النيجر لم يكن قراراً أفريقياً بحتاً، فاليد الفرنسية بدت واضحة في دفع الخيار العسكري إلى الواجهة.

وقبل انتهاء مهلة "إيكواس" بيوم واحد، قالت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا يوم السبت 5 آب/أغسطس الجاري إنّ أمام المجلس العسكري في نيامي مهلة حتى الأحد لتسليم السلطة، وإلا فإن تهديد الدول الأعضاء في إيكواس بالتدخل العسكري يجب أن يؤخذ "على محمل الجد".

ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من "بابوا غينيا الجديدة" الانقلاب العسكري في النيجر بالتطور الخطر جداً على أمن المنطقة بأسرها، وتعهد بدعم مجموعة "الإيكواس"، سواء في جهود الوساطة أو في فرض عقوبات على منفذي الانقلاب.

تبدو فرنسا لمجموعة أسباب أكثر دعماً ودفعاً لتبني الخيار العسكري في النيجر من الولايات المتحدة؛ فعلى الرغم من أن واشنطن دانت الانقلاب في النيجر، فإنَّها لم تعلن أي نية للتدخل عسكرياً لإعادة بازوم إلى الحكم.

وفي مقابل الدفع الفرنسي للتدخل العسكري، اكتفى الاتحاد الأوروبي بالتلويح بالعقوبات الاقتصادية ووقف التعاون الأمني والمساعدات الاقتصادية للنيجر. وقد بدت خطة التدخل العسكري محل خلاف بين دول الاتحاد الأوروبي، إذ دعا وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلى استبعاد أي تدخل عسكري غربي في النيجر، لأنه سيعتبر استعماراً جديداً.

تلويح مجموعة "إيكواس" بالتدخل العسكري في النيجر لم يكن الأول، فقد سبق أن تدخلت عسكرياً في كل من ساحل العاج وليبيريا عام 2003، ومالي في 2013، وغامبيا 2017، وغينيا بيساو في 2012 و2022، لكن الظرف الحاصل في النيجر مختلف لعدة معطيات وأسباب. وقد أخفقت المجموعة في التصدي للانقلابات في عدة دول أفريقية، مثل غينيا ومالي وبوركينا فاسو.

كما أنَّ رواية الانقلاب المعلنة في النيجر أنه لم يكن انقلاباً على الديمقراطية، ولكنه انقلاب على الهيمنة الاستعمارية الفرنسية وسرقة ثروات البلاد، وخصوصاً اليورانيوم، وبالتالي تبني مجموعة "إيكواس" الخيار العسكري والتلويح به، يعيد طرح شبهة العلاقة بين المجموعة والغرب، وخصوصاً لمصلحة فرنسا، ثم إنَّ مواقف الدول المكونة للمجموعة مختلفة حد التناقض من خطة التدخل العسكري في النيجر.

مواجهة تدحرج الانقلابات في أفريقيا ليس التحدي الوحيد أمام مجموعة "إيكواس"، فالذهاب إلى النيجر عسكرياً للتصدي للانقلاب يعد أيضاً تحدياً من مسارين؛ الأول هو قدرة المجموعة على تحمل تبعات التدخل العسكري في النيجر وتداعياته، والآخر هو القدرة على تكوين موقف موحد لدول المجموعة من خطة التدخل العسكري في النيجر، وهو التحدي الذي قد يُفضي في ظل رفض مجموعة دول أفريقية مجاورة للنيجر -مالي وبوركينا فاسو- إلى التدخل واعتباره إعلان حرب عليها إلى تفكيك المجموعة ذاتها.

تبدو مجموعة "إيكواس" جادة في تنفيذ خطتها العسكرية مدفوعةً من فرنسا للتصدي للانقلاب في النيجر، عدم الجدية عواقبها كبيرة في حسابات المجموعة، وفي الحسابات الفرنسية أيضاً، لكن الطريق إلى النيجر لا يبدو ممهداً، وهو محكوم بمجموعة محاذير ومخاطر يمكن إيجازها في التالي:

- التدخل العسكري في النيجر قد يتحول إلى حرب إقليمية أفريقية شاملة تبدأ بتكون حلف مكون من مالي وبوركينا فاسو وغينيا والنيجر ضد التدخل العسكري الذي تقوده نيجيريا. محدد تلك الدول أن نجاح مجموعة "إيكواس" في إنهاء الانقلاب في النيجر قد يمتد إليها ويتكرر معها. وبالتالي، فإن الأمر مصيري بالنسبة إليها.

- هناك تصور أفريقي جديد بدأ يتكون، ملمحه التحول باتجاه روسيا والاعتماد عليها والتعاون معها على حساب النفوذ الفرنسي، وبالتالي فإن جزءاً مما يحدث في أفريقيا من متغيرات وتحولات له علاقة بتنافس دولي في القارة الأفريقية، أطرافه روسيا والصين في مقابل فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في القارة الأفريقية، وليس مجرد صراعات داخلية وتصدٍ للانقلابات.

 وبالتالي، قد تتدحرج الأمور إلى حرب عالمية، ولا سيما أن الانقلاب في النيجر تزامن مع القمة الروسية - الأفريقية في سان بطرسبورغ، التي شارك فيها رؤساء ومُمثّلو 53 دولة أفريقيّة، الأمر الذي أقلق الغرب، وهو ما يفسره سرعة التلويح بالخيار العسكري، وإن كان من خلال مجموعة "إيكواس".

 في المقابل، رأت روسيا أنّ التدخل الأجنبي لن يسمح بحل الأزمة في النيجر، واعتبرت وزارة الخارجية الروسية أنّ ما يحدث في النيجر "شأنٌ داخلي"، مُشدّدةً على أنّ "حلّ المشكلات الأفريقية من شأن الأفارقة وحدهم". 

والمؤشر الأهم هو طلب المجلس العسكري في النيجر يوم الأحد 6 آب/أغسطس، وبمجرد انتهاء المهلة التي منحتها "إيكواس" للمجلس العسكري لإنهاء الانقلاب، المساعدة من مجموعة فاغنر الروسية لمواجهة أي تدخّل عسكري محتمل من "إيكواس". وقد ردّت فاغنر بأنها تدرس طلب التدخّل. 

- اتساع قائمة الدول الأفريقية –التي تتقاسم الحدود مع النيجر-  الرافضة للتدخل العسكري في النيجر. وإضافة إلى رفض مالي وبوركينا فاسو وغينيا وتشاد التدخل العسكري، فإن الجزائر الجارة الشمالية للنيجر ترفض أيضاً التدخل العسكري في النيجر وتحذر منه. 

وقد بررت الخارجية الجزائرية موقفها الرافض لتحرك عسكري بدعم فرنسي بأنه "سيكون عاملًا يُعقد ويزيد من خطورة الأزمة الحالية"، وتخشى الجزائر تكرار السيناريو الليبي في النيجر أو السيناريو المالي عقب التدخل الفرنسي عام 2013.

- على مستوى الرأي العام الأفريقي عموماً، والشارع النيجري على وجه الخصوص، فإن تبعات التدخل العسكري لمجموعة "إيكواس" ستفضي إلى تأكّل القناعات الشعبية بجدوى المجموعة التي تتعرض للانتقادات، وستتمدد حالة الرفض، وخصوصاً أننا لم نشاهد تظاهرات رافضة للانقلاب الحاصل في النيجر.

 في المقابل، استدعى المجلس العسكري، واستعرض التأييد الشعبي، عندما حشد ما يزيد على 30 ألف شخص تجمعوا في ملعب "سيني كونتشي" في العاصمة نيامي، ورددوا هتافات داعمة للمجلس العسكري ومنددة بالعقوبات التي فرضتها مجموعة "إيكواس" على بلدهم ومناهضة لفرنسا. وكان من بين الهتافات التي ترددت في الملعب: "تسقط فرنسا، تسقط إيكواس".

- لا يُستبعد أن يتحول التدخل العسكري في النيجر إلى حرب أهلية قبلية مفتوحة، على غرار ما يحدث في السودان، وبالتالي يتحول الأمر من التصدي للانقلاب وإعادة الرئيس محمد بازوم إلى وضع النيجر على فوهة حرب داخلية قد لا يكون بإمكان مجموعة "إيكواس" إيقاف تمددها في عموم القارة الأفريقية.

- من الواضح أن نيجيريا هي من سيقود التدخل العسكري، لكن هذه القيادة يعوقها كثير من المخاطر والتحديات والحسابات السياسية الداخلية، إضافة إلى التقاطعات العرقية والقبلية بين المكونات المجتمعية في كل من نيجيريا والنيجر، وبالتالي قد يرفض الجيش في نيجيريا الذهاب إلى القتال في النيجر، كما أن الوضع الداخلي في نيجيريا لا يتيح لها تحريك جيشها بأريحية باتجاه النيجر على طول حدود تزيد على 1600 كيلومتر.

لا يبدو أن الرياح تسير بما تشتهي سفن فرنسا ومجموعة "إيكواس"، ولا سيما أن خيار التدخل العسكري بات مستبعداً وغير متاح، بعدما رفض مجلس الشيوخ في نيجيريا إعطاء تفويض لرئيس البلاد بولا أحمد تينوبو بالمشاركة في التدخل العسكري في النيجر.

وبالتالي، إن مجموع مخاطر ومحاذير التلويح بالتدخل العسكري في النيجر قد يفضي إلى استدارة متوقعة باتجاه خيار العقوبات الاقتصادية الذي تبدو تبعاته أقل ضرراً وأكثر جدوى. وقد يحظى بإجماع الأطراف الرافضة للانقلاب وللتدخل العسكري الذي بات مستبعداً.