سهى صباغ

كاتبة لبنانية

"جواد سليم"..النحّات العراقي، ونصب الحريّة يحكي الأمس واليوم في بغداد

في أجواء الحرب على الإنسان والحضارات، وكلّما مرّت في نشرات الأخبار مشاهد من بغداد، خلال الملحمة التراجيديا، التي عانتها مع مجرمي العصر الدّواعش، كنت أحاول أن أطمئن على نصب الحريّة، وإن كان سينجو من همجيّتهم، كما أتابع أحوال هذا الشّعب الأصيل المنكوب، ومعاناته.

قبله كانت التماثيل حِكراً على الملوك والمستعمر وأصبحت تحاكي معاناة شعب

النحّات العراقي جواد سليم
النحّات العراقي جواد سليم

جواد سليم أضحى مثلاً أعلى، للكثير من الفنّانين التشكيليين وخاصّة النحّاتين العراقيين. كيف لا ونصبه " تمثال الحريّة" يتصدّر ساحة التّحرير في العاصمة العراقيّة. قبل هذا التّمثال، لم يكن في بغداد سوى ثلاثة تماثيل للملك فيصل الأوّل، والملك غازي، والقائد البريطاني مود، صمّمها فنّانون أجانب. فجاء هذا النّصب ليربط بين حقبتين، أو عصرين، العصر القديم والعصر الحديث. كانت فكرة إنشاء هذا النّصب للمهندس المعماري "رفعت الجادرجي" الذي وضع التصميم المعماري، وكانت رغبته أن يقيم بوّابة عالية في ساحة من ساحات بغداد، ومطلوب من جواد، نحت مشهد بارز من البرونز، يُعَلّق على اللافتة، بمشاركة محمد غني حكمت، الذي استفاد جواد من محترفه في روما، لتنفيذ المخطوطات الخاصّة بالنّصب.

 


من ملحمة جلجامش إلى نصب الحريّة

جزء من نصب الحرية
جزء من نصب الحرية

بدأ جواد سليم العمل على نصب الحريّة، بطلب من عبد الكريم قاسم، رئيس الوزراء في الجمهوريّة الأولى بعد ثورة تمّوز 1958. وكانت من أولى اهتماماته، الأمور الإبداعيّة والفنيّة، والتّعبيريّة، وطموحه أن تكون ساحات بغداد مسرحاً لإبداعات الفنّانين.  

 

يتكوّن نصب الحريّة من 14 قطعة من المصبوبات البرونزيّة، وهي تحكي ثورة تمّوز 58 ورموز تحكي تاريخ العراق، وشعب ناضل وانتصر. مشهديّات عن الاعتقال والتّعذيب في السّجون، أم تحضن ابنها الشّهيد، وأخرى تحمل مشعل الحريّة، وسجين ينتزع القضبان، وآخر وأخرى يرفعوا قبضة الحريّة.. يقول أحد أصدقاء جواد سليم، أن هناك ملحمتان مهمّتان في العراق، ملحمة جلجامش، ونصب الحريّة.

 


عَزَفَ نَحْتاً وعلى القيثارة

ولد جواد سليم في بغداد سنة 1919 وتابع تحصيله العلمي فيها، فيما بعد شارك في بعثة إلى فرنسا حيث درس النّحت في باريس العام 1938، في معهد الفنون الجميلة. ركّز جواد على دراسة أعمال النّحات الفرنسي رودان والذي تأثّر به إلى حدٍ بعيد. كذلك تأثّر بالفن القديم في بلاده وآثاره، وما أدراك مدى غنى العراق بالفن القديم، وقد بان هذا التأثّر، ما بين الفن القديم والفن الحديث، بشكل واضح في أسلوبه ليشكل شخصيّته الفنيّة. بالإضافة إلى دراسته للفن في باريس، درس جواد في إيطاليا ولندن واستفاد كثيراً من الفن العالمي.

 

عاش جواد سليم في كنف عائلة فنيّة، فوالده الضّابط في الجيش العثماني، كان من هواة الرّسم الواقعي، وأخوه الأكبر رسّام كاريكاتوري، ويرسم الموتيف في الجرائد والصّحف، وإخوته أيضاً كانوا يتعاطون الرّسم والثّقافة.

 

كان جواد سليم، متعدّد المواهب ليستفيد من حسّه وعمقه الفني والثّقافي، في مجالات فنيّة أخرى، فقد كان عازفاً بارعاً على آلة القيثارة، وإلى جانب كونه نحّاتاً ورسّاماً، صمّم الحلي النّسائيّة وأغلفة الكتب، وصمّم الديكور للمسرح. 

 


السّجين السّياسي المجهول، في الأمم المتّحدة

السجين يحطم القيود
السجين يحطم القيود

ترأس النحّات العراقي جواد سليم، قسم النّحت في معهد الفنون الجميلة في بغداد حتى وفاته، كما أنّه أسّس جماعة بغداد للفن الحديث، مع الفنّان شاكر حسن آل سعيد، والفنّان محمد غني حكمت، كما كان أحد مؤسّسي جمعيّة التّشكيليين العراقيين. وقد أسس النّحّات سليم، لمدرسة عراقيّة في الفن الحديث، رغم أنه لم يطلع كليّاً من تأثّره بالفن الأثري القديم، بل تغلغل به أكثر وفهم أسرار بنائه، ليُعيد خلقها بأسلوب ووسائل فنيّة حديثة.

 

تحتفظ الأمم المتّحدة بنموذج لِمُصَغّر من البرونز، لإحدى أعمال سليم "السّجين السّياسي المجهول" وكان هذا العمل قد فاز بالجّائزة الثّانية في مسابقة نحت عالميّة، وكان المشترك الوحيد من الشّرق الأوسط. 

 


أليس أفضل مكان للموت؟

لم يختر جواد سليم أن يكون عمله عبارة عن مجسّمات، بل اشتغل بأسلوب العمل النّاتئ، كما الفن القديم، بكل مشهد يروي قصّة، ويبرز حالة إنسانيّة أو وطنيّة معيّنة. سافر إلى فلورنسا سنة 1960 لصبّ أجزاء النّصب وعاد بعد حوالي السّنة ليبدأ بتركيبها في ساحة التّحرير، وفي أثناء عمله، أُصيب بنوبة قلبيّة بسبب الإجهاد، وبعد عشرة أيّام توفي، في تمّوز 1962 عن عمر 42 سنة. فيما بعد جيء بخبراء فنيين ومهندسين، لإتمام هذا العمل.

 

 


من الإلتزام الوطني إلى التّزيين

 

كانت طموحات جواد سليم طموحات فنيّة وطنيّة، يُعبّر من خلالها عن مواضيع اجتماعيّة ووطنيّة، عكس ما وقع فيه الآن، الكثير من الفنّانين الذين يمتثلون لرغبات أصحاب الصّالات الفنيّة ومافياتها، بتفضيلهم الأعمال التّزيينيّة التي تُكمّل ديكور المنزل والمؤسّسات، مجرّدة من أي انتماء أو حسّ وطني أو حتى معاناة إجتماعيّة، أو نقل واقع معاش على أرضهم، وفي وطنهم.

 

النّصب الذي مضى على إنشائه نصف قرن، يُعاني في الوقت الحاضر من التصدّعات بسبب الانفجارات الكثيرة الّتي حدثت بالقرب منه، وبسبب نوافير المياه التي تسبّب الرطوبة، والتي أُقيمت تحته في ساحة النّفق، فهل أنشئت بقصد إتلافه؟    

 


قُطِع رأسه في ساحة الطّيران

تمثال جواد سليم الشّخصي
تمثال جواد سليم الشّخصي

في عام 2016، تعرّض تمثال جواد سليم الشّخصي، في ساحة الطّيران وسط بغداد، إلى التّشويه وقطع الرأس، وكأنه اغتيال بعد مماته، كما جرى لغيره من الأعمال الفنيّة والأثريّة، التي أُتلفت في المتاحف وفي أماكن أخرى، كحرب على الحضارة والإنسان، في عصر همجيّة الدّواعش وإجرامهم. 

 

 


بعض الأعمال المنهوبة تعود، والفنانين أهم المنقذين

من أعمال النحّات جواد سليم، تمثال "الأمومة" وهو مصنوع من الخشب، بارتفاع مترين، عُثِر عليه في منطقة الميدان في بغداد العام 2003، بعدما تعرّض للسرقة، في الفوضى التي تسبّب بها الغزو الأميركي للعراق، وأباحوا نهب المتاحف، وبالتّالي إتلاف الكثير من الأعمال الفنيّة والأثريّة التي لا تُقدّر بثمن. عثر على التّمثال النّاقد صلاح عبّاس، واشتراه بمبلغ مئتي دولار، وهو الذي يُقَدّر بمئات آلاف الدولارات، ليعيده إلى المتحف الوطني التّابع لوزارة الثّقافة، حيث هو موجود الآن، إلى جانب أربعة لوحات من أعمال سليم؛ وقد تأسّست لجنة سُمّيَت ب"جماعة إنقاذ الأعمال الفنيّة المسروقة" وإعادتها إلى المتحف، وذلك بمبادرة من الفنّانين؛ كما يحاول فنانون كثر في الوقت الحاضر، إنقاذ ما يستطيعون إنقاذه من أعمال فنيّة وكتب تقع تحت أيديهم، بمبادرة فرديّة، وهم يستحقّون كل تقدير وتحيّة وهذا أضعف الإيمان.

 

في النّهاية، لولا خطورة الفنّ، لما التفت إليه أحد، وخاف منه كل عدو للإنسانيّة، وكل فاسد في بلاده.. 

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]