زينب الصفّار

أكاديمية وباحثة عراقية - لبنانية متخصصة بالقضايا الدولية. معدة ومقدمة برنامج "من الداخل" على قناة الميادين.

"الخوَذ البيضاء" منظمة "إنسانية" أم...مُرتزقة!

في أيار\مايو 2016 نَشرت صحيفةُ "الغارديان" مقالاً مُثيراً عن كيفيةِ شنِّ السلُطاتِ البْريطانيةِ حرباً استراتيجيةً إعلاميةً من ابتكارِهِم عن الأحداثِ الجاريةِ في سوريا ، عَبرَ القيامِ بحملةٍ سرّيةٍ لتضليلِ المجتمعِ الدَّوليّ، وكيف أنَّ بْريطانيا تحاولُ الآنَ إقناعَ المجتمعِ الدَّوليِّ بوجودِ مُعارضين "جيّدين" كبديلٍ وحيدٍ مقبولٍ" عن "داعش" ونظامِ بشّار الأسد.

"الخوّذ البيضاء" منظمة بريطانية الأصل أسّسها ضابط عسكري سابق في قوّات الأمن الخاصة يُدعى "جايمس لو موزورييه" أسّسها عام 2013

 بحسَبِ الغارديان ولهذا المآل شرَعت وزارةُ الخارجيةِ البْريطانية في موافقةِ وزارةِ الدفاعِ على توظيفِ مقاوِلينَ بينهم من يعملُ في تركيا، مَهمّتُهُم تحضيرُ صوَرٍ وأشرطةِ فيديو تكونُ خياليةً أحياناً من إخراجِهِم وينشرونها مرفقةً بتعليقٍ باسمِ "المعارضةِ المُعتدِلة". وتُنشرُ هذهِ الموادُّ في شبكةِ الانترنت من دون ِأيِّ ذكرٍ لعلاقةِ الحكومةِ البْريطانيةِ بها. وعموماً، فقد أنفقت لندن منذ بدايةِ هذه العمليةِ السرّيةِ عامَ 2013 و حتى الآن نحوَ 3.6 ملايين دولار.

ووصلَ الأمرُ إلى حدٍّ طلبت فيهِ السلُطاتُ من المقاولين "إيجادَ وإعدادَ سكرتيرٍ صِحافيٍّ قادرٍ على التحدّثِ باسمِ المعارَضةِ المُعتدِلة". وأيضاً "إنشاءَ مركزٍ إعلاميٍّ وإدارة عملِه على مدى 24 ساعةً يومياً". فمثلاً، يسيطرُ على عملِ المركزِ الصحافيِّ لـ "الجيشِ السوريِّ الحرّ" البْريطانيون بالكامل.معلوماتُ الغارديان استندت إلى مقابلةٍ صِحافيةٍ معَ أحدِ المقاوِلينَ الذي وافقَ لأسبابٍ مُعيّنةٍ على كشفِ العملياتِ السرّيِة التي تقومُ بها لندن.

فانيسا بيلي، الباحثةُ والصحافيةُ التصويريةُ المُستقلّة التي أمضت أكثر من 18 شهراً تبحث ميدانياً في عمل المنظمة غير الحكومية "الخوَذ البيضاء" وتُخبرنا من الداخل  عنهم :

"الخوّذ البيضاء" منظمة بريطانية الأصل أسّسها ضابط عسكري سابق في قوّات الأمن الخاصة يُدعى "جايمس لو موزورييه" أسّسها عام 2013. موّلت تكاليف تأسيسها بلدان عدّة كانت تعارض سوريا آنذاك، لكن مصدر معظم تمويل هذه المنظمة وتدريبها هو بريطانيا التي مولّتها حتى يومنا هذا بمبلغ 65 مليون جنيه إسترليني. وموّلتها الولايات المتحدة الأميركية عبر"الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" USAID ، وهي عميلة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ذات طائلة خارجية بمبلغ 23 مليوناً، إلى جانب حكومات من الاتحاد الأوروبي مثل هولندا و الدانمارك  و ألمانيا  و فرنسا وأخيراً قطر، المعروفة بتمويل بعض الفصائل الإرهابية التي تقاتل في سوريا لخدمة أهداف الحلف الأطلسي ودول الخليج الجيوسياسية، أعلنت أنّها تموّل "الخوَذ البيضاء" هذه المنظمة التي أُسّست في  غازي عنتاب  في  تركيا أي أنّها لم تؤسَّس حتى في سوريا".

أما عن الدعم الذي تتلقّاه هذه المنظمة فتقول بيلي إنها مدعومة من شركات تسويقية هائلة، فإن دقّقنا في المنظمات الداخلة إلى سلسلة تأسيس هذه المنظمة ننطلق من منظمة "موفون. أورغ" moveon.org  التابعة للحزب الديمقراطي،  إلى منظمة "آفاز" Avaaz  في الولايات المتحدة الأميركية لإطلاق الحملات والمعروفة بقدرتها على تغيير النظرة العامة وفق التوجّهات ولا سيما إن شاء الحزب الديمقراطي المضي قدماً في مبادراته على المستوى الجيوسياسي ومن "آفاز" ننتقل إلى منظمة دعائية في مانهاتان، "بوربوس"  Purpose التي يموّلها جورج سوروس، وهو وفقاً لبحوث فنيسا بيلي، معنيّ بعدد من المنظمات غير الحكومية فاعلة في الميدان إمّا في  تركيا أو في سوريا لإطلاق الحملة الدعائية التي تعمل ضدّ الدولة السورية.  

أما عن الصلات ببلاكواتر Blackwater فترى بيلي يمكن الوصول إليها عبر جايمس لو موزورييه، الذي عمل لصالح منظمة "أوليف غروب" olive group التي اندمجت عام 2015 بمنظمة تُدعى "كونستيليس" constellis، وهذه المنظمات كلّها شركات أمن خاصة. أمّا كونستيليس التي استولت على أوليف غروب فورد في ملفّاتها إسم منظمة "أكاديمي" academy  التي هي في الواقع بلاكواتر، ولكنّها غيّرت إسمها بعدما انفضحت إثر مجزرة ساحة النسور في العراق. ومن المعروف أنّ منظمة بلاكواتر تلقّت التمويل من الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش وأيضاً من باراك أوباما الذي ساهم بمبلغ 250 مليون دولار للاستمرار في تنفيذ ما فعلوه في ولاية بوش. هي مجموعة مرتزقة، فعبارة "أمن خاص" تلطيف لعبارة "قاتل مرتزق" فهم بمثابة منظمة مقاتلين مرتزقين يعملون لصالح وكالة الاستخبارات المركزية لإبعاد صلة الحكومة الأميركية بأية عملية اغتيال تحت عنوان "مكافحة الإرهاب" من تنفيذ هذا الفريق. لم يعمل جايمس لو موزورييه لصالح  بلاكواتر بالتحديد ولكنّ بحسب بيلي إن دقّقنا في المنظمات التي عمل لصالحها وهو يعمل حالياً لصالح غود هاربر إنترناشونال good harbor international المتّخدة مقرّها في دبي في منطقة كونستيليس نفسها التي تضم بلاكواتر ويديرها ريتشارد كلارك الذي كان مستشار بوش في شؤون الإرهاب، وهو نفسه مرتبط بـريتا كاتز Rita Katz التي تُدير مجموعة سايت SITE  للاستخبارات، و هي المنظمة التي تنتج دائماً شرائط الفيديو لعمليات إعدام داعش. وإذا أمعنّا النظر في "الخوَذ البيضاء" حين أُسّست تمّ دمج عناصرها فوراً في مناطق احتلال "داعش" و"جبهة النصرة" و"القاعدة" في سوريا فحسب فهي المناطق الوحيدة التي تعمل فيها.

فنيسا بيلي تتحدّث أكثر عن أسباب إطلاق الإعلام الغربي وإعلام الشركات تسمية "الدفاع المدني السوري" على منظمة "الخوَذ البيضاء"-التي اعتمد معظم متابعي الأنباء على المعلومات الصادرة عن هذه المنظمة- و لماذا لم يأتوا إلى العلن سوى السنة الماضية؟ وماذا يفعلون في شرق حلب هل فعلاً يقدّمون أية معونات إنسانية  ومساعدات طبية كما تُشير وسائل الإعلام؟ وهل هم سوريون؟ وتشرح كيف نشهد اليوم على "هَلودة" هذه المنظمة في محاولة منحها مصداقية ما حيث تشيرُ تقاريرُ إعلاميةٌ إلى أنَّ النجم الأمريكي جورج كلوني سيمثّلُ في فيلمٍ روائيٍّ حول أعضاءِ"الخوَذ  البيضاء".