لماذا لازلنا نعتبر روسيا حليفاً رغم اختلافنا مع بعض سياساتها وتكتيكاتها في سوريا ؟!

إن السياسة تصبح في بعض الأحيان عبارة عن طلاسِم بحاجة إلى مجهوداتٍ خارقة لفهمها واستيعابها وسَبْر أغوارها لأن ظاهرها قد لا يعكس باطنها وباطنها قد لا يعكس ظاهرها فتظهر للعيان على غير حقيقتها مشوّشة ومُلتبِسة.

  • لماذا لازلنا نعتبر روسيا حليفاً في سوريا؟

لكي أوضح ما أريد إيصاله إلى القارى فإن روسيا مثلاً دعمت بشكلٍ واضحٍ مؤخّراً مواقف نتنياهو إزاء سوريا، الأمر الذي كان يتطلّب من إسرائيل مُراعاة مصالح روسيا كنوعٍ من ردّ الجميل، ولكنها وكما ذكرت صحيفة "تيليبوليس"الألمانية اختبرت مؤخّراً صاروخاً أسرع من الصوت من فئة أرض جو يُسمَّى "رامبيغ"لتدمير منظومات الدفاع الجوي الروسية في سوريا من طراز أس- 300الأمر الذي سيلحق في حال حصوله أضراراً فادِحة بسمعة السلاح الروسي ، وبالتالي بمبيعاتها من الأسلحة ومصالحها الاستراتيجية.
وفي ذات السياق فإنه في الوقت الذي ظهرت فيه بعض المؤشّرات على أن روسيا قد تكون معنيّة بإبعاد القوات الإيرانية وقوات حزب الله عن الأراضي السورية، فإنها تحتفظ بعلاقاتٍ جيّدةٍ مع إيران وتُعارِض العقوبات الأميركية عليها، وبعد يوم واحد من قرار إدارة ترامب تخصيص مبلغ عشرة ملايين دولار لكل مَن يُدلي بمعلوماتٍ عن أشخاصٍ يُموّلون حزب الله ، فقد أُعلِن في موسكو عن أن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف سوف يستقبل في موسكو (اليوم الثلاثاء) النائب في البرلمان اللبناني عن حزب الله علي فيّاض الذي يقوم بزيارةٍ إلى موسكو تلبية لدعوةٍ من وزارة الدفاع الروسية للمشاركة في مؤتمر حول الأمن.الأمر الذي يتناقض أيضاً مع جميع المساعي الأميركية الإسرائيلية الهادِفة إلى مُحاصرة الحزب وتجفيف مصادر دخله من غير إيران.
وإذا ما انتقلنا إلى صُلب الموضوع الذي ننوي مُعالجته في هذه المقالة، فإن روسيا لم ترتكب تاريخياً جريمة واحدة ضد الشعوب العربية لا في العهد القيصري ولا في العهد الشيوعي وصولاً إلى عهد بوتين، كما فعلت بريطانيا وفرنسا وأميركا التي ارتكبت أفظع الجرائم وسفكت دماء ملايين العرب والمسلمين من أجل مصالحها الاستعمارية في النَهْب والسيطرة، ما جعل من صورتها في الوعي الجَمْعي العربي ناصِعة البياض ومُشرقة بعكس دول الاستعمار القديم والجديد.
وقد ربطت روسيا التي كانت عِماد ورأس حربة الاتحاد السوفياتي السابق بالدول العربية المُعادية للإمبريالية ، علاقات صداقة وتعاون قوية وتحديداً أيام فترة حُكم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، ما جعل الشعوب العربية تنظر إلى الروس نظرة احترام وتقدير على اعتبارهم حلفاء للعرب في معاركهم ضد الإمبريالية والصهيونية ومن أجل التحرّر والتقدّم الاقتصادي والاجتماعي.
ومن هذا المُنطلَق فإن بعض العرب لم يستوعبوا بأن تقوم روسيا الحالية التي هي بالنسبة إليهم وريثة للاتحاد السوفياتي السابق، بالتنسيق مع إسرائيل لمنع التصادُم الجوي في الأجواء السورية، أوتقوم بتسليم رفات جندي السلطان يعقوب لنتنياهو قبل انتخابات الكنيست الإسرائيلي الأخيرة، ما ساعده في اجتيازه للاستحقاق الانتخابي بنجاح، كما لم يستوعبوا عدم السماح للجيش العربي السوري باستخدام صواريخ منظومة ال أس-300 ضد المُقاتلات الإسرائيلية التي تنتهك حُرمة الأجواء السورية، ومؤخّراً عدم إدانة الروس الغارات الجوية التي تشنّها الطائرات الحربية الإسرائيلية على أهدافٍ سوريةٍ وإيرانيةٍ في سوريا.لأن ذلك يتناقض مع صورة نمطية إيجابية حُفِرَت في الوجدان العربي عن الروس. 
إن انتقاد بعض مواقف روسيا إزاء الأزمة في سوريا وما قيل عن التزام قدّمه بوتين لنتنياهو بضمان مصالح إسرائيل في أية تسوية سياسية محتَملة للأزمة السورية، يُقلقنا ويتطلّب توضيحاتٍ من الحليف الروسي أسبابه ودوافعه، وهل هو تكتيك يصبّ في خدمة الهدف الاستراتيجي الروسي والسوري المشترك في استكمال الحرب ضد الإرهاب؟ أم أنه يعكس تحوّلاً في الموقف الروسي لا يصبّ في خدمة ذلك الهدف؟.
وغنّي عن القول بأن هذا الموقف لا يلتقي ولا يتقاطع أبداً مع المساعي المشبوهة التي تبذلها بعض الدول والأطراف العربية للإساءة للروس من باب بعض الأخطاء التي يرتكبونها خدمة لأميركا وإسرائيل بقدر ما يتناقض معه بالمُطلق لأن الهدف منه هو خدمة المصالح العُليا للأمّة العربية. 
فبعض العرب يُعادون روسيا لأنهم عملاء لأميركا وإسرائيل، أي من منطلق الكراهية التاريخية لدولة عُظمى ساندت بقوّة عندما كانت مُكوّناً أساسياً من مكوّنات الاتحاد السوفياتي السابق حركة التحرّر الوطني والاجتماعي العربية من منطلقات مبدئية، ولعبت دوراً حاسِماً في إفشال وإسقاط المشروع الصهيو- أميركي -الغربي- الرجعي العربي الذي كان يستهدف إسقاط الدولة السورية من منطلق منظومة المصالح ، بعد أن عادت دولة عُظمى على يد رئيسها الحالي القومي الروسي فلاديمير بوتين. بينما البعض الآخر يذهب إلى انتقاد تلك التكتيكات ليس لأنه يضمر أيّ عداء لروسيا ، وإنما لأنه يطمح بأن تكون روسيا داعِمة ومُسانِدة للقضايا العربية كما كانت أيام الاتحاد السوفياتي السابق بل وأكثر.
ولكي ندخل في صُلب الموضوع الذي نحن بصَدَده، فإن الشرق الأوسط بالنسبة لنا نحن العرب هو كل شيء ، أما بالنسبة لروسيا ورغم أهميّته الكبيرة في الصراع الدولي من أجل إعادة صوغ شكل العالم ، فإنه ليس الكل بالنسبة للروس رغم أهميته الكبيرة، ولذلك فإن روسيا قد تُقدِم على اتخاذ مواقف وممارسة تكتيكات قد تبدو لنا غير مفهومة أو حتى مُعادية لمصالحنا.
وهذه التبايُنات هي أمور طبيعية حتى بين حلفاء ، ولكن ما يجعل منها غير طبيعية هو عجزنا نحن العرب عن استثمار مواطِن قوّتنا للتأثير على الموقف الروسي بصورة تُجبِر روسيا على الإصغاء لمطالبنا وأخذ مصالحنا بعين الاعتبار كما تأخذ مصالحها.
إن قراءة الواقع كما هو تشير إلى أن روسيا هي دولة حليفة لمحور المقاومة والمُمانعة في المنطقة، طالما أن هدف الجانبين هو استكمال تحرير الأراضي السورية من العصابات الإرهابية المُسلّحة وطًرْد كل القوات الأجنبية المتواجِدة على تلك الأراضي من دون موافقة الحكومة السورية.
وما يشكّل القاعدة المادية الصُلبة لذلك التحالف أن روسيا تخوض صراعاً على المستوى الكوني مع الولايات المتحدة الأميركية لإعادة صوغ شكل العالم ، وفي هذا الصراع تعتبر إسرائيل جزءاً أساسياً من التحالف الأميركي المناوئ للمصالح الروسية ، ما يرجِّح أن العلاقة الروسية الإسرائيلية ورغم تأثّرها من الجانب الروسي بوجود لوبي صهيوني قوي في موسكو، وبمسعى روسي لاستثمارها كمدخلٍ لتحسين الأجواء مع واشنطن ، إلا أن بُعدها تكتيكي وليس استراتيجياً كما العلاقات بين روسيا من جهة وسوريا وإيران من جهة أخرى.
ويحضرني في هذا السياق أن التحالفات السياسية والعسكرية بين دول أو قوى سياسية لا تعني بالضرورة التطابُق المُطلق في كل شيء وإزاء كل شيء. فالاتحاد السوفياتي الذي كان يخوض صراعاً ضارياً ضد الامبريالات البريطانية والفرنسية والأميركية ، اضطر لإقامة تحالف معها في مواجهة ألمانيا النازية والعسكرية اليابانية وإيطاليا الفاشية في الحرب العالمية الثانية رغم العداوة الشديدة التي كانت تجمعهم. 
بمعنى آخر فإن التحالف عندما يكون على أساس مصالح وليس على أساس مبادئ، فإنه يمر في حقل من التبايُنات والتعارُضات وحتى الصراعات بين أطرافه المكوّنة إلى أن يتحقّق الانتصار النهائي ليقطف كل طرف من أطرافه المكوّنة الثِمار.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً