أوّل مناظرة رئاسية عربية في تونس.. ما لها وما عليها

وبالرغم من كونها خطوة إيجابية ومبشرة بديمقراطية انتخابية عالية المستوى، وقعت المناظرات الرئاسية التونسية في مطبات عديدة أضعفت جوّها العام وشكلت مادة دسمة لانتقادات الصحف والتونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي.

تونسيون يتابعون المناظرة الرئاسية الأولى في مقهى في العاصمة / أ.ف.ب
تونسيون يتابعون المناظرة الرئاسية الأولى في مقهى في العاصمة / أ.ف.ب

صورة ديمقراطيّة بارزة قدمتها تونس مؤخراً بتنظيمها أوّل مناظرات متلفزة ومباشرة بين المرشحين الـ26 للانتخابات الرئاسية 2019. مناظرات سمحت إلى حد ما للناخب التونسيّ بتقييم المرشحين، لينتخبوا بين 13 و15 أيلول/سبتمبر الجاري رئيسهم المقبل.

ثلاث مناظرات توزّع عليها المرشحون الـ26، غاب عنهم كل من نبيل القروي، الموقوف بتهم الفساد وتبييض الأموال في المناظرة الأولى، وسليم الرياحي المقيم خارج البلاد والملاحق بالتهم نفسها في المناظرة الثالثة.

أسئلة عديدة عن صلاحيات رئيس الجمهورية فيما يتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية، بالإضافة إلى الاقتصاد والحقوق والحريات العامة، طُرحت على المرشحين المشاركين في المناظرات التي نقلتها التلفزة التونسية الرسمية والخاصة أيام السبت والأحد والإثنين الماضين.

وبالرغم من كونها خطوة إيجابية ومبشرة بديمقراطية انتخابية عالية المستوى، وقعت المناظرات الرئاسية التونسية في مطبات عديدة أضعفت جوّها العام وشكلت مادة دسمة لانتقادات الصحف والتونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي.

بصورة مغايرة عن المناظرات الانتخابية في العالم (الأميركية والفرنسية نموذجاً)، لم يقف المرشحون التونسيون في مواجهة بعضهم البعض، بل اصطفوا جنباً إلى جنب مقابل مقدمي المناظرة والجمهور. لم ينظروا إلى بعضهم البعض، لم يتفاعلوا مع إجابات بعضهم البعض، كما لم تعرض عدسات الكاميرا وجوههم لتلتقط تعابيرها وانفعالاتها خلال إجابة أحدهم على الأسئلة الموجهة إليه. فمن منّا مثلاً ينسى تعابير وجه دونالد ترامب وهيلاري كلينتون خلال مناظراتهم عام 2016؟.

ولم يسمح عدد المرشحين الكبير وتوزعهم على ثلاث مناظرات فقط إلى تحقيق تفاعل وفتح نقاشات بينهم حول القضايا الإشكالية، كما لم يسمح نظام المناظرات بذلك، عكس ما يحصل في المناظرات الأميركية التي تحتدم بالنقاشات والحوارات، فكانت المناظرات التونسية أشبه بمقابلة إعلامية منفردة مع كل مرشح ولكن داخل استديو واحد.

بالإضافة إلى ذلك لم يُطرح على المرشحين الأسئلة نفسها (خاصة الإشكالية منها)، بل تنوعت واختلفت الأسئلة كثيراً ما أضاع على الناخب التونسي فرصة واسعة للمقارنة بين إجاباتهم ومعرفة مواقفهم بشكل واضح.

سِمةٌ واحدةٌ مشتركةٌ برزت بوضوح في المناظرات الثلاث، بحيث طغت الإجابات العمومية على ردود المرشحين. خطأ وقع فيه العديد منهم، فارتأوا تقديم إجابات غير مباشرة على قضايا متخصصة يحتاج من خلالها الناخب إلى معرفة الجواب بوضوح، كما استرسل البعض في تشخيص الواقع الحالي وانتقاده عوض الحديث عن خططه ومبادراته المستقبلية كرئيس متوقع للجمهورية.


الهدوء والملل صفة المناظرة الأولى

بأصوات المتظاهرين خلال ثورة 2011، انطلقت المناظرة الأولى.. 8 مرشحين تناظروا في ساعتين ونصف. هدوء مطبق، برودة في الإجابات، ملل واضح على الجمهور في الاستديو، في ظل غياب أيّ تفاعل بين المرشحين ولا أيّ طلب لحق الرد ولا أيّ انتقادات كما يحصل عادة في المناظرات.

المرشحة عبير موسي (عن الحزب الدستوري) كانت الأكثر ثقة ووضوحاً في إجاباتها، أمّا المرشح عمر منصور (مستقل) ظهر عليه التوتر بشدة وكانت إجاباته مختصرة وعامة لدرجة أنّه أنهاها جميعها قبل الوقت المحدد بكثير، ما وضعه في موقع انتقاد على السوشيل ميديا.

بدوره أضعف المرشح المستقل ناجي جلول موقفه أمام الناخب التونسي، عندما أجاب بأنّه "لا يمكن الحديث عن الحريات وهناك نصف مليون جائع، محاربة الفقر هي الأساس" حين سُئل عن التشريعات المتعلقة بالحقوق والحريات التي قد يقدمها.

أمّا المرشح محمد عبّو فبالغ بالتركيز على فكرة فصل الصلاحيات بين رئيسيّ الجمهورية والحكومة في العديد من الأسئلة التي وجهت إليه، ما جعله عرضة للانتقاد من المرشحيّن عبد الفتاح مورو وناجي جلول.

وقف مورو مرشح حزب النهضة وكأنه يلقي خطبة الجمعة، أجاب باندفاع ووضوح عن كل الأسئلة. أمّا مرشح حزب البديل التونسي مهدي جمعة فركز في إجاباته على تجاربه السابقة كرئيس للحكومة، التي قد لا تكون موضع إشادة كبيرة من قبل الناخب التونسي.

المرشح عبيد البريكي عبّر عن موقفه الرافض لارتداء النقاب في الأماكن العامة، ما قد يتعارض مع نضالات التونسيين للدفاع عن الحريات الفردية، متجاهلاً السؤال سريعاً لينتقل للحديث عن الأمن والإرهاب دون تبرير موقفه بوضوح. وأخيراً، ظهر الرئيس السابق المنصف المرزوقي متوتراً، مجيباً بعمومية عن العديد من الأسئلة، كما كان هو والمرشح مهدي جمعة الوحيدين اللذين تحدثا عن القضية الفلسطينية.


الخلافات السياسية السمةُ البارزة في المناظرة الثانية

بعكس المناظرة الأولى، شهدت المناظرة الثانية بعض المناكفات التي أظهرت الخلاف الكبير بين المرشحين. 9 مرشحين تواجهوا لمدة 3 ساعات، رحبوا بدايةً بالمشاهدين ووجهوا تحية للتونسيين بعكس مرشحي المناظرة الأولى، كما انتقدوا في إجاباتهم بشدة المنظومة السياسية التونسية الحالية والواقع الاقتصادي في بلادهم، أكثر من تقديمهم لخطط وحلول مستقبلية لحل الأزمات.

المادة الأدسم لسخرية التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي كانت مخالفة كل من المرشحين حاتم بولبيار ومحمد لطفي المرايحي لقوانين المناظرة. الأوّل أدخل هاتفه الخاص إلى الاستديو والتقط صوراً نشرها على مواقع التواصل، أمّا الثاني فأدخل كتاباً قدمه كوثيقة في إحدى إجاباته.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 

بدانا

A post shared by hatem Boulabiar (@hatemboulabiar) on

المرايحي وجّه انتقاداً مباشراً لوزير الدفاع السابق المرشح عبد الكريم الزبيدي، قائلاً له: "كيف يتحدث وزير في الحكومة عن التمويلات المشبوهة للأحزاب وعن أن الحصص بالمحاصصة. أين كنت طوال هذه الفترة؟ أنت تتحمل مسؤولية في حكومة الشاهد كما يتحملها الشاهد نفسه".

طُلب حق الرد أكثر من مرّة خلال المناظرة. مثلاً انتقد المرشح محمد الحامدي حديث المرشح منجي الرحوي عن الدولة المدنية، معتبراً أنّه "متوهم"، متهماً إيّاه بابتزاز نواب حركة النهضة لإسقاط مقترح أن يكون الإسلام هو التشريع الأساسي للدستور. ليتجادل الطرفان قليلاً بين الداعم للتشريع الإسلامي وبين المدافع عن الدولة المدنية.

أفقد توتر بعض المرشحين تركيزهم، ما أنساهم الأسئلة التي وجهت إليهم وطلبوا إعادة إلقائها. بينما دفعت الثقة الزائدة للمرشح محمد صغير النوري لانتقاد مستوى أجوبة المرشحين في المناظرات، معتبراً أنّه "المرشح الأكثر قدرة على تخليص البلاد من المنظومة التي تحكمها".

أمّا المرشح الياس الفخفاخ فتحسس الجمود والملل الكبير في المناظرات، وقال في إحدى إجاباته: "يجب إعطاء بعض الحيوية للمناظرة لأنّ الشعب التونسي ملّ من هذا الأسلوب".

ختام المناظرة الثانية، كانت مع مرشح "تيار المحبة" محمد الحامدي الذي انتقد التلفزة الوطنية التونسية، مطالباً إيّاها أن تعطي تياره الحق والعدل "كما تعطي حزب رئيس الحكومة".


المناظرة الثالثة: هدوء واعتراضات

المناظرة الثالثة والأخيرة اتسمت بالهدوء مع بعض الانتقادات في الختام. 7 مرشحين تناظروا في أقل من ساعتين ونصف، كان أبرزهم رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

وبعكس نظيرتها عبير موسي في المناظرة الأولى، ظهرت المرشحة عن حزب الأمل سلمى اللومي بأداء ضعيف، فتوترت وتلعثمت ونظرت إلى ورقة ملاحظاتها كثيراً لتجيب بعمومية عن الأسئلة.

المرشح المستقل سيف الدين مخلوف كان واثقاً من إجاباته التي قدمها بوضوح وضمن وقتها المحدد، منتقداً المرشحين الذين يحملون جنسية أجنبية، واعداً برفع حالة الطوارئ في حال انتخابه رئيساً.

باللغة الفصحى وبشاعرية مطلقة وصلت إلى الحديث عن الزهور وعن كافور الإخشيدي والمتنبي أجاب المرشح الأكبر سنّاً بينهم قيس سعيد عن الأسئلة، ما عرضه لانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبشخصيته الصحفية والروائية، أجاب المرشح المستقل أحمد الصافي سعيد عن أسئلته بانفعال كبير، معترضاً على سؤاله عن الأزمة السورية مجيباً: " أنا مرشح في تونس وليس في سوريا".

بدوره، تحدث المرشح يوسف الشاهد بنَفَس رئيس الحكومة أكثر من مرشح لرئاسة الجمهورية. الشاهد تعرض لانتقاد كبير من قبل المرشح حمة الهمامي الذي كان يقف إلى جانبه وقال له: "لمن يقول لا تصوتوا للفاسدين أقول إنّ الفساد على يساري الآن".

طلب الشاهد حق الرد وحصل عليه مكتفياً بالقول: "لن أرد للمحافظة على مستوى محدد من الحوار، برنامج المرشحين اليوم قائم على شتمي، أقول لهم قدموا برامجكم للتونسيين، لأنّ التونسيين لم يهربوا من السياسة إلا بسبب هذا السبّ والشتم للأسف".

 

مناظرات ثلاث تابعها الناخب التونسي بكثافة، ولكن من الصعب الحسم ما إذا كانت أثرت إيجاباً أو سلباً على قراره لاختيار رئيس الجمهورية العتيد. هي بحسب بعض الناشطين التونسيين لم تنجح، رغم كونها تجربة استثنائية على الصعيد العربي، في إعطاء صورة واضحة ومتكاملة عن المرشحين الذين لم يتناقشوا خلالها في المسائل الحساسة والمهمة.

وبانتظار نتائج الدورة الأولى التي من المرجح أن لا تحسم اسم الرئيس، سيتواجه المرشحان الفائزان فيها في مناظرة أخيرة قد تحمل شيئاً جديداً للناخب التونسي وتساعده في اتخاذ قراره بفعالية.