إيران على أعتاب عام مفصلي

من الطبيعي أن تشهد علاقات طهران الخارجية انفتاحاً أوسع وأكثر انتشاراً مما كانت عليه في العام المنصرم.

  • تودّع إيران العام الحالي وتستقبل المقبل، بعد أن فرضت نفسها لاعباً عنيداً على الصعيدين الإقليميّ والدوليّ.
    تودّع إيران العام الحالي وتستقبل المقبل، بعد أن فرضت نفسها لاعباً عنيداً على الصعيدين الإقليميّ والدوليّ.

لا يمكن مبدئياً اعتبار الانتقال بالزمن من عام إلى آخر معياراً مفصلياً أساسياً أو رئيسياً لتمييز حقبة عن أخرى، أو مسار مضى عن مسار مقبل، فما يحدّد هذه التغييرات المفصلية عملياً، هو عناصر أخرى لا تتقيّد برقم جديد يضاف إلى روزنامة التقييم السنوي، ميلادياً أو هجرياً، بل ما يحدّد ذلك هو مجموعة الخطط والدراسات والإمكانيات من جهة، والأهداف والتحديات من جهة أخرى، ويبقى لتحليل مسار الوقائع بطريقة علمية منطقية تأثير أساسيّ في استشراف مآلات المستقبل.

انطلاقا من هنا، واستناداً إلى هذه المقاربة، يمكن من خلال الإضاءة على بعض المعطيات والوقائع التي طبعت العام 2021 استنتاج صورة قريبة لما يمكن أن يكون عليه موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية وموقعها في العام المقبل، في سياق الصراع الذي تخوضه كقائدة لمحور المقاومة في مواجهة الجبهة الإقليمية الغربية التي تستهدفه، كمحور وحيد، ما زال ثابتاً في موقع رفض مشاريع التطبيع مع العدوّ الإسرائيلي، والهيمنة والخضوع والاستسلام له في المنطقة والعالم.

بداية، تودّع إيران العام الحالي وتستقبل المقبل، بعد أن فرضت نفسها لاعباً عنيداً على الصعيدين الإقليميّ والدوليّ، حيث استطاعت أن تَثبُت على موقفها لناحية حقّها الطبيعي والقانوني في أن تكون دولة ذات سيادة مطلقة في امتلاك ما تراه مناسباً لأمنها القومي، ضمن القوانين الدولية المعروفة، من قدرات وأسلحة وإمكانيات، على المستويات العسكرية والاستراتيجية والسياسية كافة، فترجمت هذه السيادة في امتلاك القدرات المناسبة في نهاية العام عبر اتجاهين:

أولاً: على صعيد المسار النووي، لناحية درجات التخصيب أو أجهزة الطرد المركزي، المطلوبة للولوج إلى إمكان امتلاك كل القدرات النووية، كسلاح إذا أرادت، أو كمصادر متنوعة علمية لناحية الطاقة أو لناحية العلاجات الطبية، برهنت، من الناحية العلمية والفنية والتقنية، بمعزل عن سيادة القرار السياسي وقوته وجرأته كتحدّ للقوى الكبرى، على أن لديها القدرة على الوصول إلى المستوى الذي تريده أو تراه مناسباً، بسرعة قياسية وبإمكانيات علمية ثابتة وأكيدة.

ثانياً: لناحية القدرات العسكرية الاستراتيجية التقليدية، نتكلم هنا عن المسيّرات والصواريخ الباليستية أو الصواريخ المجنّحة، ضدّ الأهداف البحرية أو ضد الأهداف البرية، أو لناحية منظومات الدفاع الجوي أو الزوارق السريعة، الانتحارية أو القاذفة القانصة، أيضاً، برهنت في هذا المجال على أنها دولة ذات قدرات وإمكانيات متميّزة، ومناوراتها العسكرية نهاية العام جاءت لتؤكّد مستوى هذه القدرات وإمكانياتها في مواجهة أي اعتداء، وخاصة الإسرائيلي إذا فكّر في تنفيذ عمل عدواني معيّن ضدّ إيران، مهما كان مستوى هذا العدوان.

كما استطاعت، رغم الضغوط الهائلة اقتصادياً ومالياً وسياسياً ودبلوماسياً، أن تفرض موقفها لناحية سيادتها الكاملة في الاستفادة من ثرواتها الطبيعية بالطريقة التي تراها مناسبة لمصلحتها، من دون أن تتأثر عملياً باستراتيجية استهدافها دولياً وإقليمياً في هذا المجال، والتي قادتها واشنطن وأغلب حلفائها الغربيين والإقليميين، وأيضاً فرضت إيران هذا الموقف، بعد أن استطاعت عزل وتهميش إمكانيات دول كبرى حاولت تقييدها لربط تلك الاستفادة من ثرواتها بخضوعها أو بتسهيلها لأجندات أو مشاريع سياسية إقليمية أو دولية، بعيدة عن موقفها وعن عقيدتها وعن أهدافها.

في هذا الإطار، (الاستفادة من ثرواتها) تابعت مسار توريدها للنفط وللمنتجات الأخرى، رغم الحصار ورغم محاولات تصفير صادراتها، واستطاعت إلى حدّ كبير، من خلال نسجها شبكة علاقات واسعة، بعد أن حصّنتها بموقف دبلوماسي ناجح، المحافظة على كمية التصدير، لا بل تخطّتها أحياناً، لتصل إلى رقم ضخم في وارداتها، لا يُستنتج أبداً منه أنها دولة محاصرة، أو أنها دولة عليها عقوبات اقتصادية وسياسية.

أيضاً، وفي مجال موقعها الإقليمي ونفوذها في المنطقة، استطاعت، من خلال مسار متكامل من العلاقات الندية والمواقف الوفية الثابتة والإمكانيات المؤثرة، إثبات موقفها الريادي كقائدة لمحور مقاومة "إسرائيل" ومقاومة داعمي الأخيرة من قوى وأطرافٍ غربيين وإقليميين، وكان موقف هذا المحور وموقعه نقطة الارتكاز الأقوى في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ونقطة الأمل الوحيدة على طريق فرض إنهاء هذا الاحتلال وإخراجه نهائياً من المنطقة. 

انطلاقاً من هذا الثبات في الموقف، ومن هذا الصمود في الموقع، لناحية مواجهة الأعداء أو لناحية فرض السيادة وحمايتها، وانطلاقاً من المسار المتصاعد في تطوير القدرات وتحديثها، جميع القدرات، العسكرية والعلمية والتقنية والصناعية، وعلى جميع المستويات القريبة جداً من المستويات العالمية التي تمتلكها الدول الكبرى القادرة، وانطلاقاً أيضاً من المسار الذي فرضته إيران لناحية العلاقات الدولية والإقليمية الندية، من الطبيعي والمنطقي أن يشهد موقعها في العام 2022 المقبل نقلة نوعية أكثر تقدّماً لناحية القدرات والإمكانيات والثبات القومي والاقتصادي والاستراتيجي. هذا من ناحية، وأيضاً من ناحية أخرى، وبعد أن استطاعت إقناع الكثير من الأطراف، الإقليميين أو الدوليين، ( بالعنوة أو باللين) أنه لا يمكن تجاوزها والقفز فوق حقوقها أو سيادتها أو مصالحها، من الطبيعي أن تشهد علاقاتها الخارجية، الإقليمية أو الدولية، انفتاحاً أوسع وأكثر انتشاراً مما كانت عليه هذه العلاقات في العام المنصرم أو في ما سبقه، ومؤشرات هذا الانفتاح الخارجي بدأت تظهر من خلال ازدياد فرص نجاح عودة الأميركيين إلى الاتفاق النووي بشروط إيران، أو من خلال بدء تطور المباحثات أو المفاوضات الإيرانية السعودية والإيرانية الإماراتية، والتي لن تكون نتائجها بسيطة على صعيد تحصين الأمن الإقليمي وأمن المنطقة والخليج. 

 

بعد أن عشنا في عام 2021 الكثير من الأحداث المهمة والمفصلية، يشرف هذا العام على الأفول، ولكنها ليست فقط نهاية عام عادية، هي بداية حقبة في حياة شعوب المنطقة والعالم.