القمة العربية.. بين النظرية والتطبيق

الكل بات يحسب العديد من الحسابات لعلاقاته مع الرئيس إردوغان بسبب عناصر القوة العسكرية والأمنية والاقتصادية بل والنفسية التي يملكها، ليس فقط في المنطقة العربية بل في البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى.

  • القمة العربية.. بين النظرية والتطبيق
    القمة العربية.. بين النظرية والتطبيق

رحّبت القمة العربية في اجتماعها بجدة، وبحضور الرئيس الأسد لأول مرة منذ أحداث ما يسمّى بـ"الربيع العربي" "بالقرار الصادر عن اجتماع مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، الذي تضمن استئناف مشاركة وفود الحكومة السورية في اجتماعات مجلس الجامعة، والمنظمات والأجهزة التابعة لها" وعبّرت عن "أملها في أن يسهم ذلك في دعم استقرار الجمهورية العربية السورية، ويحافظ على وحدة أراضيها (كيف سيكون ذلك ) واستئناف دورها الطبيعي في الوطن العربي، وأهمية مواصلة وتكثيف الجهود العربية الرامية إلى مساعدة سوريا على تجاوز أزمتها( متى وكيف رغم العقوبات والحصار)، اتساقاً مع المصلحة العربية المشتركة والعلاقات الأخوية التي تجمع الشعوب العربية كافة".

 وشدد الزعماء العرب على "وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية (بالدبلوماسية أم بقوة السلاح ومتى) والرفض التام لدعم تشكيل الجماعات والميليشيات المسلحة (تسمية عامة) الخارجة عن نطاق مؤسسات الدولة". 

ومن دون أن يتطرق الزعماء وهم يتحدثون عن "التدخلات الخارجية " ولو بكلمة واحدة إلى التدخلات التركية بل الوجود العسكري التركي في سوريا والعراق وليبيا والصومال، وهو ما يفتخر به الرئيس إردوغان ووزراؤه بين الحين والحين، مع تأكيد إردوغان يوم القمة العربية " أن تركيا لن تنسحب من الشمال السوري بشروط مسبقة من دمشق، كما هي الحال بالنسبة إلى إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم ".

القمة التي يبدو واضحاً أنها تهربت من إحراج إردوغان بعد أن تحفظ بعض الزعماء وفي مقدمهم تميم آل ثاني وآخرون على مسودة البيان الذي كان من المتوقع له أن يدعو إلى "انسحاب القوات الأجنبية غير الشرعية من سوريا". كما نجح البعض من الزعماء في عرقلة دعوة إيران إلى القمة في ظل الأجواء الإيجابية المخيّمة على المنطقة بعد المصالحة الإيرانية-السعودية، كما كان الرئيس إردوغان يدعى إلى القمم العربية في الخرطوم (2006) والرياض (2007) وسرت (2010). 

وأياً كان السبب في موقف البعض من الزعماء حيال هذه القضايا بما فيها اليمن التي عدّها البيان الختامي "أزمة" من دون التطرق إلى العدوان السعودي/الإماراتي، يبدو واضحاً أن سياسات التوازن قد حققت أهدافها بين السعودية وقطر والإمارات ومصر. 

وربما لهذا السبب جاء خطاب الرئيس الأسد واضحاً فوضع النقاط على الحروف عندما حدد الأهداف وهو يقول "إن العناوين كثيرة لا تتسع لها كلمات ولا تكفيها قمم.. لا تبدأ عند جرائم الكيان الصهيوني المنبوذ عربياً بحق الشعب الفلسطيني المقاوم ولا تنتهي عند خطر الفكر العثماني التوسعي المطعم بنكهة إخوانية منحرفة".

وأما قوله "الأحضان عابرة أما الانتماء فدائم.. وربما ينتقل الإنسان من حضن إلى آخر لسبب ما.. لكنه لا يغير انتماءه. أما من يغيره فهو من دون انتماء من الأساس، ومن يقع في القلب لا يقبع في حضن، وسوريا قلب العروبة وفي قلبها" فقد كان الأكثر حسماً وحزماً في تشخيصه للحالة السياسية والنفسية للزعماء العرب، الذين فاجأوا الجميع بالتودد لواشنطن ودعوة الرئيس الأوكراني زيلينسكي، على الرغم من العلاقات الجيدة بين موسكو وكل من الرياض والقاهرة وأبو ظبي وعمان، أصحاب القرار في عودة سوريا إلى الجامعة العربية، والتي جمدت عضويتها في تشرين الأول/ أكتوبر 2011 بمبادرة هذه العواصم وبتحريض من أنقرة اللاعب الأساسي في مجمل تطورات سوريا سابقاً والآن، وكان آنذاك بدعم من السعودية وقطر، وهو ما اعترف به رئيس وزراء قطر حمد بن جاسم في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2017. 

وجاء الدعم القطري لاحقاً لسياسات أنقرة في ليبيا والصومال والعراق، بعد أن أرسل إردوغان جيشه إلى قطر " للدفاع عنها ضد العدوان السعودي-الإماراتي-المصري المحتمل في حزيران/ يونيو 2017" ليمنح تركيا بعض الامتيازات في علاقاتها مع عواصم المنطقة، قبل وبعد مصالحة إردوغان للإمارات والسعودية، وبعدها مصر وبوساطة قطرية.

كما لعبت المساعدات المالية الكبيرة التي قدمتها السعودية والإمارات ومن قبلها قطر إلى الرئيس إردوغان دوراً مهماً في دعم حملة إردوغان الانتخابية، وهي الحال بالنسبة إلى روسيا التي اعترفت لأنقرة بالأولوية في علاقاتها الإقليمية منذ أن سمحت لها بإدخال جيشها إلى سوريا في آب/ أغسطس 2016، فسيطر بعد ذلك على نحو 10% من المساحة السورية.

وساعد ذلك إردوغان على مزيد من التدخل في ليبيا، بعد أن نقل إليها 15 ألفاً من المرتزقة السوريين لتصبح تركيا طرفاً مباشراً في الأزمة الليبية، بعد أن هزمت المجموعات المسلحة الموالية لأنقرة قوات خليفة حفتر المدعوم من مصر والإمارات والسعودية، ولا يدري أحد لماذا صالحت إردوغان ومقابل ماذا، ما دامت قواته ستبقى في سوريا وليبيا والعراق، وهو ما يؤكده إردوغان ووزراؤه في كل خطاب.

ويبقى الرهان على احتمالات التغيير في سياسات إردوغان في حال بقائه في السلطة بعد الجولة الثانية من الانتخابات 28 الشهر الجاري. ففي الوقت الذي تتوقع فيه أوساط المعارضة لإردوغان أن ينتهج سياسات استبدادية وبلا حدود للتخلص على من بقي من معارضيه في السياسة والإعلام بل حتى الشارع الشعبي الذي لم يصوّت نصفه له، 

يستبعد آخرون أي تغيير في سياساته الخارجية، وتقديم أي تنازلات لأي طرف عربي أو إقليمي أو دولي في أي موضوع كان، بما أنه مدعوم من أحزاب وقوى قومية عنصرية ودينية تركية كانت أم كردية تطالب بدولة كردية إسلامية في المنطقة.

وقد يرى إردوغان في البيان الختامي الذي لم يدعم الأسد بوضوح في موضوع سوريا (ليبيا والعراق أيضاً) نقطة ضعف عربي ستساعده في مزيد من المساومة مع الأنظمة العربية للحصول على ما يهدف إليه منذ بدايات "الربيع العربي" الذي حقق له البعض من هذه الأهداف إقليمياً ودولياً.

فالكل بات يحسب العديد من الحسابات لعلاقاته مع الرئيس إردوغان بسبب عناصر القوة العسكرية والأمنية والاقتصادية بل والنفسية التي يملكها، ليس فقط في المنطقة العربية بل في البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى، الحديقة الخلفية لروسيا، وحيث الجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي التي وضع ويضع الجميع (روسيا والصين وأميركا والعديد من الدول الغربية) من أجلها الكثير من الحسابات، كما هي الحال في حسابات هذه الدول في الشرق الأوسط الذي تعرض وما زال لعشرات إن لم نقل المئات من التدخلات الخارجية.

ودفع ذلك البعض من الزعماء العرب بين الحين والحين وكما هي الحال في البيان الختامي لقمة جدة إلى الحديث عن " ضرورة منع التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية (كلام عام من دون تحديد الاسم)، والرفض التام لدعم تشكيل الجماعات والميليشيات المسلحة الخارجة عن نطاق مؤسسات الدولة" وكأًن الجميع " صم بكم فهم لا يفقهون ".

وهذا ما تعودنا عليه في بيانات جميع القمم العربية، وبشكل خاص، بعد تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية، عندما جعلت الأنظمة العربية وباعتراف حمد بن جاسم من الرئيس الأسد "صيدة" لكن "فلتت منها " وجاءت لتحاسبها جميعاً في عقر دارها ومهما "انتقلت من حضن إلى آخر".