"قمّة باريس" حول أوكرانيا.. صمت أميركي يقول الكثير

يبقى السؤال حول قدرة الأوروبيين على الذهاب بعيداً وبصورةٍ مُستقلّةٍ في حماية أمن قارتهم، انطلاقاً من البوابة الأوكرانية، خصوصاً في ظلّ صمتٍ أميركيٍ حيال القضية، وهو صمتٌ قد يقول الكثير.

  • "قمّة باريس" حول أوكرانيا.. صمت أميركي يقول الكثير

 

خطت دولتا "قلب أوروبا" فرنسا وألمانيا خطوةً مهمّة نحو استعادة الشخصية الأوروبية في التعامُل مع مسائل الأمن الأوروبي من خلال رعايتهما اتفاقاً جديداً بين روسيا وأوكرانيا، يؤمِّن مدخلاً لحلٍ نهائي وشاملٍ للأزمة الأوكرانية المُتفجِّرة منذ خمس سنوات، والتي قسَّمت البلاد إلى شطرين وأودت بحياة الآلاف وأودعت آلاف الأسرى في السجون المُتقابِلة.

ويمكن تثمين هذه الخطوة بالنسبة إلى الطرفين الروسي الأوكراني، وبالنسبة إلى الأوكرانيين في ما بينهم، لكن وجهاً آخر لها قد يكون أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية، وهو مُساهمتها في إعادة الثقة إلى ألمانيا وفرنسا بإمكانية الاضطلاع بدورٍ لهما ولأوروبا في تسوية شؤون الأمن الأوروبي الخاصة، وهي الثقة التي فُقِدَت لسنواتٍ طويلةٍ تحت سطوة التدخّل الأميركي في كل ما يتعلّق بتلك المسائل. وقد سارع الاتحاد الأوروبي إلى الإعراب عن ترحيبه بهذه الخطوة، عبر وزير خارجيّته جوزيب بوريل الذي اعتبر أنها "خطوة أولى نحو الحل".

وزير خارجية الاتحاد ركَّز في تعليقه على قمَّة باريس على المخرجات التي تمخَّضت عنها، خصوصاً وقف إطلاق النار على كامل خط الجبهة، مع تراجعٍ للقوات المُتقاتِلة وتبادُلٍ للأسرى بين الطرفين. لكنه من جانبٍ آخر حافظ على الموقف الأوروبي المُتشدِّد نسبياً تجاه رَفْع العقوبات المفروضة على روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية في الوقت الراهِن، رابطاً هذه المسألة بحل القضية الأوكرانية.

فرنسا بدورها تبدو سعيدةً بالنجاح في هذا الاختبار لدورها الخارجي، حيث اعتبرت عبر وزير خارجيّتها جان إيف لودريان "أن ما تحقَّق هو بداية لمنطقٍ إيجابي وتقدّمٍ يحتاج إلى الترجمة بشكلٍ ملموسٍ بإشراف منظمة الأمن والتعاون في أوروبا". وتُضاف إلى هذا الموقف إشادة من ميركل وماكرون بالتقدّم الذي تمّ إحرازه بعد مُحادثاتٍ استمرت ثماني ساعات في قصر الإليزيه.

القمَّة الباريسية كانت مناسبةً للقاءٍ أول بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولودومير زيلينسكي، في حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمُستشارة الألمانية أنغيلا ميركل. وقد أشاد بوتين بالقمَّة باعتبارها "خطوة هامة" نحو خَفْض التصعيد.

ومع أن البيان المُشترك الذي أعقب القمَّة اكتفى بالقول إن توافقاً حصل على وقف لإطلاق النار والمضيّ نحو انسحابٍ جديدٍ للقوات من مناطق النِزاع في شرق أوكرانيا حيث قامت جمهوريتان انفصاليتان مواليتان لموسكو، فإن أبعاد هذا التقدّم تُبشِّر بأفقٍ إيجابي جديدٍ نحو حلٍ أوسع. حيث التزمت الأطراف وفقاً للبيان "بوقفٍ كاملٍ وشاملٍ لإطلاق النار وتعزيز كل إجراءات الدعم الضرورية لوقف النار قبل انتهاء عام 2019"، مع تأكيد وجوب الاتفاق بشأن ثلاث مناطق إضافية في شرق أوكرانيا "بهدف فكّ ارتباط القوات والمعدَّات بحلول نهاية مارس-آذار 2020".

الموقف الأكثر تحفّظاً حول نتائج القمَّة كان من الرئيس الأوكراني الذي أعرب عن أسفه لتحقيق نتائج مُخيِّبة، مُعتبراً أنه "تمَّت مُعالجة تساؤلات عدَّة، ونُظرائي قالوا إنها نتيجة جيّدة جداً بعد لقاء أول. لكنني سأكون صريحاً، ما تحقَّق قليل جداً، فقد أردت حل عدد أكبر من المشاكل". ويمكن إرجاع هذا الموقف إلى رغبةٍ قويةٍ عند زيلينسكي بإنهاء الحرب القائمة، وهو لا يزال في مطلع ولايته الرئاسية التي وصل إليها بصورةٍ ملفتة، إضافةً إلى مصلحته بالضغط على روسيا للحصول على تراجُعاتٍ أوسع في الموقف الروسي المؤيِّد للجمهوريتين الشرقيتين الناشئتين في أوكرانيا بسبب الأزمة، مُستفيداً من الحاضِنة الأوروبية المُتناغِمة معه من جهة، ومن حاجة روسيا إلى رَفْعِ العقوبات الأوروبية عنها من جهةٍ أخرى.

الموقف الألماني عبَّرت عنه أنغيلا ميركل مُثمِّنةً "تجاوز فترة الجمود"، والاتفاق على "أمورٍ واقعية"، وتأكيد "مواصلة الطريق". أما أبرز الخلافات التي بقيت فتتمحور حول تنظيم انتخاباتٍ محلية تحدَّث ماكرون عن إجرائها خلال الأشهر الأربعة المقبلة، ثم عَقْد قمَّة جديدة بعد ذلك.

ويمكن اعتبار موقف الرئيس الروسي المؤكِّد لإرادة بلاده بذل كل ما باستطاعتها لإنهاء النزاع في أوكرانيا بمثابة إعلانٍ على إيجابية المسار المُتطوِّر الذي زخَّمته قمَّة باريس. لكن المحكّ الأبرز هنا يبقى في السؤال حول قدرة الأوروبيين على الذهاب بعيداً وبصورةٍ مُستقلّةٍ في حماية أمن قارتهم، إنطلاقاً من البوابة الأوكرانية، خصوصاً في ظلّ صمتٍ أميركيٍ حيال القضية، وهو صمتٌ قد يقول الكثير.