النظام الرأسمالي الأميركي يعاني من أزمة بنيوية ولن تنقذه وصفة ضخّ الأموال

عدد من المسؤولين السابقين في حقل الرعاية الصحية والكفاءات العلمية يعرب عن خيبة أمله من سوء إدارة الأزمة من قبل الحكومة الأميركية بمستوياتها كافة، ولا سيما أن وزير الصحة الحالي تسلم مهام منصبه بعدما استقال من منصبه كرئيس لإحدى كبريات شركات الأدوية.

 

  • النظام الرأسمالي الأميركي يعاني من أزمة بنيوية ولن تنقذه وصفة ضخّ الأموال
    متسول في أحد شوارع لو أنجلوس الأميركية بعد انتشار فيروس كورونا (أ ف ب)

تحقّقت نبوءة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وحلّت بلاده في المرتبة الأولى عالمياً في عدد الإصابات بفيروس كورونا، ولكنه يمضي بثبات معبّراً عن رعونته ونزقه بالتركيز على مسألتين: حال الاقتصاد وإعادة انتخابه، في علاقة تفاعلية تؤثر في مستقبله وخططه الراهنة، ولا سيما أن إجراءات الوقاية الصحية المعتمدة، والقاصرة راهناً، انعكست بصورة فورية على الأداء الاقتصادي برمته، ففوضى الإجراءات تنطلق من حالة الشلل العام، وليست استثناءً.

يسعى البيت الأبيض جاهداً إلى تجاهل تناقضات مواقفه وتخبّط قراراته في التعامل مع فيروس كورونا منذ اليوم الأول، ولا سيما تصريح الرئيس ترامب بعد 48 ساعة من اكتشاف أول إصابة به في ولاية واشنطن متفاخراً: "نسيطر على الوضع بشكل كامل. (الإصابة) هي لشخص بمفرده أتى من الصين. الأوضاع ستكون على ما يرام".

وزير العمل الأسبق، روبرت رايش، في سياق انتقاده تخلّف الرد الرسمي على انتشار الوباء، أكد أن العقلية المتحكّمة بالقرار السياسي تدل على أن "الولايات المتحدة استفاقت لتجد نفسها في مواجهة حقيقة انتفاء القدرة العامة تقريباً على مكافحة الوباء.. كما أن انعدام توفر نظام رعاية صحية شاملة أدى إلى لجوء العامة إلى نظام الرعاية الخاص الذي يعمل وفق آلية الربح لا أكثر".

في خضمّ الفوضى السائدة، والناجمة عن تخبّط وعدم دراية ونكران للحقائق العلمية التي تفسّر جائحة كورونا، توصَّل جناحا السلطة السياسية، قيادات الحزبين الديموقراطي والجمهوري، إلى اتفاق يقضي بتخصيص ميزانية عاجلة للطوارئ تنفق وفق آليات وضوابط متفق عليها، وتعادل نصف الميزانية السنوية العامة للدولة التي تبلغ قيمتها 4،829 تريليوناً للعام 2021، من ضمنها عجز تريليون دولار تقريباً.

أطلق الفريقان على اتفاقهما بصرف ألفي مليار دولار (2 تريليون) عنواناً محبباً في الاقتصاد الرأسمالي هو تحفيز المستهلك على الطلب، بضخ جزء يسير من المبلغ المرصود في جيوب "المستهلكين" لمرة واحدة لا تتعدى بضعة أسابيع.

وعليه، تعهّدت الدولة بزيادة حجم المعروض من الأموال التي لم تأتِ نتيجة عملية طبيعية من إنتاج بضائع وخدمات، ولا سيما الأغذية، التي سترتفع أسعارها نحو 25% دفعة واحدة. لذا، يحذر الخبراء الاقتصاديون من حالة الركود الاقتصادي المقبلة، في ظل مناخ عدم اليقين مما تخبئه الأيام القادمة.

حصة الأسد في الاتفاق ذهبت إلى كبريات الشركات والمؤسسات التي ستتلقى دعماً مباشراً قيمته 500 مليار دولار: 367 ملياراً على شكل قروض يتم الإعفاء منه للشركات المتوسطة التي لا يتعدى حجم موظفيها 500 عنصر. 250 ملياراً تصرف للذين فقدوا وظائفهم. 100 مليار للمستشفيات ونظم الرعاية الصحية. 150 ملياراً تصرف للولايات المختلفة، تعزيزاً لجهودها في مكافحة الفيروس. 290 ملياراً لدعم الأسر التي فقدت دخلها.

كما فوّض الرئيس ترامب وزيري الأمن الداخلي والدفاع لاستدعاء جنود الاحتياط في الجيش والبحرية وسلاح الجو وقوات خفر السواحل للخدمة التي قد تمتد لسنتين، بأعداد "لا تتجاوز مليون فرد في أي وقت"، كجزء من الإعداد لنشر القوات المسلّحة بإمرة الرئيس حصراً.

برنامج (حزمة) الطوارئ ضمن موافقة قادة الحزبين على نصوص تحدد بعض الآليات التي من شأنها تعزيز الشفافية والمساءلة في الصرف والجهات المستفيدة، قبل توقيع الرئيس ترامب عليه في ساعة متأخرة من يوم الجمعة 27 آذار/مارس.

من أبرز آليات البرنامج إنشاء منصب "مفتش عام" وفريق عمل يعاونه ملحق في وزير الخزانة للإشراف على عملية الصرف وتقديم تقارير دورية للكونغرس. الرئيس ترامب استثنى من تفعيل القانون البند الخاص بإنشاء المنصب (المادة 4018 من القسم A)، وقال في تغريدة: ".. أنا لا أفهم، وإدارتي لن تتعامل مع (المفتش العام) أو تقدم تقارير للكونغرس من دون إشراف رئاسي...".

كما تضمّن اتفاق الحزبين استثناء أيّ من مصالح الرئيس ترامب وعائلته التجارية من تلقي دعم مالي، وينطبق الأمر أيضاً على أعضاء الكونغرس ومسؤولين آخرين.

وعليه، فإنَّ صرف حصة الأسد في برنامج الطوارئ، 500 مليار دولار، سيشرف عليه وزير الخزانة ستيفن منوشن حصراً من دون ضوابط أو شروط معينة. مرة أخرى، "أموال الشعب" الضرائبية تموّل الشركات الكبرى من دون قيود، أسوة بما فعله سلفه الرئيس باراك أوباما في العام 2009 مع كارتيلات المال في وول ستريت.

عضو مجلس النواب عن ولاية كاليفورنيا، كايتي بورتر، انتقدت صيغة الاتفاق وهزالة القيود المفروضة، بتجاهلها حماية حقوق الموظفين والعمال الذين يتقدمون بأعداد كبيرة غير مسبوقة لتلقي معونات توفر لهم جزءاً يسيراً من مداخيلهم السابقة. وقالت: "ما لم يتضمنه (الاتفاق) عند توفير الأموال التي ستصرف كقروض للشركات، اشتراطها الصرف باستمرار موظفيها على رأس أعمالهم – وهي النقطة المركزية في هذا البند بالذات".

وحذرت النائب بورتر من سوء الاستخدام والمحاباة في عمليات الصرف، بقولها إنّ الأموال المرصودة ستكون في عهدة وزير الخزانة الّذي لا يخضع للمساءلة حين يقرر الصّرف، و".. باستطاعته تقديم 100 مليار دولار لشركة أو مؤسسة معينة"، من دون مراجعة أحد أو تقديم سجلّ مفصّل بذلك. كذلك باستطاعته، حسبما أوضحت بورتر، استثناء بعض المؤسسات التي هي بحاجة ماسّة إلى الأموال لدفع رواتب موظفيها.

الأستاذ الجامعي ووزير العمل الأسبق، روبرت رايش، انتقد أقرانه في الحزب الديموقراطي بشدة لرضوخهم لشروط الرئيس ترامب، ولا سيما أن الاتفاق بين الطرفين "يستثني كبريات الشركات من أي قيود، ويوفر استثناءات لصغارها" للتوافق، مع شرط المحافظة على الموظفين وعدم إلقائهم في سوق البحث عن العمل مرة أخرى.

من بين المؤسسات الكبرى المستفيدة من "المساعدة" الحكومية، شركات الأدوية التي تتلقى سنوياً إعفاءات ضريبية بمليارات الدولارات، فيما يتوقع الخبراء الاقتصاديون ارتفاع كلفة التغطية الصحية للأفراد والعائلات بنسبة 40% العام المقبل، تذهب إلى مراكمة معدلات أرباحها السنوية. (يومية "نيويورك تايمز" 28 آذار/مارس الجاري).

يُشار إلى أن حجم الأرباح الصافية لتلك الشركات للعام 2019 بلغ نحو 38 مليار دولار، من دون احتساب ما حققته من إعفاءات ضريبية وحوافز أخرى.

عدد لا بأس به من المسؤولين السابقين في حقل الرعاية الصحية والكفاءات العلمية المختلفة يعرب باستمرار عن خيبة أمله من سوء إدارة الأزمة من قبل الحكومة الأميركية بمستوياتها كافة، ولا سيما عند الأخذ بعين الاعتبار أن وزير الصحة الحالي، أليكس آزار (عازار)، تسلم مهام منصبه بعدما استقال من منصبه كرئيس لإحدى كبريات شركات الأدوية (Eli Lilly).

رئيس مكتب موظفي نائب الرئيس السابق جو بايدن، رون كلين، توجه بانتقادات لاذعة إلى الحكومة الأميركية قائلاً: "طريقة تعامل الولايات المتحدة (مع الفيروس) ستدرس لعدة أجيال مقبلة كنموذج لفشل كارثي.. ما جرى في واشنطن (الرسمية) ليس سوى فشل ذريع بمعدلات غير مسبوقة".

ومع ارتفاع وتيرة الانتقادات في المجتمع الأميركي للثغرات البنيوية، تذهب بعض النخب السياسية والفكرية إلى مراجعة دروس التاريخ في "نهوض الإمبراطوريات وسقوطها". آليات الدول في مكافحة الأوبئة والحيلولة دون تفشيها، تشكل اختباراً حقيقياً لفعالية ونجاعة النظم السياسية والاجتماعية على السواء.