لماذا تبدأ أوروبا زمن التحوّلات بخطوة "إنستكس" مع إيران؟

إيران التي تتجاهل بيانات الدول الأوروبية بشأن إحياء آلية "إنستكس" النائمة، ربما تنتظر صدقية أكثر جدّية للتبادل التجاري المتفق عليه بين الطرفين. لكن الدول الأوروبية تحاول اختبار القبضة الأميركية من جهة، والإيحاء للشعوب الأوروبية الغاضبة من الهشاشة التي كشفها كورونا، من جهة أخرى، بأنها مؤهلة لمواكبة التحوّلات العالمية المرتقبَة.

  • لا ترغب إيران بقطع الصلة مع أوروبا، كما أنها لا تعوّل على قدرة أوروبا التحرّر من القبضة الأميركية

على حين غرّة وبينما يتهم مايك بومبيو إيران بعدم الشفافية بشأن مكافحة جائحة كورونا، تُعلن وزارة الخارجية الألمانية بأنها أرسلت معدات طبية إلى إيران بناء على اتفاقية "إنستكس" التجارية.

وأن هذه الخطوة ستليها خطوات أخرىK كما ذكرت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بصفتها الدول التي تحافظ على الاتفاق النووي والمحافظة على التبادل التجاري مع إيران، على الرغم من العقوبات الأميركية.

إيران لم تعلّق على وصول المعدّات البالغة قيمتها حوالى 5 مليون يورو، ولم تعلّق على بيانات الدول الأوروبية؛ فهذه المعدّات طلبتها إيران قبل عدّة أشهر من جائحة كورونا لاختبار جدّية أوروبا بتفعيل الاتفاق التجاري وقناة المدفوعات الأوروبية التي اصطدمت بالقبضة الأميركية والاسرائيلية.

لكن بيانات الدول الأوروبية التي صدرت بعد وصول المعدات إلى طهران، كما تقول، ربما تختبر ردّة الفعل الأميركية مسلّحة سلفاً بذريعة "المساعدة الإنسانية" التي أصبحت دُرجة عامة في زمن الكورونا، وفق دعوة الأمين العام للأمم المتحدة وإلحاح الصين وروسيا على وقف العقوبات.

ولعلّ وراء عدم التعليق الإيراني، أن طهران تعيد الكرة إلى الملعب الأوروبي من أجل أن تمتحن الدول الأوروبية خياراتها وقدرتها على الإيفاء بتعهداتها والاتفاقيات التي توقعها في سبيل إثبات التزامها بالاتفاق النووي والاتفاق التجاري الخاص، ولا سيما أن المفوضية الأوروبية التي تمثّل الدول الأخرى المنضمّة إلى "إنستكس" لم تحرّك ساكناً.

قناة المدفوعات الخاصة "إنستكس"، تأسست إثر مباحثات طويلة بين إيران والاتحاد الأوروبي بعد تخلّي ترامب عن الاتفاق النووي وفرض عقوبات على الشركات العاملة في إيران. ففي مطلع مطلع 2019 نشأت غرفة تجارية مركزها باريس، "لتسهيل المعاملات التجارية المشروعة بين الجهات الاقتصادية الأوروبية مع إيران". بمعنى أن تتكفل الغرفة بتسديد ثمن البضائع الأوروبية مقابل ثمن المشتريات الأوروبية من النفط الإيراني، حرصاً على ما تقول أوروبا إنه" ضبط تبييض الأموال ومكافحة الأنشطة الإرهابية".

ومنذ ذلك الحين جرى التفاهم على تبادل أولي بقيمة مليار دولار من النفط مقابل تصدير مستحضرات صيدلية وأجهزة طبية ومنتجات غذائية وزراعية.

وفي سبيل ذلك استوفت الأجهزة الأمنية دراسة المعطيات والتقارير والمعلومات، ما حدا بمستشار أوباما لشؤون الخزانة الأميركية إلى وصف الاجراءات بأنها تهدف إلى جمع المعلومات الاستخبارية عن إيران أكثر مما تهدف إلى مساعدة الشعب الإيراني تجاه العقوبات. وهو أمر أشار إليه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في تعليقه على طلب شركة "مولنيلكي" للأدوية حين اشترطت المبيع بأن تقوم بنفسها معالجة الأطفال الإيرانيين المصابين بأمراض انحلال البشرة الفقاعي.

إيران التي لا ترغب بقطع الصلة مع أوروبا، لم تعوّل على قدرة أوروبا التحرّر من القبضة الأميركية. لكنها وافقت فيدريكا مورغيني على احتمال عمل الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا ترتبط بالمصالح التجارية مع الولايات المتحدة.

وفي هذه المسألة تبيّن أن المفوضية الأوروبية التي تفرض الخطط الاقتصادية على الدول الأوروبية، تضحّي بالشركات الصغيرة والمتوسطة وبالمصالح الأوروبية المتوسطة والصغيرة، بناء على أسس النموذج الأميركي النيوليبرالي الذي تتبناه المفوضية وتفرضه على الدول.

لذا اصطدمت آلية "إنستكس"، بعجز الدول الأوروبية عن التحرر من مصالح الشركات الكبرى الأوروبية ــ الأميركية المشتركة ومن خيارات المفوضية الأوروبية والسلطات الحاكمة في أوروبا في تبنّيها النموذج الأميركي النيوليبرالي.

جائحة كورونا كشفت هشاشة هذا النموذج المتوحّش، الذي قضى على نظام الرعاية الصحّية وتحويل الطبابة التي كانت حقاً مكتسباً إلى سلعة في السوق. وكشفت في المقام الأساس هشاشة الاتحاد الأوروبي الذي يرتكز على السوق المشتركة والعملة الأوروبية، في اعتماده الخيارات النيوليبرالية على حساب الأغلبية الساحقة من الأوروبيين، ولا سيما أن روسيا والصين وكوبا هبّت لنجدة المواطنين من الخطر بينما تنشغل المفوضية بالبحث عن إعادة تنشيط الأسهم وأسواق المال.

الغضب العارم في أوروبا أمام مأساة هشاشة المنظومة المتوحشة، يدلّ على تحولات مرتقبة في أوروبا. وفي هذا السياق تستشعر سلطات الحكم القلق والتهديد، وهو ما عبّر عنه الرئيس الفرنسي لتهدئة الخواطر بأنه سيعيد ما سماه السيادة الصحّية في الاعتماد على الشركات الصغيرة والمتوسطة.

وقد تكون خطوة "إنستكس" مع إيران إشارة أخرى إلى عودة أوروبا لتبادل المصالح في اعتمادها على الشركات الصغيرة والمتوسطة. لكن التراجع عن منظومة التوحّش، لا يقتصر على خطوة وإشارة. فالبديل من خيارات التوحّش السياسية والاقتصادية والجيوسياسية، خيارات منظومة نقيضة.

قاسم عزالدين

كاتب لبناني وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية