هل تتآمر تركيا مع واشنطن لعرقلة خطّ "مومباي - سانت بطرسبرغ"؟

هل ترتبط المناورة التركية المزدوجة بمحاولة عرقلة خطّ مومباي- سانت بطرسبرغ بإيعاز ودفع وغطاء أميركي، تماماً كما يحدث في الملف الليبي؟

  • هل تتآمر تركيا مع واشنطن لعرقلة خطّ
    يمكن وضع الموقف التركي في دخوله على خط الصّراع الأذري الأرمني في إطار عرقلة خط شمال - جنوب

كان لافتاً الدّخول التركيّ مؤخراً على خطِّ الصراع التاريخي المفتوح دائماً بين أذربيجان وأرمينيا، حيث لأنقرة مصلحة في تغذية الخلاف والضغط على غريمتها التاريخية أرمينيا، على خلفية المجازر بحق الأرمن تاريخياً، والتداعيات المتواصلة للمجزرة على تركيا، بالتزامن مع الدّخول التركي العنيف في الملفّ الليبيّ، في مواجهة عدة أطراف أوروبية وعربية وإقليميّة.

فهل تمتلك أنقرة القدرة على مواجهة تداعيات ملفّين معقّدين في الوقت نفسه، مثل ملف ليبيا وملف أذربيجان- أرمينيا؟ وهل ترتبط هذه المناورة التركية المزدوجة بمحاولة عرقلة خطّ شمال جنوب أو مومباي- سانت بطرسبرغ، وذلك بإيعاز ودفع وغطاء أميركي، تماماً كما يحدث في الملف الليبي؟

في الواقع، ولمحاولة الوقوف على حقيقة الأهداف والمصالح الأميركية من دفع تركيا إلى عرقلة خط شمال- جنوب، لا بد من الإضاءة على ما قامت به واشنطن، ولا زالت حتى الآن، لعرقلة مشروع الحزام والطريق الصيني، حيث لا تقل أهمية التأثير السّلبي لخطّ (مومباي- الهند) – (سانت بطرسبرغ- روسيا)، عن التأثير السلبي لمشروع الحزام والطريق الصيني في واشنطن واقتصادها عالمياً. يمكن انطلاقاً من ذلك فهم إمكانية وجود مؤامرة أميركيّة بتنفيذ تركيّ لعرقلة خط شمال- جنوب.

في نظرة تفصيليّة إلى واقع أغلب دول "الحزام والطريق" التي تشكّل واجهة الصين الغربية والجنوبية الغربية، وحتى الشرقية، باتجاه دول وجزر المحيط الهادي، نجد أنَّ هناك ستاراً واضحاً من الأزمات يلفّ تلك الدول، أغلبها غير مفهومة الأسباب، ترتبط بجذور تاريخية مرّ عليها الزمن، أو بمعطيات حاضرة خُلِقت حديثاً، وتفعّلت بسحر ساحر، على خلفيات طائفية أو مذهبية أو قومية أو سياسية أو توسعية، وجميع تلك الأزمات لا تأخذ طريقها نحو الحل، على الرغم من أن أسبابها الظاهرة لا تبدو بعيدة عن الاستيعاب أو التجاوز. 

مثلاً، من يدعم جماعة الإيغور الصينية المتشددة في إقليم شينغيانغ، شمال غـرب الصين، الذي يمثل نقطة استراتيجية في تقاطع ممرات الطرق بين روسيا والصين وكازاخستان، حيث تعد الأخيرة بوابة آسيا الوسطى وأوروبا؟ 

لماذا ترفض قوات الناتو حتى الآن الخروج من أفغانستان، على الرغم من تعرضها اليومي لاستهدافات دموية، في الوقت الذي لم تستطع إيجاد حلّ لمسألة سيطرة جماعة طالبان المتشددة، والتي لا تُهاجَم كما يجب، وغالباً ما تحصل على دعم خفيّ بمواجهة الحكومة الأفغانية؟ أليس خوفاً من انتشار روسي أو صيني يضع النفوذ في تلك الدولة المحورية من "الحزام والطريق" في مكان آخر؟ 

في باكستان، التي تمثل دولة أساسية من مشروع "الحزام والطريق"، نجد أنَّ السلطة عاجزة عن ضبط داخلها، كما أن حدودها مع إيران، ومع أفغانستان أيضاً، غير ممسوكة، إذا لم نقل متفلّتة، ناهيك بالصراع التاريخي بين الهند وباكستان في إقليم كشمير. ولا يبدو أن هناك إمكانية قريبة لاستتباب الوضع وتماسكه في تلك المنطقة الاستراتيجية (مثلّث أفغانستان - باكستان – الهند). 

بعد الغزو الأميركيّ للعراق، وبعد صراعات ونزاعات دموية دمَّرته وأودت بحياة الملايين من أبنائه، ما زال اللااستقرار الداخلي السياسي والأمني والعسكري فيه سيد الموقف، في الوقت الذي يُعتبر العراق حلقة وصل وربط أساسية بين عدة دول من دول "الحزام والطريق".

في اليمن، حتى الآن، وبعد مرور أكثر من 5 سنوات على الحرب، لا تزال الأزمة تدور في حلقة مفرغة؛ ستاتيكو ثابت تقريباً في الميدان وفي العمليات العسكرية، وعقم وفراغ في المفاوضات السياسية، كما أن موقع اليمن الاستراتيجي على البحر الأحمر وعلى بحر العرب ومداخل المحيط الهندي الغربية، لا يمكن تجاوزه بتاتاً في مبادرة "الحزام والطريق". 

لا ضرورة للحديث أيضاً بتفصيل عن الوضع السوري وتشعّباته وعدم وضوحه، لناحية مصير الشرق السوري، انفصالاً أو عودةً إلى السلطة المركزية، حيث يُعتبر مدخلاً محورياً لطرق الغاز والنقل البري التي تربط بين العراق وتركيا والبحر المتوسط، ولا يبدو حتى الآن أن الأميركيين جاهزون لتسهيل أي حل سياسي. 

من ناحية أخرى، أعلن المدير العام لمنظمة منطقة جابهار الإيرانية الحرة، عبد الرحيم كردي، مؤخراً، أن الربط التجاري بين مومباي وهامبورغ وسان بطرسبرغ سيتم عبر أستراخان، وأنزلي، وجابهار، ونافا شيفا في الهند، بدلاً من قناة السويس، ما سيقلص الوقت الذي يستغرقه نقل البضائع من روسيا بشكل ملحوظ، من 38 يوماً إلى 14 و16 يوماً، معتبراً أنَّ إيران تعتبر محطة أساسية عبر هذا الخط في وسط العالم.

طبعاً، من المستحيل أن تقبل واشنطن بنجاح مسار هذا الخط، الأمر الذي سوف يدفعها، وتماماً كما تصرفت في موضوع عرقلة "الحزام والطريق" الصيني، إلى التحرك سريعاً، ودائماً عبر دول منقادة أو موجّهة. وقد برهنت تركيا حتى الآن، في سوريا وليبيا، وفي موضوع الضغط على أوروبا في مسألة اللاجئين، أو في موضوع زعزعة تماسك حلف شمال الأطلسي، أنها الطرف الأول الجاهز والقادر على أداء هذا الدور المشبوه. 

ومن المخطط أن يربط خطّ شمال جنوب بين مدينة مومباي، على الساحل الغربي للهند، ومدينة سانت بطرسبرغ، غرب روسيا، وذلك بدءاً بطريق بحري يصل الموانئ الهندية، وفي مقدمتها مومباي، بالموانئ الإيرانية، ومن إيران يتحول إلى طريق بري سريع يوازيه خط سكة حديد، لنقل البضائع من الموانئ الإيرانية إلى روسيا، عبر أراضي أذربيجان، والمسار نفسه بالعكس من روسيا إلى إيران كذلك، على أن يضاف خط آخر ينقل البضائع بين موانئ كل من إيران وأذربيجان وروسيا في بحر قزوين.

إذاً، وبعد أن تحرّرت إيران اليوم من العقوبات الدولية (وليس الأميركية طبعاً) التي كانت مفروضة عليها قبل الاتفاق النووي، أصبحت طهران جاهزة لتكون نقطة الربط الرئيسية. وبالتالي، يتعلق نجاح الخط واكتمال مساره بقبول أذربيجان مروره في أراضيها ومياهها الإقليمية في بحر قزوين. أما إفشاله وتعثّر مساره، فهو يحتاج إما إلى رفض أذربيجان، وإما إلى عرقلة مساره داخلها.

في المقابل، نجد أن تركيا ورَّطت نفسها في نزاع جديد، من خلال الموقف الداعم لأذربيجان في ما يتعلق بالاشتباكات التي حدثت مؤخراً على الحدود بين أرمينيا وأذربيجان، إذ أكد وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، أن "بلاده ستواصل الوقوف إلى جانب أذربيجان وقواتها المسلحة وتقديم الدعم لأشقائنا الأذريين ضد أرمينيا المستمرة في نهجها العدائي"، وكأنه يخلق صراعاً مسلحاً في نقطة أساسية وضرورية من خط شمال - جنوب أو خط مومباي - سان بطرسبرغ. 

من هنا، يمكن وضع الموقف التركي في دخوله على خط الصّراع الأذري الأرمني في إطار عرقلة خط شمال - جنوب، أو على الأقل باكورة المناورة الأميركية لعرقلة الخطّ المذكور.

شارل أبي نادر

عميد متقاعد في الجيش اللبناني

إقرأ للكاتب

استقالة براين هوك.. هل خسر ترامب في لعبة عض الأصابع مع إيران؟

لم يعد كما يبدو أمام ترامب للخروج من مأزق العجز أمام إيران، إلا إيجاد صيغة الشكل للتغطية على...

بانسحابه من ألمانيا.. هل يسدّد ترامب الضربة القاضية لحلف الناتو؟

هل يستطيع الأوروبيون أن يتَّحِدوا في وجه الولايات المتحدة الأميركية معلنين انسحابهم من الناتو...

هل تعيش "إسرائيل" تهديداً وجودياً؟

الصورة الأكثر تعبيراً عن وضع "إسرائيل" اليوم يمكن تلخيصها بنقطتين: "إسرائيل" تعيش ورطة أمنية...

ماذا طلب رئيس هيئة الأركان الأميركية من "إسرائيل".. التهدئة أم التصعيد؟

يرى الأميركيون أنهم سوف يستصعبون المواجهة المزدوجة، التي قد يتزامن بعضها مع بعض، من جهة مع...

الأهمية الاستراتيجية لموقع إيران الجغرافي في الصراعات الدولية

تظهر الأهمية الاستراتيجية لموقع إيران الجغرافي في أهم وأخطر وأكثر الصراعات الدولية حساسية؛...

حسابات الفاعلين في الميدان الليبي.. الخط الأحمر عند سرت- الجفرة

من خلال متابعة المعطيات الميدانية حالياً، يمكن وضع خارطة مواقف أطراف المواجهة المرتقبة في ليبيا...