الأهمية الاستراتيجية لموقع إيران الجغرافي في الصراعات الدولية

تظهر الأهمية الاستراتيجية لموقع إيران الجغرافي في أهم وأخطر وأكثر الصراعات الدولية حساسية؛ الصراع الأميركي - الروسي أو الصراع الأميركي - الصيني.

  • الأهم في موقع إيران الجغرافي بالنسبة إلى الصراع الروسي الأميركي أنها تشكل فاصلاً حيوياً وحسّاساً بين أفغانستان وباكستان
    الأهم في موقع إيران الجغرافي بالنسبة إلى الصراع الروسي الأميركي أنها تشكل فاصلاً حيوياً وحسّاساً بين أفغانستان وباكستان

هناك الكثير من المعطيات والخصائص التي تتميّز بها الدول عادة، والتي تحدّد بشكل رئيسي موقعها أو موقفها أو مكانتها على الصعيد العالمي من النواحي الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ومن النواحي الاستراتيجية بشكل عام، ولكن يبقى للموقع الجغرافيّ للدّولة بعد مميز، تظهر أهميته وحساسيته وتأثيراته عند أي اشتباك أو صراع أو مواجهة، وما أكثرها في عالمنا الحالي! حيث نشهد غلياناً دولياً يبدو العالم من خلاله وكأنَّه مقبل على مواجهة مفصلية ستكون منتجة لتغيير شامل ولافت، سيصيب حكماً مروحة واسعة من العلاقات والتموضعات الدولية التقليدية التي اعتدنا عليها بعد الحرب العالمية الثانية.

في الواقع، يتمحور مركز هذه الصراعات والاشتباكات الدولية حالياً بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة، والأطراف الدولية الأخرى من جهة أخرى، والتي تعتبر من الأطراف الفاعلة عالمياً، وهي روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، ممثلاً بشكل رئيس تقريباً بفرنسا وألمانيا، إضافةً طبعاً إلى بعض اللاعبين الإقليميين الذين يؤدون دوراً مؤثراً في هذا الاشتباك الدولي، ومنهم تركيا وإيران بشكل أساسي.

ما يعطي تركيا وإيران هذا البعد الدولي الذي يساهم بشكل كبير في وضع الدولتين في مصاف الدول الكبرى، لناحية التأثير والاهتمام والتركيز، هو الموقع الجغرافي، إذ تتمتع تركيا بموقع جغرافي مهم وحساس بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، وعلى مشارف الساحل الأفريقي، وهي تتمدد جنوباً اليوم بشكل واضح ولافت. ومن الضروري الآن الإضاءة على موقع إيران الجغرافي وأهميته في الصراعات الأساسية الكبرى التي يشهدها العالم حالياً، حيث تتميز بموقعها عن تركيا، لكونها تقع اليوم وسط بقعة اشتباك حارة لا يبدو أنها بعيدة عن أن تحضن قريباً حرباً أو مواجهة عسكرية غير تقليدية. 

ننطلق في الأساس، ولفهم ومعرفة أهمية موقع إيران الجغرافي حالياً، من أهم ما تشهده المنطقة المرتبطة بموقعها اليوم من صراعات أو اشتباكات باردة أو حارة، ومنها في الأساس الصراع الروسي - الأميركي والصراع الصيني - الأميركيّ.

 

بالنسبة إلى الصراع الروسي - الأميركي

صحيح أنّ إيران تقع في منطقة بعيدة عن ميدان الاشتباك التقليدي تاريخياً بين روسيا (الاتحاد السوفياتي سابقاً) والولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يُبعد أو يلغي أو يخفف بنسبة كبيرة أهمية موقعها الجغرافي في هذا الصراع التقليدي، ولكن يمكن القول اليوم إن الصراع الروسي - الأميركي المستحدث انتقل جنوباً، من خط روسيا - أوروبا الشرقية إلى خط روسيا - الشرق الأوسط، وخصوصاً بعد تمركز الوحدات الروسية في سوريا، وفي المياه الدافئة جنوب تركيا؛ الدولة الأساسية في حلف الناتو.

الأهم أيضاً في موقع إيران الجغرافي بالنسبة إلى الصراع الروسي الأميركي في الشرق الأوسط، أنها تشكل فاصلاً حيوياً وحسّاساً بين أفغانستان وباكستان، حيث التواجد المهم للوحدات العسكرية الأميركية، وبين بقعة التمركز الاستراتيجية الأخرى للوحدات الأميركية في دول ومياه الخليج، بين قطر والإمارات والكويت والسعودية والبحرين، الأمر الّذي يعطي إيران من خلال هذا الموقع الإمكانية والقدرة على التأثير السلبي أو الإيجابي - تبعاً لموقفها السياسي - في ترابط الوحدات الأميركية عند أي اشتباك روسي - أميركي، إذا كان هذا الاشتباك عسكرياً، وذلك عبر فصل أو ربط القواعد البرية والجوية الأميركية، أو إذا كان استراتيجياً، عبر عرقلة تلك الوحدات أو تسهيل نفوذها وانتشارها.

 

بالنسبة إلى الصراع الصيني - الأميركي

قد يكون هذا الصراع المستجد حالياً (الصيني - الأميركي) هو الأقرب كي يتطور نحو الانفجار، وذلك على عدة خلفيات، سياسية أو اقتصادية تنافسية، أو صحية مرتبطة بتداعيات واتهامات متبادلة متعلقة بالمسؤولية عن انتشار وباء كورونا، أو استراتيجية متعلقة بانتشار بحري أميركي لافت مؤخراً في المحيط الهادي، وفي بحر الصين الجنوبي، وعلى مقربة من الجزر الصينية المستحدثة. 

وبينما يبدو أنّ هذا الانتشار (الأميركي) يزداد ويقوى مؤخراً بشكل دراماتيكي، من الواضح أن الصين بدأت تأخذ كل الاحتمالات لمواجهة ذلك بعين الاعتبار، وتوحي تصريحات مسؤوليها مؤخراً، تصويباً واتهاماً للأميركيين، وكأنّها تحضّر نفسها للاحتمالات كافة.

من هنا تأتي أهمية الموقع الجغرافي لإيران في هذا الاشتباك الصيني الأميركي. وحيث جاءت الاتفاقية الصينية الإيرانية أخيراً، والتي تضمنت تواصلاً استراتيجياً في عدة نقاط اقتصادية وسياسية وعسكرية وجغرافية، لتُثبِت وتظهر أهمية هذا الموقع الجغرافي لإيران الآن، فمن المنطقي أن يكون للأخير تأثير أساسي في توجيه هذا الاشتباك. 

في متابعة دقيقة لخارطة بقعة الاشتباك الواسعة للاحتكاك المرتقب الأميركي الصيني، نجد أن التواجد الأميركي البحري في المحيط الهادي قادر على تشكيل أكثر من نقطة ضغط حساسة على أي انتشار أو انتقال لوحدات صينية بحرية في المحيط الهادي شرق الصين أو في بحر الصين الجنوبي، وامتداداً نحو خليج البنغال ومضيق ملقة ومداخل المحيط الهندي باتجاه مضيق هرمز وبحر العرب وخليج عمان.

هذه القدرة للوحدات الأميركية تتأثر إيجاباً أو سلباً بمدى ما تقدّمه لها أو تضغط به عليها الوحدات الإيرانية البحرية، الممسكة بشكل كبير بمداخل المحيط الهندي نحو الخليج مروراً بمضيق هرمز، وذلك من خلال عرقلة أو تسهيل التواصل بين الوحدات الأميركية المنتشرة في محيط الصين من جهة، وبين الوحدات الأميركية الأخرى المنتشرة بقوة في الخليج من جهة أخرى.

 وهكذا تظهر الأهمية الاستراتيجية لموقع إيران الجغرافي في أهم وأخطر وأكثر الصراعات الدولية حساسية؛ الصراع الأميركي - الروسي أو الصراع الأميركي - الصيني. 

شارل أبي نادر

عميد متقاعد في الجيش اللبناني

إقرأ للكاتب

هل انطلقت المواجهة الروسية - الأميركية باكراً؟

الكثير من الملفات ستحكم العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة في الفترة القادمة، وأبرزها موضوع...

مناورات إيران العسكرية.. هل تلجم المواجهة؟

تحمل هذه المناورات أكثر من بعد سياسي واستراتيجي ويمكن وضعها في خانة الردع بمواجهة الأعداء والذي...

ماذا تخطط "إسرائيل" ضد حزب الله؟

إنها المرة الأولى التي يشير فيها أحد المعلقين الإسرائيليين إلى معادلة جديدة في الصراع بين...

لهذه الأسباب قد يلجأ بايدن إلى الخيار العسكري مع إيران

يُستبعد أن يوافق بايدن على شروط إيران للعودة إلى الاتفاق النووي وبما يلجأ إلى التهديد بعملية...

عام على اغتيال سليماني.. أين محور المقاومة وأين ترامب اليوم؟

بسبب الاغتيال تتزايد يوماً بعد يوم إمكانية استهداف الوحدات الأميركية في المنطقة والضغط الجدي...

سليماني في معركة الدفاع عن سوريا.. نقطة التحوّل في الميدان

القدرة التي تمتّع بها الحاج الشهيد في تنسيق وإدارة معركة الدعم في العراق وفي سوريا ضد داعش،...