مفاجأة أكتوبر الانتخابيَّة: إصابة ترامب بالفيروس تخلط الأوراق

أجمع المراقبون من مؤيدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومعارضيه على دخول الحملات الانتخابية في "حيرة بالغة" وعدم اليقين مما يخبّئه المستقبل القريب، "وربما انتشار الفوضى"، كنتيجة مباشرة لإقصاء ترامب أو غيابه عن المشهد اليومي.

  • لا ريب في أنّ توقيت الإعلان السريع عن إصابة ترامب يطرح جملة تساؤلات أكثر مما يتوفر من معلومات موثقة
    لا ريب في أنّ توقيت الإعلان السريع عن إصابة ترامب يطرح جملة تساؤلات أكثر مما يتوفر من معلومات موثقة

التطوّرات المتسارعة المرافقة لإصابة الرئيس ترامب بفيروس كورونا أثارت التكهّنات حول مستقبله في المدى المنظور، لناحية التداعيات المترتّبة على "إمكانيّة" غيابه عن الساحة السياسية، أو استمراره في الأيام المقبلة وهو يئِنّ من الوهن وعدم التركيز، كأبرز عوارض الفيروس.

من البديهيّ أنّ كلّ ما يتعلّق بالحالة الصحّية وطرق المعالجة والأدوية والعقاقير والرؤى المستقبليّة، أضحى بيد الطواقم الطبيّة الخاصَّة حصراً، فهي المخوّلة بمراقبة حالته الصحيّة، وهي تخضع في المحصّلة لضوابط القرار السياسي الاستراتيجي، لناحية تقنين المعلومات والإفراج "عما يلزم" إعلاميّاً لإدامة السّيطرة على مفاصل القرار السّياسيّ.

وعليه، من العسير الاقتراب من تلك الزاوية بغية الإضاءة على الأجزاء المتناثرة من المعلومات المقننة أصلاً، ويفضّل إدراجها ضمن اختصاصيي الرعاية الصحّية، بيد أنَّ المُتاح ضمن ضوابط الرؤى السياسيّة وسيرورة معركة الانتخابات الرئاسيّة في شوطها الأخير، يوفران العناصر الضروريّة لرسم صورة أقرب إلى الواقعيّة، بعيداً من الرغبات الذاتيّة أو الانسياق وراء تفسيرات سطحيّة معلّبة توصل أصحابها إلى نتائج قاصرة.

لا ريب في أنّ توقيت الإعلان السريع عن إصابة الرئيس ترامب ونقله على عجل خلال 24 ساعة ليتلقى العلاج في مستشفى "وولتر ريد" العسكري، على بعد بضعة كيلومترات من البيت الأبيض، يطرح جملة تساؤلات أكثر مما يتوفر من معلومات موثقة.

يتميّز المستشفى بتوفّر أفضل ما توصلت إليه التقنية الحديثة من معدات وأجهزة وأدوية، بعضها لا يتوفر لكبار الاختصاصيين في مجال الرعاية الطبية، وضمه أيضاً جناحاً رئاسياً خاصاً يوفر العزلة التامة لنزيله الجديد، نظراً إلى مركزه كقائد أعلى للقوات المسلحة.

أعربت كبريات المؤسّسات الإعلامية الأميركية عن شكوكها في مبررات نقل الرئيس ترامب إلى المستشفى العسكري نظراً إلى ضوابط حركته الصارمة، وبقاء الأمر "غامضاً" لتساؤلاتها المتكررة، وخصوصاً أن البيت الأبيض مجهّز بمعدات طبية ذات تقنية عالية وطاقم طبي كامل على نفقة الدولة.

أبرز التناقضات في التصريحات الصحافية المرصودة حول حقيقة الإصابة جاء على لسان "الطبيب الخاص للبيت الأبيض"، شون كونلي، في مؤتمر صحافي عقده يوم السبت 3 تشرين أول/أكتوبر الجاري، يجزم فيه تشخيص إصابة الرئيس ترامب منذ 72 ساعة، أي يوم الخميس.

في المقابل، أعلن الرئيس ترامب عبر تويتر عن إصابته بالفيروس "حوالى الساعة الواحدة من صباح يوم الجمعة"، ولكن يبدو أن العوارض ظهرت بعد انتهاء مهرجانه الانتخابي في ولاية منيسوتا يوم الأربعاء. ورغم ذلك، استمر في جولته يوم الخميس إلى نيوجرسي.

الثّابت في تصريح الطّبيب الخاصّ هو إقراره بإصابة الرئيس ترامب بالفيروس، عقب التيقّن من إصابة مساعده هوب هيكس يوم الخميس الأول من الشهر الجاري، ونقله إلى المستشفى العسكري "كإجراء احترازي". رفض الطبيب كونلي مراراً الإجابة القاطعة على تلقي الرئيس ترامب وحدات أكسجين لمساعدته على التنفس خلال بثّ مؤتمره الصحافي المذكور، وأنهى المؤتمر على الفور، وتبيَّن لاحقاً أنه تم تزويده بالأوكسجين يوم الجمعة قبل نقله إلى المستشفى.

في بُعد التوقيت الزمني، تنبغي الإشارة إلى أنَّ الإعلان عن إصابة الرئيس ترامب بالفيروس جاء عقب انتهاء الجولة الأولى من المناظرة الرئاسية وظهور الإعياء الجسدي عليه، وهو ما أكدته حملته الانتخابية سريعاً، واكبها تراجع ملحوظ في الدعم الشعبي للرئيس ترامب، وفوز منافسه المرشح الديموقراطي جوزيف بايدن.

عند هذا المفصل الحرج، برزت جملة تكهّنات بين كبار المحللين والمراقبين السياسيين الأميركيين، مفادها أنَّ الرئيس ترامب أراد مخرجاً سريعاً يؤدي إلى استعادة بعض ما فقده من الدعم والتأييد، وربما توصّل وبعض كبار أعوانه إلى إثارة مسألة إصابته بالفيروس واضطراره إلى العزل في فترة زمنية بالغة الحساسية من الحملة الانتخابية، ما أدّى إلى استدرار التعاطف الشعبي والعالمي على السواء مع الرئيس ترامب، وانكفاء منافسه بايدن عن المضي قدماً في متطلبات الحملة الانتخابية.

أوقفت الآلة الإعلامية الأميركية النشطة والمناوئة للرئيس ترامب منسوب هجومها المعتاد من دون انقطاع وتعدادها "أخطائه وأكاذيبه" لبعض الوقت، أبرزها استهتاره بخطورة الجائحة التي ضربت العالم بأسره، كتعبير عن تعاطفها وتحسّسها لوضعه الصحي، الأمر الذي سيصبّ في خانة دعمه في المحصلة العامة.

في الشقّ المقابل، أثار نشر كتاب الصحافي الاستقصائي الشهير، بوب وودوورد، بعنوان "غضب"، حملة مناوئة جديدة بموجب مضمون المنشور الناجم عن سلسلة طويلة من المقابلات الخاصَّة أجراها مع الرئيس، وإقرار الأخير بأنّه كان يدرك خطورة تفشي الجائحة وضرورة مواجهتها مباشرة، لكنّه "رجّح التخفيف من خطورتها على المستوى الشعبي" وعدم تبني إجراءات احترازية إلزامية، كارتداء الكمامات الواقية، حسبما جاء في الكتاب.

وفي هذا الصدد، أجمع المراقبون من مؤيدي الرئيس ترامب ومعارضيه على دخول الحملات الانتخابية في "حيرة بالغة" وعدم اليقين مما يخبّئه المستقبل القريب، "وربما انتشار الفوضى"، كنتيجة مباشرة لإقصاء الرئيس ترامب أو غيابه عن المشهد اليومي.

الأمر الآخر هو عدم التيقّن من تعرض المنافس الديموقراطي جوزيف بايدن للفيروس عقب انفضاض المناظرة التي دامت 90 دقيقة، ما يلقي ظلالاً كثيفة على سير الانتخابات برمتها، بيد أن هذه المسألة سابقة لأوانها إلى حين تثبّت العكس. وتتزايد المطالب السياسية في حثّ المرشح بايدن على تعليق نشاطات حملته الانتخابية، بالتوازي مع غياب الرئيس ترامب مرحلياً.

استأنف بايدن حملته بعد تجميد مؤقت خضع فيه لاختبار الإصابة بالفيروس بنتيجة سالبة، ولكنه أوقف الإعلانات والدعاية الانتخابية المنددة بترامب شخصياً. في الشق العملي والأقرب إلى التطبيق، يجري تداول "مخارج دستورية" في حال غاب الرئيس ترامب، أبرزها استمرار التسلسل في السلطة التنفيذية بتسلم نائب الرئيس مايك بينس مهام المنصب كخيار أولي، لكن ذلك يستوجب مصادقة خطية من الرئيس ترامب، ينقل فيها صلاحياته إلى نائبه "طوعياً أو بشكل مؤقت".

جرى اعتماد النص أعلاه دستورياً في ما يسمى "مادة التعديل الـ25" للدستور، والتي صادق عليها الكونغرس في العام 1967، ولجأ الرئيس الأسبق جورج بوش الابن إلى تفعيلها مرتين بعد تعرضه لعمليات جراحية طفيفة في العامين 2002 و2007، وتسلّم نائبه ديك تشيني مهام المنصب لفترة قصيرة.

يرافق ذلك الاحتفاظ بتصدّر الرئيس ترامب بطاقات الانتخاب كما هي، وذهاب أصوات مؤيديه إلى البديل المعتمد من قبل اللجنة المركزية للحزب الجمهوري. تبرز حينئذ تعقيدات عملياتية تتعلق بانتهاء الفترة الزمنية المطلوبة لتسجيل واعتماد المرشحين للمنصب في عموم الولايات، والتي تتباين جداولها المقررة بمواعيد مختلفة، إضافةً إلى انتهاء السلطات الرسمية في نحو 29 ولاية من طباعة وإعداد بطاقات الانتخاب للتوزيع بالبريد العادي، بيد أن حساسية الظرف الراهن وفرادته ستفرز آليات مستحدثة للتغلب على تلك العقبات.

الاحتمال الآخر هو ما ينتظر القيام به في حال أصيب نائب الرئيس، إضافةً إلى الرئيس، بالفيروس، وأُقعِدا عن ممارسة مهامها. النصوص الدستورية تحدد التراتبية بتولي رئيس/ة مجلس النواب مهام المنصب، في حال عدم قيام الرئيس ونائبه بمهام المنصب.

ولكن العقدة الأساسية في هذا الاحتمال هي الانتماء السياسي لرئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، المناوئ للحزب الجمهوري، الأمر الذي مهّد لتواتر الرؤى الافتراضية بنضوج ما يُعرف بـ"مفاجأة أكتوبر"، أو حل الساعة الأخيرة في السباق الرئاسي، وتم التكهن بافتعال الرئيس ترامب نزاعاً يؤدي إلى شن حرب على إيران أو دولة أخرى، لخلط الأوراق وكسب التأييد الشعبي.

وساد مناخ الخشية والترقب من "تعهّد" الرئيس ترامب أثناء المناظرة الرئاسية بعدم تسليمه بنتائج الانتخابات الرئاسية إن جاءت لصالح منافسه، مبرراً ذلك بادعاءات لم تثبت صحتها بشكل قاطع، تتمحور حول "فساد المؤسسة (المناوئة له) بتضخيم بطاقات الانتخاب" المرسلة بريدياً.

نجح الرئيس ترامب في إثارة زوبعة من الشك وإرباك الجمهور حول مزاعم لجوء الطرف المنافس، الحزب الديموقراطي، إلى حشد الناخبين بأعداد كبيرة "والتزوير"، حسبما يزعم، ما سيؤدي إلى تآكل قاعدة التأييد الثابتة لمناصريه في الحزب الجمهوري.

يعوّل الرئيس ترامب ومناصروه في الحزب الجمهوري على تماسك قاعدته الانتخابية، وخصوصاً القطاعات الإنجيلية المتطرفة والمنظمات العنصرية وميليشياتها من البيض، والتي رفض إدانتها أو التنصل منها بشكل صريح خلال المناظرة الرئاسية.

وفّرت المناظرة فرصة ذهبية للمرشح الديموقراطي جو بايدن للظهور بموقف يتحكّم به بكل ملابساته، واستطاع تسجيل بعض "الضربات" الكلامية للرئيس ترامب واستدراجه إلى مربع الرد، كما أوضح التباين الصّريح، بل المتناقض في تناول المرشحيْن للقضايا العاجلة.

واعتقد بايدن أنه وجد ضالته في إحراج الرئيس ترامب الذي "تسبّب في انقسام المجتمع طيلة ولايته الرئاسية"، وارتفاع معدلات العنف والجريمة، وفشله الصارخ في التصدي لجائحة كورونا، وما سبّبه من ارتفاع مريب في أعداد ضحاياها، فضلاً عن محاصرتها، لعدم احترامه لنتائج الانتخابات وتسليم السّلطة بشكل سلس، كما هو معتاد.

الرئيس ترامب تبنّى المجموعات العنصرية عملياً، والتي أفردت لها الوسائل الإعلامية مساحات واسعة لإدانة أساليبها وتعصّبها الأعمى، رافضاً إدانة "العنف الذي تمارسه ميليشيات المجموعات اليمينية والعنصرية من البيض"، بل طالب عناصر مجموعة تدعى "براود بويز" Proud Boys  بديمومة نشاطاتها، طارحاً شعار "تأهّبوا واستعدوا"، الّذي تبنّته الميليشيا فور انفضاض المناظرة، كتحفيز رسمي على أساليبها الممهورة بالعنف المسلّح، وشكَّلت تصريحات الرئيس ترامب إيذاناً لمناصريه بالتأهب والنزول المسلّح إلى الشوارع، عند الإشارة إلى رفض نتائج الانتخابات وإثارة الفوضى والعراقيل.

والجدير بالذكر أن سجلات مكتب التحقيقات الفيدرالي "أف بي آي" تشير إلى نحو 300 مجموعة مسلحة من الميليشيات اليمينية في طول الولايات المتحدة وعرضها، تلقّى جزءٌ لا بأس به من عناصرها تدريبات عسكرية داخل صفوف القوات المسلحة الأميركية، وأثبتت قدرتها على التسلّح بمعدات قتالية واستخدامها عند الحاجة، أبرزها كان النزول بقوات مدجّجة بالأسلحة والعربات المدرعة في ولاية مشيغين، تعبيراً عن اعتراضها على قرار حاكمة الولاية "الديموقراطية"، وبتحريض من الرئيس ترامب في شهر أيار/مايو الماضي.

احتمال نشوب اشتباكات مسلّحة في عدد من المدن الأميركيّة الكبرى هو احتمال واقعيّ حذَّر منه عدد من الأجهزة الأمنيّة، لكن محاولات التصدي الجاد لتلك المجموعات مشوبة بالحذر والريبة، نظراً إلى تعدد ولاءات عدد لا بأس به من القوات الأمنية الرسمية، وانتساب عناصرها إلى صفوف المجموعات العنصرية.

من المرجّح أن تغضّ الأجهزة النظر عن ممارسات تلك المجموعات عند تجسّد تلك الفرضية على أرض الواقع، وإبقائها تحت السيطرة ضمن سقف متوسط لا تسمح لها بتجاوزه، لكن مسألة الانضباط من الطرفين أمر يصعب الجزم به، وربما ستؤدّي الاشتباكات إلى ما يشبه ساحة حرب حقيقيّة لبعض الوقت، كما يحذّر، بل يجزم به، بعض قادة الأجهزة الأمنية.

في الحسابات الاستراتيجيّة، تأتي ديمومة النظام السياسيّ على رأس سلّم الأولويات، وستنفّذ الأجهزة الرسمية مهامها من دون اعتبار لأعداد الضحايا، كما جسَّدته مراراً في تصديها للمجموعات اليساريّة والليبراليّة، نذكر منها قصف أجهزة الشرطة في مدينة فيلادلفيا لحيّ سكنيّ بأكمله في 13 أيار/مايو 1985، كانت تقطنه عائلات من السود تدين بالولاء لمجموعة "موف" MOVE التي صنّفتها الأجهزة الرسمية "حركة تحرر".

أسفر هجوم الأجهزة الشرس بالطائرات وإلقاء القنابل الحارقة عن اندلاع النيران في 65 منزلاً، ومقتل 11 فرداً، من ضمنهم 5 أطفال. وصرّح بعض الناجين من المحرقة أنّ الأجهزة الرسمية جنّدت 500 من عناصرها المدجّجين بالأسلحة، وأطلقت الرصاص مباشرة على المدنيين الهاربين من الحرائق.

ربما كانت تلك الحادثة الدموية تمريناً لمواجهات لاحقة، كما يعتقد ضحايا العنف الأميركي الرسمي.

منذر سليمان

مدير مكتب الميادين في واشنطن

إقرأ للكاتب

حرب أهلية أميركية.. السيناريو المحتمل والأدوات

البيانات الرسمية العالمية تشير إلى كثافة مرعبة لحيازة الأميركيين أسلحة فردية، بمعدل "120 قطعة...

مناظرة من دون مفاجآت تكرّس مخاوف الأميركيين من اضطراب كبير

استمرار دونالد ترامب بالتحذير من تزوير الانتخابات في حال عدم فوزه، يشكّل العنصر الأبرز في قلق...

خلفيات الصراع حول تركيبة المحكمة العليا في الولايات المتحدة

يعي الطرفان، الديموقراطي والجمهوري، بأنَّ معركة النفوذ على تركيبة المحكمة العليا، السلطة الثالثة...

تراجع شعبيَّة أميركا وتقلّص هيبتها عالمياً

مركز "بيو" لاستطلاعات الرأي يرصد زيادة "منسوب الكراهية" لسياسات الولايات المتحدة عبر العالم، وهي...

واشنطن تتأهَّب للمواجهة.. الصّين هادئة ويقظة

يضم التواجد العسكريّ الأميركيّ الضّخم في جزر غوام قبالة الفيليبين في المحيط الهادئ 3 قواعد...

تنامي فرضيّة عدم الحسم في الانتخابات الأميركية.. سيناريوهات محتملة

سيسعى كل من الطرفين، الديموقراطي والجمهوري، إلى تجيير النصوص الدستورية والأعراف السائدة لخدمة...