"تموز" 2006 و"سيف القدس" 2021.. لماذا معركة واحدة؟

في الشكل، هناك اختلاف بين المعركتين، لكنه اختلاف غير مؤثر في معادلة اعتبار المعركتين متشابهتين إلى درجة التكامل.

  • كان شبه قاتل للعدو انكسار القاعدة التي كان يعتبرها لازمة لعملياته العسكرية، والتي تقول إنه
    كان شبه قاتل للعدو انكسار القاعدة التي كان يعتبرها لازمة لعملياته العسكرية، والتي تقول إنه "الجيش الذي لا يقهر".

على الرغم من أنَّ انتصار "حزب الله" في عدوان تموز/يوليو 2006 على العدو الإسرائيليّ كان واضحاً وجلياً ولا لبس فيه، فقد بقي هناك من يعيش إنكاراً ويقول إنَّ هذا الانتصار غير واقعيّ، وإنَّ لبنان و"حزب الله" هُزما أمام "إسرائيل" في تلك الحرب، وإنَّ الدّمار الذي لحق بالمنشآت اللبنانية والخسائر البشرية التي وقعت، لا يمكن تبريرها بما خسره العدو مقارنة بها.

طبعاً، لكلِّ طرفٍ وجهة نظرٍ. بالنسبة إلى الذين رأوا أن لبنان هُزم في تلك الحرب، تأثرت نظرتهم بطابع سياسي موجّه، دأب على معارضة "حزب الله"، وعلى عدم الاعتراف بقدرته ومشروعية سلاحه. وبالنسبة إلى الذين رأوا في تلك الحرب انتصاراً للبنان و"حزب الله"، فقد دعموا نظرتهم بوقائع ملموسة ومؤكدة، بنوها على الكثير من المعطيات العسكرية والميدانية التي فرضت نفسها، في رأيهم، بشكل واضح. 

هذه المعطيات العسكرية والميدانية التي فرضت نفسها لتأكيد انتصار "حزب الله" على "إسرائيل" في حرب تموز/يوليو 2006، يمكن تحديدها بالتالي:

فشل العدو في تحقيق أهدافه من العدوان، والتي كان في أساسها إنهاء قدرات "حزب الله" وسلاحه، فخرج الأخير من تلك الحرب أقوى وأكثر مناعةً وتسليحاً ونفوذاً. وبعد العدوان، ونتيجة الصفعة التي تلقَّتها "إسرائيل" في جنوب لبنان، امتلك "حزب الله" فائضاً غير بسيط من القوة والثقة والمعنويات، وتوسع اهتمامه وتأثيره ونفوذه إلى أبعد من لبنان بكثير، بعد أن استنتج، وبرؤيته الاستراتيجيّة، أنّ الحرب على سوريا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحرب عليه، وأن الحرب على اليمن أيضاً فيها من المعطيات الاستراتيجية غير البعيدة من "إسرائيل"، ما يؤدي إلى الكثير من التداعيات على محور المقاومة بشكل عام، وعليه أيضاً بشكل خاص، في ما لو ربح العدوان حربه على اليمن. 

هذا النفوذ الإقليمي لـ"حزب الله" اعترف به أعداؤه، وعلى رأسهم الأميركيون والإسرائيليون، وخصوصاً بعد تدخل الحزب بفعالية في الحرب الكونية التي شنّت على سوريا، ومساهمته الرئيسية في انتصار الدولة السورية، وأيضاً بعد وقوفه، وبأكثر من طريقة، لم يستطع أحدٌ تحديدها، إلى جانب اليمنيين في الحرب الكونية الأخرى التي شنت عليهم وانتصروا فيها.

وفي الوقت الذي لم يستطع العدو إخفاء خسائره غير المتوقعة التي أصيب بها في حرب تموز/يوليو 2006، في جنوده أو في المستوطنين أو في العتاد والآليات المدرعة، فإنه، ومن خلال تلك الخسائر، اعترف بهزيمته، والأهم أنه اعترف، ومن خلال اللجان (وأهمها فينوغراد) التي شكلها لدراسة الثغرات والمسارات الخاطئة لعملياته وطرق قتاله وتدخله غير المناسبة، بالفشل والهزيمة عسكرياً وسياسياً.

وكان شبه قاتل للعدو، ومن أكثر النقاط التي أثرت سلباً في موقعه في المنطقة والعالم، وخصوصاً من الناحية العسكرية، انكسار القاعدة أو المعادلة التي كان يعتبرها لازمة لعملياته العسكرية، والتي كانت تقول إنه "الجيش الذي لا يقهر"، وإنه تعوّد أن يربح كل معاركه، فكانت مواجهات وادي الحجير وسهل الخيام ومشروع الطيبة الملحمية بصورايخ "الكورنيت" ضد أحدث دباباته من نوع "ميركافا"، والتي أزالت من عقيدته مبدأ "حسم المعركة عبر الصدم بالمدرعات"، وكانت كمائن بنت جبيل ومارون الراس ورشاف – بيت ليف صادمة لأفراد وحدات النخبة لديه، الذين اعترف من بقي منهم على قيد الحياة بأنهم شعروا كأنهم يقاتلون مجموعة من الجن في تلك المواجهات المباشرة مع مقاتلي "حزب الله".

بعد انتصار تموز/يوليو بفترة غير بسيطة من الزمن، فيها طبعاً الكثير من المواجهات غير المباشرة بين المقاومة والعدو، في لبنان أو في فلسطين أو في سوريا، وفي الوقت الذي تابع الأخير اعتداءاته ملاحقاً مواقع "حزب الله" وتحركاته وعملياته ضد الإرهابيين، الذين لم يكونوا بعيدين عن استراتيجية العدو وأهدافه في الحرب، لم يحدث أن حصلت أية مواجهة مباشرة وصريحة تحت عنوان معركة كاملة، ليدور الزمن، من جنوب لبنان إلى جنوب فلسطين المحتلة، إلى غزة الصامدة، وتحصل عملية "سيف القدس" في أيار/مايو 2021، التي خاضها أبطال المقاومة الفلسطينية في غزة ضد العدو على خلفية انتهاكات الأخير للمقدسات والحقوق في القدس ومناطق محتلة أخرى، فكانت العملية، وبحق، ملحمة تاريخية في مواجهة الصهاينة، ما بعدها سيكون حتماً مختلفاً عما قبلها، والأهم فيها أنها تتكامل مع حرب تموز/يوليو 2006 في الهدف، وفي التكتيك، وفي المناورة، وفي البعد الاستراتيجي، وفي هيكلية وتنظيم أسس المقاومة والمواجهة والصراع مع "إسرائيل". 

طبعاً في الشكل، هناك اختلاف بين المعركتين، في المكان وفي الزمان وفي المقاومين، "حزب الله" في لبنان مقابل "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وألوية الناصر صلاح الدين وغيرهم الكثير الكثير من فصائل المقاومة الفلسطينية البطلة في غزة، ولكن يبقى هذا الاختلاف في الشكل غير مؤثر بتاتاً في معادلة اعتبار المعركتين متشابهتين بقوة إلى درجة التكامل.

العدو هو نفسه؛ "إسرائيل" المحتلَّة للأراضي والمغتصبة للمقدَّسات العربية الإسلامية والمسيحية، والتي تستفيد من دعم غربي غير محدود، وتعتمد على غباء وارتهان عربي إقليمي غير بسيط. هو نفسه العدو الَّذي تمدّد واحتلّ وثبّت نفسه حين غاب من تجرأ على مواجهته، وهو نفسه اليوم من استفاق على أزمة كيانية بدأ يراها وجودية، بعد أن اكتشف أن هناك من قرَّر أن يقارعه ويواجهه وينافسه ويلاحقه... وينتصر عليه. 

المقاومون أيضاً هم أنفسهم؛ أولئك الأبطال الَّذي التزموا مواجهة "إسرائيل"، رغم الفارق الكبير في القدرات، وهم أنفسهم الذين جمعتهم جرأة القتال في وجه من يملك أحدث القاذفات الفتاكة والمسيّرات القناصة الدقيقة والقدرات الصاروخية المرعبة، والقادرة على تدمير عشرات الأمتار من التحصينات تحت الأرض، وعن مسافات مئات الكيلومترات، وفي الليل والنهار.

في المعركتين، تموز/يوليو 2006 وأيار/مايو 2021، كُسرت المحرّمات التي اعتبرت "إسرائيل"، ولفترة طويلة، أنها لا يمكن أن تُمسّ، فالتفوق الجوي الذي كان يشكّل أول بند من مفاهيم عقيدتها العسكرية، أصبح غير مؤثر وغير قادر على حسم المعركة، وكان مقاومو حزب الله تماماً مثل مقاومي غزة، يهزأون به، ومن تحته مباشرة، من خلال متابعتهم إطلاق الصواريخ، تماماً من الأمكنة نفسها التي كانت صواريخ وقنابل قاذفاته تتساقط فيها. 

"الكورنيت" الذي استهدف آلية للعدو على تخوم غزة في أيار/مايو 2021، هو نفسه الذي استهدف أول "ميركافا" في سهل الخيام في تموز/يوليو 2006. المصدر نفسه (سوريا الأبية)، ومطلقه نفسه؛ مقاوم عربي أسمر حبس أنفاسه ساعات طويلة في حفرة انفجار صاروخ إسرائيلي، منتظراً هدف عمره وشبابه. 

قواعد إطلاق الصواريخ في بيت حانون وبيت لاهيا والشجاعية وجباليا وخان يونس ورفح ووادي السلقة (شمال خان يونس) هي القواعد نفسها تماماً، ومن النماذج نفسها، ومن التركيبة والتقنية نفسها للقواعد التي أدارت المعركة الصاروخية في تموز/يوليو 2006، من وادي السلوقي ووادي الحجير وأحراش رامية وعيتا واللبونة ووادي القيسية ووادي خربة سلم ومنتزهات مجدل سلم وشقرا وبرعشيت وطيرحرفا وجبال البطم وغيرها.

شبكة الأنفاق تحت كامل غزة هي شبكة الأنفاق نفسها التي تربط خطّ الدفاع جنوب لبنان، والتي تجمع ميس الجبل وبليدة وعيترون ومارون الراس ورميش... والعديسة في فلسطين المحتلّة. التقنية نفسها، والإنارة نفسها، والأبعاد نفسها (الارتفاع والطول والعرض)، وعدد الفتحات نفسه تقريباً. 

إنها في النهاية المعركة نفسها، ضد العدو نفسه، يخوضها المقاومون نفسهم، الذين تجمعهم العقيدة نفسها، ويحملون في عروقهم فئة الدم نفسها؛ الدم المقاوم الذي قرَّر مواجهة "إسرائيل" حتى النهاية، أي حتى إزالتها من الوجود.

شارل أبي نادر

عميد متقاعد في الجيش اللبناني

إقرأ للكاتب

بعد مهمته في استهداف سوريا.. ما دور إردوغان في أفغانستان؟

الأمر يتعلق بنقل الإرهابيين إلى أفغانستان، وهو ما يحتاج إلى جهة خبيرة وموثوقة تستطيع إتمام هذه...

"حلف القدس" وسرّ الانتصارات

ها هم اليوم، أطراف "حلف القدس"، كلٌ من موقعه، يشكلون أرقاماً صعبة في المعادلات الإقليمية والدولية.

توتر غير مسبوق بعد قمَّة بايدن- بوتين.. هل ينتهي على خير؟

غليان دولي في بحر الصين الجنوبي وبحر البلطيق والبحر الأسود يحمل رسائل جدية تستدعي الوقوف عندها.

هل ينقذ رئيسي السّعوديّةَ من الهيمنة الأميركيّة - الإسرائيليّة؟

يبدو السؤال لأوَّل وهلة غريباً، وفي غير مكانه، إذ يحمل الكثير من التناقض مع المستوى المرتفع من...

التواطؤ الأميركي- التركي مستمر ومصالح الأميركيين مؤمنة

غير صحيح، وجود خلاف جوهري أو هامشي بين الأميركيين والأتراك، على الرغم من كلّ المناورات الخادعة...

قمّة بوتين - بايدن.. أين القطبة المخفيّة؟

هل تشكّل القمّة المرتقبة استكمالاً لمسار قديم جديد أو أنّ الطرفين سوف ينتبهان إلى نقطة حساسة...