المقاومة في أميركا الجنوبية، وأورتيغا رئيساً

أميركا الجنوبية التي تشبه المنطقة العربية ــ الاسلامية بأحوالها، كشحت عن وجهها غيمة ثقيلة حين انشغلت أميركا عنها في حروب المنطقة. فبادلت الجميل بدعم القضايا العربية وتأييد المقاومة في لبنان وفلسطين.

هو أكثر المعادين للسياسات الأميركية في حديقتها الخلفية وباعه طويل في مواجهتها منذ ثماننيات القرن الماضي في نيكاراغوا
الحملات الانتخابية التي توصف بأنها هابطة بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، ربما تكشف أزمة انحدار الولايات المتحدة بما يعزز رؤى المقاومة المناهِضة للتوسع الأميركي كما تشير نتائج الانتخابات في نيكاراغوا.

الرئيس الفائز بأكثر من 70% من أصوات الناخبين، هو أكثر المعادين للسياسات الأميركية في حديقتها الخلفية وباعه طويل في مواجهتها منذ ثماننيات القرن الماضي في نيكاراغوا. وقد حاولت واشنطن على لسان سفيرها في ما ناغوا العاصمة بول ترينيلي وعلى لسان وزير التجارة الأميركية كارلوس غوتييريس، أن تتدخل في منع فوز أورتيغا. لكن منظمة الدول الأميركية التي تضم مجموع دول القارة حرمتها من القدرة على التدخل لتغيير المعادلات. وهذا الأمر يدل أكثر ما يدل على الوهن الذي باتت عليه واشنطن في منطقة نفوذها الحيوي.

الأدهى أن واشنطن تفتقد حلفاء يمكنها الاعتماد عليهم في نيكاراغوا، في إشارة أخرى إلى ضعف تأثيرها السياسي. ولم يسعها غير المجاهرة بتأييد انشقاق الحزب الليبرالي المعارض لأن نائب رئيس الحزب "خوسي ريزو" سبق له أن تحالف مع الحركة الساندينية ورئيسها أورتيغا قبل ست سنوات في الانتخابات. ولم يبقَ لواشنطن غير المراهنة على يمين الوسط الذي خظي رئيسه "ماكسيمينو رودريغيز" بأقل من 17 % من الأصوات.

للمقارنة بين يد واشنطن المغلولة اليوم وتغوّلها السابق، اقتحمت المخابرات الأميركية نيكاراغوا العام 1984 إثر انتخابات فازت بها الحركة الساندينية في ثورتها على دكتاتورية "ماكسيمينو سوموزا" الذي ذهب اسمه مضرب مثل في التوحّش.  لكن واشنطن موّلت وسلّحت معارضة " الكونترا" وأغرقت البلد في حرب دموية كما أثبتت محكمة العدل الدولية في قرار حكم لمصلحة نيكاراغوا تقول فيه : "لقد أوقعت حرب ريغان ضد نيكاراغوا 75 ألف ضحية ودمّرت بلداً لا رجاء لقيامته". ثم حكمت بتعويض مقداره 12 مليار دولار، لكن واشنطن رفضت تنفيذ الحكم.

قد لا يكون فوز أورتيغا بمعزل عن السياق العام لانحسار قدرة الولايات المتحدة عن التدخل العسكري والمخابراتي المباشر، وعن انحدار هيبتها فيما كانت تعد به من أحلام الرفاهية والاستقرار. ولا ريب أن تصريحات دونالد ترامب بإذلال المكسيكيين وكذلك عدم ممانعة كلينتون بناء جدار الفصل على الحدود، ساهمت بتأجيج النخوة اللاتينية في نيكاراغوا لتأييد أورتيغا.  لكن الحافز الأهم الذي عبّرت عنه نسبة 70% من الأصوات غير المسبوقة في انتخابات نيكاراغوا، هي انهيار صدقية واشنطن في أميركا اللاتينية منذ سعيها المحموم للإطاحة بالحكم اليساري لمناهض في االأرجنتين والبرازيل وصولاً إلى فينزويلا وبوليفيا والأكوادور ونيكاراغوا.

المصاعب الإقتصادية التي كانت تعاني منها الأرجنتين استغلتها واشنطن لإطاحة الرئيسة "كريستينا فرنانديز دي كيرشنر"، واعدة المعارضة بالسمن والعسل. لكن بعد وصول المعارضة إلى السلطة تبيّن أن واشنطن تنتقم من الرئيسة لاتهامها الإدارة الأميركية في خطاب ناري في الأمم المتحدة العام 2014 بافتعال الأزمة المالية و"خداع العالم وقلب الحقائق في الحرب على الإرهاب". كما تبيّن الدور الإسرائيلي في تغيير الحكم الذي ناصر المقاومة وفلسطين، ولم تفي واشنطن بوعود عرقوبية، إنما تفاقمت الأزمات التي تضع الأرجنتين اليوم أمام القبول بمزيد من الانهيار أو مغامرة الحرب الأهلية.

في البرازيل التي خلعت المعارضة الأميركية رئيستها بتهمة فساد جلّها نقل حسابات في الموازنة من قطاع إلى قطاع كما يفعل البنك المركزي الأميركي في واشنطن، تتكشف الأحداث اللاحقة عن فساد معظم أعضاء الحكومة التي ورثت الحكم. وفي فنزويلا تشدّ واشنطن بخناق الأزمة الاقتصادية المتفجّرة بقرار خفض أسعار النفط، كما تدفع المعارضة من جهة والميليشيات الكولومبية من جهة أخرى، فكاد أن يسقط الحكم البوليفاري في يدها.

أميركا الجنوبية التي تشبه المنطقة العربية ــ الاسلامية بأحوالها، كشحت عن وجهها غيمة ثقيلة حين انشغلت أميركا عنها في حروب المنطقة. فبادلت الجميل بدعم القضايا العربية وتأييد المقاومة في لبنان وفلسطين. وهي تكشح عن وجهها مرّة أخرى حين ترى واشنطن تخوض حروباً بالوكالة لتفتيت الدول وتدمير المجتمعات، فتستفيد أميركا الجنوبية درساً في المقاومة. وقد يكون فوز أورتيغا رذاذاً من موجة مقبلة.