أميركا: حرب كلامية متهورة واتصالات سرية مع كوريا الشمالية

ليست هي المرة الأولى التي تُفصح فيها الولايات المتحدة عن "جهوزية استعداداتها" لشن حرب "وقائية" ضد الدولة والشعب في كوريا الشمالية، ضمن مسار يتقاذفه التشنج والحوار على امتداد ربع قرن من الزمن بغية تحقيق هدف واشنطن بحرمان بيونغ يانغ من اقتناء التقنية النووية.

سبر أغوار حقيقة الموقف الأميركية تستدعي النظر إلى الأزمة المتصاعدة حديثاً في إطارها التاريخي
سال حبر كثيف ولا يزال في الآونة الأخيرة طمعاً في استنباط حقيقة الموقف الأميركي فيما يخص كوريا الشمالية في ظل تصعيد "الحرب الكلامية، ونشر أسلحة جديدة وإجراء تجارب حية"، بالقرب من أراضيها، في سياق ممارسة واشنطن اللعب "على حافة الهاوية"، وفق أفضل التوقعات تفاؤلاً؛ بينما تمضي الوسائل الإعلامية الكبرى، المقروءة والمرئية، في تأكيدها نقلاً عن قادة البنتاغون بتفاصيل الضربة الأميركية والأسلحة التي ستستخدم والمواقع المرشحة للاستهداف، وما ينقصها سوى اتخاذ قرار سياسي بذلك.


   ليست هي المرة الأولى التي تُفصح فيها الولايات المتحدة عن "جهوزية استعداداتها" لشن حرب "وقائية" ضد الدولة والشعب في كوريا الشمالية، ضمن مسار يتقاذفه التشنج والحوار على امتداد ربع قرن من الزمن بغية تحقيق هدف واشنطن بحرمان بيونغ يانغ من اقتناء التقنية النووية.


سبر أغوار حقيقة الموقف الأميركية تستدعي النظر إلى الأزمة المتصاعدة حديثاً في إطارها التاريخي وفي الرسائل المتعددة التي تنوي واشنطن توجيهها لعدد من الأطراف، بدءاً بايران وليس انتهاءً بروسيا والصين الذين يرصدون مجتمعين وبعناية كبيرة وجهة سير السياسة الأميركية في عهد رئيس لا يضمر نزعته العدوانية والاقصائية ويستمتع بلغة التصعيد والتهديد".


   أطلقت إدارة الرئيس باراك أوباما برنامجاً لإعادة تحديث الترسانة النووية الأميركية هو الأضخم من نوعه نظراً لكلفته المقدرة آنذاك بنحو 1000 مليار دولار (تريليون) تشمل "بناء 12 غواصة نووية هجومية، كل منها مزودة بـ 24 صاروخاً ويمكنها إطلاق ما يزيد عن 200 رأس نووي؛ 100 طائرة قاذفة استراتيجية، كل منها مسلحة بنحو 20 صاروخ أو قنبلة نووية؛ 400 صاروخ باليستي عابر للقارات، كل منها يحمل رؤوساً نووية" متطورة. 
ويضيف الثنائي النووي أنه ينبغي تخصيص ما لا يقل عن "5% من مجمل ميزانية وزارة الدفاع (لبرنامج التحديث) على امتداد العقد المقبل".


   تتالت التهديدات الأميركية لكوريا الشمالية منذ زمن بعيد، بذات المفردات القاسية متوعدة بالويل والثبور وعظائم الأمور، بل التصريح الفاضح بمحو شعبها عن سطح الكرة الأرضية، كما جاء على لسان وزير الدفاع جيمس ماتيس مؤخراً، بالمرور على مناسبتين كان قرار العدوان الأميركي قيد التنفيذ.


 الأولى إبان عام 1994 على يد مساعد وزير الدفاع الأسبق، ريتشارد بيرل، بدراسة حملت عنوان نزع فتيل قنبلة كوريا الشمالية، وضح عناصرها في مقابلة متلفزة إجراها خلال ذالك العام ومشدداً على إعجابه بالعدوان "الإسرائيلي" على المفاعل النووي العراقي مطالباً بلاده الاقتداء به فيما يخص كوريا الشمالية، اذ أسفر الهجوم "الإسرائيلي .. عن تدمير المفاعل بالكامل ولم ينتج عنه أي دمار خارج نطاق مبنى المفاعل".



 الرد الكوري آنذاك كان صارماً أيضاً لاستشعاره ترتيبات عسكرية أميركية ضد بيونغ يانغ بينما كانت مفاوضات "سلام" جارية على قدم وساق مع الجانب الأميركي بالإعلان "أننا جاهزون للرد بالمثل، العين بالعين والحرب بالحرب. إن اندلعت الحرب سنحيل سيؤول (عاصمة جارتها الجنوبية) إلى بحر من النار".


 الحالة الثانية كشف عنها وزير الدفاع الأسبق، ويليام بيري، في عهد ولاية الرئيس كلينتون، ضمنها في مقالة بتوقيعه نشرتها مجلة بوليتيكو، 15 نيسان / ابريل العام الجاري، موضحاً أنه قدم تقريراً للرئيس كلينتون، بمشاركة رئيس هيئة الاركان آنئذ جون شاليكاشفيلي، عام 1994، عرضا فيه "ثلاثة احتمالات تستند إلى تعزيز عديد القوات الأميركية في شبه الجزيرة الكورية لأزيد من 37،000 جندي" الذين يرابطون هناك منذ نهاية الحرب الكورية.


لعل الاعتراف الأخطر لبيري إقراره بأنه في العام 1994 "أشرف على اعداد خطط مفصلة لشن ضربة عسكرية ضد المفاعل النووي في يونغ بيون .. كنا بمنتهى الجدية، والجانب الكوري الشمالي كان يدرك ذلك"..


 يشار إلى أن التصعيد آنذاك تم تداركه في اللحظات الآخيرة بإعلان الرئيس كلينتون بهدوء عن توصل الجانبين إلى اتفاق مشترك.

سياسة أم تخبط

المتتبع للسياسة الأميركية نحو كوريا الشمالية يلحظ تناقضها الصارخ لا سيما منذ تولي الرئيس ترامب مهام منصبه. تصريحات للرئيس تهدد بالعدوان والتدمير، عززها بنشر بطاريات الدرع الصاروخي "ثاد" والمصادقة على إجراء مناورات عسكرية "مستفزة"، يقابلها تصريحات لوزير الخارجية، ريكس تيلرسون، يطمئن بيونغ يانغ بأن واشنطن لا تشكل تهديداً لكوريا الشمالية، موضحاً لأول مرة أن "الإطاحة بالرئيس الكوري وتغيير النظام ليس هدفاً لواشنطن"، أتبعه بتصريح آخر طالباً التهدئة بأنه "لا يعتقد أن هناك تهديداً فورياً على أميركا".


أركان الإدارة الآخرين، لا سيما وزير الدفاع، وأقطاب المؤسسة الحاكمة ممثلة في الحزبين أطلقوا تصريحات تصعيدية وتهديدية أيضاً. كوريا هددت بقصف جزيرة غوام في المحيط الهادئ، وبها قاعدة عسكرية أميركية معتبرة يقف في خدمتها نحو 162،000 مواطن أميركي، ونظراً لاعتبارات المساحة المخصصة نكتفي بتلك الإشارة والمرور السريع على مواقف حلفاء الولايات المتحدة.


  تميزت ألمانيا بسرعة تعليقها على تهديدات الرئيس ترامب. وجاء على لسان وزير خارجيتها، زيغمار غابرييل، أن " تلك التصريحات تبعث على القلق والخوف من أننا سنتورط في حرب كالمعتوهين على غرار ما حدث في حقبة الحرب العالمية الأولى". الحلفاء الأوروبيين الآخرين أيضاً حذروا من الانزلاق نحو حرب نووية كارثية.


"الحق على الطليان"

 بداية ليس من باب التندر أو السخرية، كما في الوعي الشعبي العام للدلالة على تهرب الفرد وتواريه عن تحمل المسؤولية، بل للإضاءة على دور الأوروبيين وإيطاليا تحديداً في نشر وليس حظر الأسلحة النووية على أراضيها.


  المناسبة فرضتها ديمومة التصريحات الأميركية بشكل خاص حول أهمية التزام الدول الأخرى بمعاهدة حظر الأسلحة النووية، التي تبنتها "أغلبية كبيرة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة،" في شهر تموز / يوليو من هذا العام، وصوتت لصالحها نحو 122 دولة ولم تشمل أي من الدول التي تمتلك أسلحة نووية: أميركا، فرنسا، وبريطانيا في الجانب الأوروبي؛ وروسيا والصين و"إسرائيل" والهند وباكستان وكوريا الشمالية.


   نخص بالذكر دول حلف الناتو الأخرى التي لم تنضم للمعاهدة: إيطاليا، ألمانيا، بلجيكا وتركيا التي "تأوي الأسلحة النووية الأميركية" على أراضيها، وحلفاء آخرين لواشنطن: اليابان، استراليا وأوكرانيا.


  تخلف إيطاليا عن الإنضمام للمعاهدة جاء على خلفية ما يترتب عليها القيام به، أي التخلص من الأسلحة النووية الأميركية المنتشرة على أراضيها: ما لا يقل عن 70 قنبلة نووية من طراز B-61 موزعة على ثلاث مواقع. كما وافقت إيطاليا على تخزين قنابل نووية أشد حداثة، من طراز B61-12 "بدءاً من عام 2020؛" إذ أن الجيل المتطور من الأسلحة الأميركية تفوق قدرته التدميرية الجيل السابق بثلاثة أضعاف، وفق بيانات وزارة الدفاع.


  للتذكير، إعلان الرئيس بيل كلينتون عن توصل الطرفين لاتفاق واكبه تردد مستدام لتحقيق "الهدف الأميركي الحيوي منذ أمد بعيد: وضع حد للتهديد الناجم عن انتشار (السلاح) النووي في شبه الجزيرة الكورية".


   أما أسلافه فقد ثابروا على تحقيق ذلك بالتهديد والترغيب، تطبيق نظام عقوبات اقتصادية ووعود بانفتاح اقتصادي، ورفضت كوريا ذلك الى أن استفاقت واشنطن على أسلحة نووية كاملة الأوصاف، وإن تكن متواضعة العدد، إيذاناً بفشل سياستها واجراءاتها في حشد دول الجوار الأخرى لتطبيق المقاطعة الإقتصادية.


الحل في متناول اليد

 أيقنت واشنطن أن رهانها السابق على فعالية إجراءات المقاطعة، بكافة أشكالها، لوقف التقدم الكوري لتوسيع ترسانته النووية لم يكن إلا سراباً ووهماً يصرف إعلاميا في الداخل الأميركي؛ كما شهدنا في تبني مجلس الأمن الدولي قراراً بالإجماع لمعاقبة كوريا الشمالية.


عند هذا المنعطف الحاسم ينبغي الإشارة السريعة لتقارير الأجهزة الاستخباراتية الأميركية "تؤكد" فيها قدرة كوريا الشمالية على إنتاج رأس حربي نووي مصغّر ينصب على صاروخ باليستي. بالمقابل، جددت أسبوعية نيوزويك الأميركية، 11 آب /أغسطس الجاري، شكوك الخبراء بعلم الصواريخ بادعاءات واشنطن ووصفها بأنها "خدعة"، باستنادها إلى تقرير حديث الصدور عن مجمع علماء الذرة الأميركي، يفند فيها قدرة أسلحة بيونغ يانغ الوصول إلى الأراضي الأميركية.


  وأضافت المجلة أن البيت الأبيض امتنع عن الرد على مضمون تقريرها، خاصة في جزئية التقرير العلمي وجزمه بأن ".. الصاروخ الكوري الشمالي من طراز هواسونغ-14 هو صاروخ ما دون مرحلة الصواريخ العابرة للقارات ولن يكون بوسعه حمل رؤوس نووية تستهدف الولايات المتحدة".


   وختمت المجلة تقريرها بالقول أن التقرير العلمي بعد اطلاعها عليه بنسخته الأصلية "ينافي تقرير صحيفة واشنطن بوست الأخير المستند إلى مصدر مجهول الهوية في وكالة الإستخبارات الدفاعية".


هذا الجدل وتنافر التصريحات مع الحقائق العلمية تعيدنا الى ترجيح "الحل بالسبل الديبلوماسية،" على الرغم من إصرار واشنطن على عدم "تسامحها" مع برنامج بيونغ يانغ الذي تعتبره حجر الأساس في سياسة البلد، في البعدين الداخلي والخارجي.


 طرق هذا المسار "الإضطراري" ينطوي على تقديم تنازلات لا تسمى بمسمياتها حفاظاً على تماسك اللحمة الداخلية للطرفين، فحواه "استعداد كوريا الشمالية الإقلاع عن تجاربها النووية ووقف العمل بها تدريجياً؛ والإمتناع عن تصدير التقنية النووية أم معداتها، مقابل تقديم الولايات المتحدة ضمانات أمنية بعدم الإعتداء، وصولاً الى تطبيع العلاقات مع الدولة المارقة.