انتحاري الكوستا...ذئب أحمر غير منفرد

محاولة التفجير في شارع الحمراء في بيروت تشكل فصلاً جديداً في المواجهة بين لبنان والإرهاب. ما هي دلالات هذه المحاولة وإن كانت فاشلة وما هي الرسائل التي تحملها..

في شارع الحمراء لبنانيون وسوريون وفلسطينيون وعرب من جنسيات مختلفة، مطاعم وحانات ومقاه..
لو نجح انتحاري الكوستا في تفجير نفسه لكنّا اليوم نتحدث عن الإخفاق الأمني للحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة سعد الحريري.

سيحتفي تنظيم داعش بأحد "أسود الخلافة" ممن نجحوا في تخطي الإجراءات والقيام بتفجير دموي في شارع الشعراء والصحافيين والكتّاب، ملتقى من لا مكان للقائهم سوى شارع الحمراء، ذي الهوية التي يصعب اختصارها لا طائفيا ولا حزبياً ولا فكرياً ولا حتى بما ينظر إليه كل من يأتي إلى هذا الشارع.

نجاح الهجوم الانتحاري كان ليكون باختصار استهدافاً لكل هؤلاء، بغض النظر عن مواقفهم السياسية المتباينة، عن تباين نظرتهم لما يحدث في سوريا، عن اختلافهم حول تعريف الإرهاب والثورة والمعارضة والنظام، ستختلط الدماء على إسفلت شارع حتى حبيبات الإسفلت فيه تحترف الحوار وإن تصارعت.

لا تقف رمزية المكان عند ما سلف، فهذه هي المرة الأولى، منذ بدء مسلسل التفجيرات الأخير، التي يُستهدَف فيها قلب بيروت. في السابق كانت الهجمات المماثلة تستهدف الضاحية الجنوبية ومحيطها، في محاولة لإعطاء الاستهداف البعد الطائفي والحزبي وربطه بشكل مباشر بالأزمة السورية.

لعل ذلك شكّل ولو بشكل غير مباشر فرصة للبعض لتبرير العمل الإرهابي على قاعدة أنه جاء كردة فعل، أو أنه كان يهدف لضرب مركز حزبي أو عسكري أو سفارة، متجاهلين أن من كانوا يسقطون ضحايا هكذا هجمات كانوا مجرد مدنيين وبعضهم كانوا سوريين أو فلسطينيين.


في شارع الحمراء أيضا، لبنانيون وسوريون وفلسطينيون وعرب من جنسيات مختلفة، مطاعم وحانات ومقاه، كنيسة على بعد أمتار فقط من ناصية الكوستا، مجموعة من الأطفال باعة الزهور، متسولات محترفات وهاويات، كل شيء ما عدا المراكز الأمنية والعسكرية والرسمية والحزبية. كل شيء في الحمراء كان سيجعل من التفجير عنواناً لمرحلة إرهابية جديدة في لبنان، الاستهداف بشكل رسمي ومعلن ومن دون لبس للبلاد دولة وشعبا وثقافة، للاستقرار الذي صنعته أشهر الحوار بين مختلف التيارات اللبنانية والتي أنتجت في نهاية المطاف رئيساً للجمهورية بأصوات وازنة، ورئيساً للحكومة بثقة يعتد بها، وتستعد لإجراء انتخابات نيابية هي الأولى منذ العام 2009.


ليس عمر العاصي ذئباً منفرداً، هو لا يعمل بشكل مستقل ليصب عمله في نهاية المطاف لمصلحة التنظيم الذي يبايعه. هو جزء من منظومة موجودة على الأرض في لبنان ومتصلة بالرقة، لا تزال قادرة على التحرك والتخطيط والرصد، لكنها عاجزة عن التنفيذ كون تحركها وتخطيطها ورصدها، على ما يبدو، تحت المراقبة ومن أجهزة أمنية مختلفة داخل البلاد.


هذه المجموعة وغيرها من المجموعات المتدثرة تحت لبوسات متعددة، تستطيع جلب المتفجرات، واستخدام بيوت في مناطق مختلفة على امتداد الخريطة اللبنانية للاختباء أو المبيت، ولديها الجرأة الكافية للنزول إلى شارع مزدحم لتشخيص الهدف، وفي اليوم التالي التحرك لمسافة كيلومترات ببطاقة الانتحاري غير المزورة، رغم كونه بحسب المتواتر مشبوها، وتصل إلى نقطة التفجير. ماذا لو حصل طارئ وتأخر رجال الأمن عن التدخل لدقائق؟

المعضلة الحقيقية أن للانتحاريين في لبنان بيئة حاضنة من كل الطوائف. هي بيئة مصطنعة نسجت قماشتها على تبرير ما سبق من تفجيرات، على قاعدة أن ما يجري في سوريا هو السبب في كل استهداف هنا. هذه البيئة تتحمل مسؤولية جزئية لتبني شبان كالعاصي ومَنْ قبله هذا المسار، هي تكمل لهم القطعة الناقصة من عدة التبرير المتعدد الجوانب، فإلى جانب التبرير التكفيري، والتبرير القهري، يأتي التبرير المدني ليكمل شبكة الأمان للانتحاري الذي يخطو باتجاه ضحاياه بكل ثقة دون أن يسأل أكان بينهم من كان قبل أشهر فقط قد مهد له الطريق بكلمة أو حتى ابتسامة ساخرة ليصل إلى هنا.