بوتين لأردوغان: لا مكان "للنصرة" في حلب

موسكو وإيران تقضمان في السياسة مما لا يسع تركيا أن تحفظه في عزلتها الدولية والإقليمية، كما عبّر لقاء باكو بين حليف أردوغان والحليفين الروسي والإيراني. لكن أردوغان حامل الهوى في الشمال السوري وفي أزمته السياسية تعب، قد يتراءى له حصرم حلب عنب.

يعوّل أردوغان على إعادة العلاقات الاقتصادية والتجارية مع روسيا إلى سابق عهدها
الرئيس التركي الطامح إلى "علاقة تاريخية جديدة" مع موسكو كما يقول، يعوّل على إعادة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين إلى ما كانت عليه قبل إسقاط الطائرة الروسية. في هذا السبيل أسهب أردوغان في المؤتمر الصحافي المشترك، في تناول موضوعات القطاع الزراعي والصناعات العسكرية وغيرها. وقد أوحى بذلك أن استئناف العلاقات بين البلدين سينعكس إيجابياً على المنطقة، وأن التضامن بين البلدين، سيساعد في حل المشاكل. ولا سيما أنه مهّد بالاشارة إلى أن روسيا هي أحد أهم الأطراف في عملية السلام بسوريا.

لكن الرئيس الروسي أخذ في المؤتمر الصحافي منحى ردّ غير مباشر على مقولة توطيد العلاقات الاقتصادية مدخلاَ للتفاهمات السياسية، فقال بوتين "إن وجهتي نظرنا لم تتقاطع في الماضي في المسألة السورية". على الرغم من المبادلات الاقتصادية الوطيدة التي تقرر أن تتجاوز 100 مليار دولار في العام 2020.

تتلقف موسكو عودة أنقرة في لجوئها الاقتصادي إلى روسيا، خاصة في المشاريع الاستراتيجية كمشروع "السيل التركي" مقابل مشروع "السيل الجنوبي"، الذي تعطل مروره من بحر قزوين عبر بلغاريا، إثر أحداث أوكرانيا والقرم. لكن الرئيس الروسي الذي يمد يده لأردوغان في المصالح المشتركة، لا يفتح ذراعيه لإنقاذه من ورطة سياسية مع الدول الغربية والاقليمية من دون مقابل سياسي. فبينما يتلمّظ الرئيس التركي من العزلة السياسية التي تفرضها دول حلف "الناتو" كما أوضح في مقابلته مع صحيفة "لوموند" الفرنسية، يشير بوتين إلى ما سماه بأسلوب ديبلوماسي "البحث عن حل مشترَك للأزمة السورية". ففي سوريا بداية طريق التلاقي السياسي بين الطرفين أو التصادم. كما التصادم الذي أدّى إلى ما وصفه بوتين بـــ "طعنة في الظهر".

ربما لا تأمل موسكو بأكثر من خريطة طريق مع أنقرة في مساعي الحل السياسي في سوريا. لكن أول نقطة في هذه الطريق هي ما تطرقه روسيا على الدوام مع واشنطن لفصل "النصرة" عن الجماعات المسلحة الأخرى، بحسب السجال الدؤوب بين سيرغي لافروف وجون كيري. فالإلحاح الروسي على الفصل مؤشر تتخذه موسكو نقطة انطلاق لتنفيذ التفاهم الروسي - الاميركي في سوريا، وهو نفسه مؤشر على التقارب السياسي مع تركيا، إذا شاءت أنقرة انعطافة سياسية مع روسيا في المنطقة.

ففي ظل استعصاء الاتفاق على فصل "النصرة" مع تحالف واشنطن، يستعصي الذهاب إلى مباحثات جنيف بانتظار حسم المعركة في حلب، الذي لن يكون سريعاً بحسب المندوبة الاميركية في مجلس الأمن سامنثا باور. وفي هذا السياق يبدو أن تحالف واشنطن يحضّر لاستئناف معركة "كسر الحصار" تحت تهديد التراجع عن تفاهمات فيينا، وفق المندوب الفرنسي ألكسيس لامبيك. وفي هذا السياق ندّد نائب المندوب الروسي بما سماه العويل على الأزمة الانسانية في حلب، من أجل تبرير عدم فصل "النصرة" عن الجماعات الأخرى. وفي أغلب الظن أن الفصل الذي تطلبه موسكو من واشنطن في حلب وسوريا، تطلبه بالأولية من أنقرة مدخلاً لعلاقة تاريخية جديدة. فتركيا وضعت ثقلها إلى جانب "النصرة" في معركة حلب الكبرى لخرق الطوق، بحسب الفايننشال تايمز التي أفصحت عن مشاركة وحدة بريطانية. وهي تحشد مع النصرة والآخرين لمعركة "تحرير حلب". لكن في المقابل ترى موسكو أن تحسين المعادلات في حلب يقطع الطريق على استنزاف طويل قد يطيح بتفاهمات فيينا وميونيخ، كما تحاول الدول الغربية في مؤتمر لندن للمعارضة وبعض الفصائل العسكرية أواخر الشهر الجاري.

وزير الخارجية التركي سيكون حاضراً إلى جانب نظرائه الاميركي والبريطاني والفرنسي لـــــــ "تقديم رؤية" سياسية بناء على موازين القوى في حلب. لكن موسكو وإيران تقضمان في السياسة مما لا يسع تركيا أن تحفظه في عزلتها الدولية والإقليمية، كما عبّر لقاء باكو بين حليف أردوغان والحليفين الروسي والإيراني. لكن أردوغان حامل الهوى في الشمال السوري وفي أزمته السياسية تعب، قد يتراءى له حصرم حلب عنب.