أرمينيا تستدعي الأميركي وروسيا ترى التدخّل في جنوب القوقاز مصيدة لها

رغم عدم وضوح الموقف الغربي تجاه يريفان، ألمحت الدول الأوروبية إلى أنها لن تقف مكتوفة الأيدي في حال حصول نزاع مسلح بين أرمينيا وأذربيجان.

  • أرمينيا تستدعي الأميركي.
    أرمينيا تستدعي الأميركي.

لطالما أدت العلاقات الروسية الأرمينية دوراً رئيسياً في السياسة الخارجية والاستراتيجية لكلا الجانبين في جنوب منطقة القوقاز، حيث تتمركز قاعدة عسكرية روسية في أرمينيا؛ العضو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي.

تعد روسيا المستثمر الرئيسي في أرمينيا منذ بداية عام 2015، ويقوم حرس الحدود الروسي بحراسة حدودها مع تركيا وإيران، إلا أن علاقة الطرفين ساءت مع وصول رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان المقرب من الغرب إلى السلطة؛ فقد حاول منذ توليه رئاسة الحكومة الانسحاب تدريجياً من الارتباط مع موسكو، وقام بتطهير الجيش من العسكريين الموالين لها، وأبعد عدداً كبيراً من السياسيين الأرمن المقربين من موسكو، ودعم وشجع الإعلام المعادي لها، ودعم المنظمات المدنية الأرمينية الممولة من الغرب والمرتبطة بالمنظمات غير الحكومية الغربية من أجل استمالة شرائح واسعة من الأرمن المعادين للروس. 

تعدّ زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي لأرمينيا في 17 أيلول/سبتمبر 2022 لدعم "الأمن والديمقراطية" الأرمينية ضد "الهجمات غير القانونية والمميتة" في أذربيجان تحولاً أميركياً جذرياً، إذ أصبحت منخرطة في الأزمة، ولو على المستوى الدبلوماسي. 

تصاعدت التوترات مطلع تموز/يوليو 2023 بعد إغلاق أذربيجان حركة المرور عبر ممر لاتشين؛ الطريق الوحيد الرابط بين ناغورنو كاراباخ وأرمينيا، وإغلاقها الممر، متهمة الصليب الأحمر الأرميني بالقيام بتهريب أسلحة دعماً للانفصاليين الأرمن في كاراباخ، بالرغم من تعهد روسيا بنشر قوات لضمان حرية التنقل بين أرمينيا وناغورنو كاراباخ عبر ممر لاتشين، ما أدى إلى اتهام باشينيان الجيش الأذربيجاني بجعل ناغورنو كاراباخ منطقة معزولة بقطع الطريق بينها وبين أرمينيا، وتواصله مع قادة العديد من الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، للحصول على المساعدة في التوسط للتوصل إلى اتفاق مع أذربيجان. 

اجتمع الرئيس الأذربيجاني ورئيس الوزراء الأرميني في بروكسل برعاية رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال لحل النزاع المستمر بين البلدين، إلا أن الفشل كان مصير المفاوضات. كذلك، نُظم اجتماع ثلاثي في تموز/يوليو في موسكو ضم أذربيجان وأرمينيا على مستوى الوزراء من أجل تخفيف التوتر وتطبيع العلاقات بين البلدين. ومن ضمن المواضيع التي تناولها الاجتماع إعداد اتفاق سلام بين باكو ويريفان، وتأكيد الدعم الروسي لجهود السلام، وترسيم الحدود بين أذربيجان وأرمينيا، وإطلاق الحوار بين برلماني البلدين، وصولاً إلى تطبيع العلاقات بينهما.

الموقف الأرميني يثير قلق موسكو 

كانت مفاجأة موسكو كبيرة عندما صرح باشينيان مؤخراً لإحدى الصحف الإيطالية أن بلاده أخطأت عندما اعتمدت على روسيا فقط في بناء أمنها الاستراتيجي، وهي تدفع الثمن، واعتبر أن روسيا نفسها تحتاج إلى أسلحة، وهي غير قادرة على توفير احتياجات أرمينيا في ظل الحرب الروسية الأوكرانية، وأعلن نية يريفان إجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة، وتعيين الممثل الدائم السابق للبلاد لدى منظمة معاهدة الأمن الجماعي سفيراً لدى هولندا في سعي إلى التوجه نحو الغرب. 

وكانت زوجة باشينيان قد زارت أوكرانيا حاملة المساعدات إليها، في موقف ينم عن العداء لموسكو، فيما كانت الحكومة الأرمينية قد قدمت إلى البرلمان التوقيع على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية للتصديق عليه، ما يعني أن قراراتها ستكون ملزمة للجانب الأرميني، بما في ذلك مذكرة الاعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي أصدرتها المحكمة في آذار/مارس الماضي.

أثار الموضوع برمته تحفظات موسكو، إلا أن أرمينيا أكدت أنها قدمت الطلب قبل قرار اعتقال الرئيس الروسي، ولكن الهدف من الانتقال إلى نظام روما كان فقط تقديم ممثلي القيادة الأذربيجانية إلى العدالة بسبب ما تعتبره انتهاكات من جانب باكو، مع العلم أن اتفاقية روما واقعياً لن تساعد أرمينيا في مواجهتها مع أذربيجان، فالمحكمة لا سلطة لديها، ولن تتخذ أي قرارات ضد أذربيجان التي يعتبر إقليم كاراباخ من حقها الكامل، ولا تملك أرمينيا فرصاً.

أتى استدعاء الحكومة الروسية لسفير أرمينيا لدى الكرملين "للاحتجاج بشدة" على تصريحات رئيس الوزراء وتصرفات حكومته، وهي ترى أن أرمينيا خسرت ملف إقليم كاراباخ، فلا الغربيون ولا حتى روسيا قادرون على التأثير في هذه العملية، إلا أن حقيقة الأمر هي محاولة باشينيان التخلص من "الهيمنة الروسية" وضمانتها في الحرب التي قامت عام 2020، وتوجهه نحو الغرب الأوروبي والأميركي، وهو الذي حاول منذ مدة التعويل على فرنسا باعتبارها الند الحقيقي لتركيا ولروسيا، ولكن يبدو أنه لم يلقَ آذاناً صاغية من الغرب لانشغاله بالحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا .

الدخول الأميركي المباشر على خط الصراع بين أذربيجان وأرمينيا 

أثار وصول 85 جندياً أميركياً للقيام بمهمة تدريب في أرمينيا في مناورات "شريك النسر" رد فعل سلبياً من جانب الحكومة الروسية، وستقوم القوات الأميركية بتدريب 175 عضواً من اللواء الأرميني الثاني عشر لحفظ السلام، والهدف هو إعداد الجنود الأرمن لإجراء تقييم في وقت لاحق من هذا العام لقدرتهم على الامتثال لمعايير الناتو إذا تم نشرهم كقوات حفظ سلام.

رأت موسكو أن أرمينيا تريد قطع العلاقات معها، وأنها تختبر صبرها. وقد استغرب وزير الخارجية الروسي لافروف استضافة أرمينيا المناورات العسكرية المشتركة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية، في حين رفضت خلال العامين الماضيين المشاركة في تدريبات مع منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وتساءل إن كان ما تفعله سيكون مفيداً لأحد، بما في ذلك أرمينيا نفسها، معلقاً بالقول: "أينما يصل الأميركيون، فهذا يعني دائماً المتاعب".

أما إيران، وعلى لسان وزير خارجيتها حسين أمير عبد اللهيان، فقد اعتبرت أن هناك ضرورة لإيجاد حل جذري في جنوب القوقاز من أجل السلام الدائم، مؤكدة أن آليّة "ثلاثة زائد ثلاثة" (أي مشاركة أذربيجان وأرمينيا وجورجيا وإيران وروسيا) هي الحل الأسلم، وليس إدخال قوات أجنبية، ما سيزيد الأمور تعقيداً في المنطقة، مشددة على أنها لن تقبل بأي تغيير حدودي في المنطقة.

وكان أمير عبد اللهيان قد تطرق إلى موضوع ممر زنغزور عند زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى إيران التي بدأت بتعزيز وجودها العسكري على الحدود الشمالية الغربية المحاذية لأذربيجان وأرمينيا، مؤكداً عدم استعداد إيران لقبول أي تغيير جيوسياسي مع الدولتين المتنازعتين.

وأكد وزير المواصلات والبنى التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو أن بلاده ستبدأ العمل على ممر زنغزور الواقع بين تركيا وأذربيجان، مروراً بأرمينيا، "في وقت قريب"، وأن أذربيجان وأرمينيا أحرزتا تقدماً. وفي هذا الصدد، تحاول تركيا من جهتها قدر الإمكان تقليل المخاوف الإيرانية.

ورغم عدم وضوح الموقف الغربي تجاه يريفان، ألمحت الدول الأوروبية إلى أنها لن تقف مكتوفة الأيدي في حال حصول نزاع مسلح بين الأرمن وأذربيجان في منطقة كاراباخ، واستنكرت الانتخابات التي أجرتها الحكومة الانفصالية في كاراباخ، وهو ما فعلته تركيا أيضاً.

يدّعي المتطرفون الأرمن أنَّ أذربيجان سوف تمارس تطهيراً عرقياً على السكان الأرمن في كاراباخ، فيما مشروعها يقوم، كما تدعي، على دمج الأذربيجانيين الذين هجروا من أرمينيا مع الأرمن في كاراباخ، ولكن أرمينيا تصرّ على أنهم سوف يقومون بالتطهير العرقي، وأنه لا بد من إشراك جهات فاعلة خارجية من أجل الضمانات.

ويرون أن إعادة صياغة حقوق الأرمن في ناغورنو كاراباخ ممكنة، باعتبارها حقوق أقلية قومية تطالب بالحماية بموجب صكوك مثل إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو عرقية وإلى أقليات دينية ولغوية مع وجود احتياجات أمنية محددة، لكن هل يمكن لأذربيجان القبول بوضع وصاية أممية على أرضها وهي دولة مستقلة؟

تدرك روسيا تماماً أن هذه الاقتراحات غير فاعلة، وأن تجدد النزاع في القوقاز وجنوبها مصيدة لها من الغرب، وأن الخلافات المستجدة بين موسكو ويريفان هي باب واسع لأوروبا لاحتضان أرمينيا مجدداً.