أي دور مقبل لقطر في أفغانستان؟

استضافت قطر العديد من جولات المحادثات بين ممثلي الولايات المتحدة وطالبان قبل انسحاب الأميركيين من أفغانستان في 2021، وعملت على تولي مهام الوكيل الدبلوماسي لواشنطن في كابول بعد الانسحاب، فأي دور مقبل لقطر في أفغانستان؟

  • أي دور مقبل لقطر في أفغانستان؟
    ستتولى قطر بعض المهام الدبلوماسية الأميركية في أفغانستان بما في ذلك الخدمات القنصلية

تعود قطر إلى لعب دور الوسيط الذي لعبته في مناسبات عديدة؛ حازت الدوحة نوعاً من الاعتراف الدولي والمكانة التي طالما سعت إليها، فيما تراقب الإمارات العربية المتحدة بقلق كيف تتحول قطر إلى الدولة الموثوقة بالنسبة إلى واشنطن.

دور الوسيط يستدعي المنافسة بين قطر والامارات 

لجأت الولايات المتحدة إلى قطر بعد انسحابها العام الفائت من أفغانستان، فوافقت قطر على السماح لبضعة آلاف من الأشخاص الذين تم إجلاؤهم بالهبوط في مطارها وإيوائهم على أساس مؤقت، وتم الاحتفاظ بمعظمهم في القطاع الأميركي من قاعدة العديد. ومن الأمور التي لم يتم التطرق إليها، المساعدة التي قدّمتها السفارة القطرية في كابول لمن يريد الفرار، وأسهم السفير القطري في هذه المساعدة.

الوساطة تعيد لقطر مكانة طالما حلمت بها، وهو دور رسمته لنفسها، حيث سعت إلى أن تصبح قوة قادرة على التوسط بين مجموعة من الدول والقوى، فيما تسعى الإمارات إلى أهداف أوسع في السياسة الخارجية، وتطمح إلى علاقة إيجابية مع إدارة بايدن.

دعمت الإمارات العربية المتحدة والعربية السعودية نفوذ طالبان قبل الـ11 أيلول/سبتمبر 2001، وكانت الإمارات بمنزلة الدولة العربية الوحيدة التي اعترفت بحكومة طالبان في كابول. لكنّ أولوياتها في ما بعد تغيّرت، حيث أصبحت دولة الإمارات في مواجهة جميع حركات الإسلام السياسي، ودعمت مع السعودية في السنوات الأخيرة الحكومة الأفغانية السابقة، واستضافت الرئيس الأفغاني. 

يبقى القلق الأكبر للإمارات هو احتمال أن يعيد صعود طالبان الحياة مجدداً إلى قوى الإسلام السياسي في المنطقة العربية، على الرغم من محاولتها إقامة العلاقات مع طالبان.

تتجنّب قطر المواقف التي تثير اللغط مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بعد العداء الذي استحكم بينها في السنوات الماضية، حيث دعمت الإخوان المسلمين في مصر، وساندت حكومة الرئيس المصري السابق محمد مرسي سياسياً ومالياً، بينما دعمت كل من الإمارات والسعودية إطاحة مرسي من قبل الجيش المصري في عام2013  وما زال الدعم المالي والسياسي للرئيس عبد الفتاح السيسي مستمراً.

أما في ليبيا، فلقد انضمت قطر إلى الولايات المتحدة والعديد من دول مجلس التعاون الخليجي وشركاء أوروبيين للمساعدة في إطاحة الزعيم الليبي معمر القذافي، ودعمت الدوحة بالشراكة مع تركيا حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس، التي يدعمها الإخوان المسلمون والفصائل المرتبطة بهم، بينما دعمت الإمارات ومصر والسعودية القائد العسكري السابق خليفة حفتر، الذي كان يسيطر على أجزاء كبيرة من شرق ليبيا وشمالها.

كما كانت قطر قد انضمت عام 2015 إلى التحالف العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن لمحاربة حركة "أنصار الله"، وفي منتصف عام 2017 انسحبت من حرب اليمن.

أما في سوريا، فلقد قدمت الأموال والأسلحة للمسلحين وجبهة النصرة، بمن فيهم الإخوان المسلمون، قبل أن تضعهما واشنطن في لائحة الإرهاب. 

أفغانستان تعيد تعويم الدور القطري

استضافت قطر العديد من جولات المحادثات بين ممثلي الولايات المتحدة وطالبان قبل انسحابهم في العام 2021. بلغت المحادثات ذروتها في اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وطالبان في 2020 في "اتفاقية الدوحة"، كما استضافت عدة جولات من المحادثات بين الحكومة الأفغانية وطالبان بشأن حل سياسي لأفغانستان.

ومؤخراً صرّح وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بأن دولة قطر الصغيرة في الشرق الأوسط ستعمل كوكيل دبلوماسي للولايات المتحدة في أفغانستان، لتمثيل المصالح الأميركية والمساعدة في معالجة التأشيرات لآلاف الأشخاص.

وستتولى قطر بعض المهام الدبلوماسية الأميركية في أفغانستان، بما في ذلك ما وصفه بلينكن بالخدمات القنصلية ومراقبة ظروف المنشآت الأميركية المهجورة وأمنها. تم الإعلان عن الترتيب الأسبوع الماضي كجزء من القمة الاستراتيجية السنوية بين الولايات المتحدة وقطر، حيث تمّ تعزير العلاقة بين الطرفين.

اهتمام قطر الخاص بإعادة تشغيل مطار كابول، بعد الفوضى التي أعقبت سيطرة "طالبان" على العاصمة، أثار تساؤلات حول الأهداف، وتأثير الاهتمام على موقع الدوحة من الترتيبات السياسية والأمنية التي يجري العمل على إعادة صوغها في أفغانستان خلال المرحلة المقبلة.

أبرز الدوافع القطرية محاولة طرح نفسها كشريك في عملية إدارة أفغانستان عبر الدعم التقني والفني، وعقد اتفاقات شراكة وتعاون بين الجانبين، الأفغاني والقطري، وما يسفر عنها من فرص سياسية واقتصادية للدوحة.

عملت قطر وتركيا على إصلاح الأعطال الفنية والتقنية، وكانت قد جرت في هذا الصدد مشاورات بين واشنطن وأنقرة حول العرض التركي المقدم من أجل هذه المهمة، لكن طالبان رفضت أي وجود عسكري، وقبلت بالدور التقني ودعمت جهود الدوحة في إعادة تشغيله.

أكدت قطر دورها في الملف الأفغاني، محاولةً ترسيخ الصورة السياسية المتعلقة بالنفوذ والقدرات الدبلوماسية، وهي عملت على توظيف الجانب الإنساني في الأزمة الأفغانية، ضمن أدواتها السياسية سعت إلى أن تُمثل صلة سياسية بين الدول الغربية، وهو ما يمكن عبره تفسيرُ نقلِ بعض الدولِ لِسفاراتِها مِنْ أفغانستان إلى قطر، لتقوم بعملها من هناك، في خطوة ذات إشارة على مدى التشابك بين البلدين ومدى الاتصال السياسي بين الدوحة وكابول.

استطاعت قطر رسم دور لها في هذا الملف، وخاصة أنها ولجت من الباب التقني والفني، بخلاف الجانب الأمني والعسكري الذي ركّز عليه المقترح التركي وأثار حساسية حركة "طالبان". تؤكد قطر حضورها في الملف الأفغاني، بعد أن توصلت إلى اتفاق مبدئي مع حركة طالبان لتشغيل مطار كابول بالشراكة مع تركيا، إضافة الى 4 مطارات أخرى.

الدور المهم الذي تسعى لممارسته في مرحلة حكم "طالبان"، سواء على صعيد عمل الحركة وحكومتها داخل أفغانستان، أم بين الحركة والقوى الدولية على المستوى الخارجي، نال تقدير الأميركي وهو عبّر عن ثقته بجهودها ومكانتها ودورها، ما أزعج الإمارات التي تحاول بدورها الولوج إلى الساحة الأفغانية.