الدلالات والأهداف لزيارة وزير الخارجية الياباني للصين

تخشى اليابان تصاعد النفوذ الصيني في منطقة بحر اليابان، وزيادةَ قدرات بكين العسكرية، وإمكانَ تغييرها الوضع القائم في بحر الصين. في المقابل، تخشى بكين التقارب الياباني الأميركي.

  • الدلالات والأهداف لزيارة وزير الخارجية الياباني للصين
    الدلالات والأهداف لزيارة وزير الخارجية الياباني للصين

زار وزير الخارجية الياباني، يوشيماسا هاياشي، الصين يومي 1 و2 نيسان/أبريل الجاري، بناءً على دعوة من نظيره الصيني تشين غانغ، وهي الزيارة الأولى لوزير خارجية ياباني منذ 3 أعوام. وتم الاتفاق على الزيارة بين الرئيس الصيني، شي جين بينغ، ورئيس وزراء اليابان، فوميو كيشيدا، عندما اجتمعا في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في بانكوك.

وكان من المقرر أن تتم الزيارة في شهر كانون الأول/ديسمبر، لكن تم تأجيلها مرتين على الأقل بسبب ما وصفه الجانب الصيني بـ"التضارب في المواعيد".

وقبيل الزيارة، قال هاياشي إن طوكيو تريد علاقات بناءة ومستقرة ببكين، لكنه حذّر في المقابل من أن العلاقات اليابانية الصينية تواجه عدداً من التحديات والمخاوف على رغم وجود إمكانات متعددة للتعاون.

وفي أثناء زيارته بكين، التقى وزير الخارجية الياباني نظيره الصيني تشين غانغ، كما اجتمع بكل من رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ وكبير الدبلوماسيين الصينيين وانغ يي.

أُقيمت العلاقات الدبلوماسية بين الصين واليابان في 29 كانون الأول/ديسمبر من عام 1972، عندما وقع رئيس وزراء اليابان آنذاك كاكوي تاناكا ورئيس وزراء الصين آنذاك شو إن لاي بياناً مشتركاً، اتفقت فيه حكومتا البلدين على إقامة علاقات سلام وصداقة دائمين.

وفي عام 1978 أبرمت معاهدة السلام والصداقة بين البلدين، وتُظهر العلاقات الصينية اليابانية منذ إقامتها أنها تميزت بالتطور الإيجابي المشحون بالتوتر. لقد تعرضت لهزات عنيفة عدة مرات نتيجة أسباب تاريخية تعود إلى الحروب اليابانية الصينية، وإلى النزاعات على مجموعة جزر في بحر الصين الشرقي، ناهيك بتدخل الولايات المتحدة من أجل تأجيج العلاقات بين الصين واليابان وتوتيرها.

وكان رئيس وزراء اليابان السابق شينزو آبي زار الصين عدة مرات خلال فترة رئاسته، وأعلن في عام 2018 عندما زار بكين أن العلاقات الصينية اليابانية عادت إلى مسارها الطبيعي، بعد أن شهدت توترات، ولاسيما في عام 2012، عندما قامت اليابان بتأميم الجزر المتنازع عليها مع الصين، وفي عام 2010، عندما استولت اليابان على سفينة صيد صينية واحتجزت طاقمها في الجزر المتنازع عليها.

وشهدت العلاقات الصينية اليابانية، خلال الأعوام الأخيرة، تدهوراً كبيراً، ولا سيما بعد أن أطلقت اليابان العام الماضي استراتيجية الدفاع الجديدة، والتي حددت الصين على أنها تحدٍّ استراتيجي غير مسبوق. ويحاول الجانبان الصيني والياباني العمل على تخفيف التوتر في علاقاتهما، بسبب ما في ذلك من تأثير في المنطقة عبر المحافظة على اتصالات وثيقة في جميع المستويات، مع إقرار الجانبين أن هناك تحديات تواجه علاقاتهما.

حضرت على طاولة اللقاء بين وزير خارجية اليابان ونظيره الصيني ملفات تخص العلاقات الثنائية، وأخرى اقليمية ودولية. فعلى صعيد العلاقات بين ثاني وثالث أكبر اقتصادين في العالم، فإنه على الرغم من العلاقات غير المستقرة بين البلدين، فإن الصين هي أكبر شريك تجاري لليابان، والأخيرة هي ثالث أكبر شريك تجاري للصين بعد الولايات المتحدة الأميركية وكوريا الجنوبية، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2022 نحو 357 مليار دولا أميركي.

وعلى مدى الأعوام القليلة الماضية، اخترقت الشركات الصينية الكبرى، مثل علي بابا وTCL، ثاني أكبر شركة لتصنيع أجهزة تلفزيون LCD  في العالم، السوق اليابانية.

في المقابل، تستثمر مجموعة من الشركات اليابانية في الصين. وبالتالي، فإن من مصلحة البلدين المحافظة على علاقات مستقرة.

ونال اعتقال الصين مواطناً يابانياً حيزاً كبيراً من المباحثات، فلقد احتج وزير الخارجية الياباني على اعتقال السلطات الصينية مسؤولاً لشركة يابانية، وطالب بإطلاق سراحه. وكانت الصين اعتقلت، أواخر الشهر الماضي، الرئيس التنفيذي لشركة يابانية، بسبب انتهاكه القانون الصيني. ويُعتقد أن سبب اعتقاله هو الاشتباه في قيامه بالتجسس. 

وتعرَّض الجانبان للنزاع الإقليمي بينهما على مجموعة جزر في بحر الصين الشرقي، تسميها اليابان سينكاكو، بينما تطلق عليها الصين دياويو، إذ ترفض بكين سيادة طوكيو على الجزر، بينما تعتقد اليابان أن مطالبات الصين بالجزر جاءت بعد اكتشاف معادن ثمينة فيها في السبعينيات.

قبيل زيارة وزير الخارجية الياباني للصين، فرضت اليابان قيوداً على تصدير 23 نوعاً من معدات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة لتستجيب بذلك لضغوطات الولايات المتحدة الأميركية، إذ نجحت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في التوصل إلى اتفاق مع هولندا واليابان، في 27 كانون الثاني/يناير الماضي، يهدف إلى تقييد تصدير بعض آلات إنتاج الرقائق الإلكترونية المتقدمة إلى الصين.

وبموجب الاتفاقية، ستفرض اليابان قيوداً على شركتي نيكون كورب Nikon Corp وطوكيو إلكترون المحدودة لمنع بيع المعدات التي تصنع الرقائق الإلكترونية للصين.

من جهتها، حاولت الصين ثني اليابان عن فرض هذه القيود، إذ قال وزير الخارجية الصيني لنظيره الياباني إن الولايات المتحدة الأميركية استخدمت تكتيكات ترهيب لكبح صناعة أشباه الموصلات اليابانية بصورة حادة، وهي الآن تكرر حِيَلها القديمة مع الصين. وأضاف المسؤول الصيني أن الحظر لن يؤدي سوى إلى زيادة عزم الصين على أن تصبح مكتفية ذاتياً.

ومن المواضيع التي تباحث فيها الجانبان الصيني والياباني خطة اليابان لتصريف المياه المشعة من محطة فوكوشيما دايتشي للطاقة النووية إلى المحيط الهادئ، إذ حثت الصين اليابان على التعامل بجدية وبمسؤولية مع الموضوع، بحيث إنها قضية تتعلق بالصحة العامة وسلامة البشرية.

وبشأن تايوان، قال هاياشي إنه "شدد على أهمية السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان، وسط الضغط العسكري الصيني المتزايد في المنطقة". في المقابل، حذّر وزير خارجية الصين اليابان من التدخل في شؤون تايوان، أو تقويض سيادة الصين، بأي شكل من الأشكال. وكان عدد من المشرعين التايوانيين زاروا تايبيه العام الماضي، الأمر الذي أثار غضب بكين، التي حثت طوكيو على التوقف عن اتّباع المسار الخاطئ.

وفيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، دعا وزير الخارجية الياباني الصين إلى أداء "دور مسؤول" في ضمان سلام المجتمع الدولي وأمنه، في إشارة إلى الأزمة الأوكرانية. ويُذكر في هذا السياق أن اليابان تقف إلى جانب الصف الغربي، وتؤيد كييف التي زارها رئيس وزراء اليابان فوميو كيشيدا، بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني لروسيا.

وتسبّب الدعم الياباني لكييف بأن قامت روسيا، أواخر الشهر الماضي، بإطلاق صواريخ فرط صوتية على هدف وهمي في بحر اليابان، كما تم التطرق إلى مسألة إطلاق كوريا الشمالية الصواريخ الباليستية في بحر اليابان.

وفيما يتعلق بالاتفاق الثلاثي بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية، اتفق الطرفان على استئناف المفاوضات لإنشاء منطقة تجارة حرة بين الأطراف الثلاثة، والتي بدأت في عام 2012، لكنها كانت تعلق بسبب العلاقات غير المستقرة بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية.

تخشى اليابان تصاعد النفوذ الصيني في المنطقة، وزيادة قدرات بكين العسكرية، وإمكانَ تغييرها الوضع القائم في بحر الصين بالقوة العسكرية. في المقابل، تخشى بكين التقارب الياباني الأميركي. فاليابان حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأميركية، وتوجد في أراضيها قواعد عسكرية أميركية، وتسعى طوكيو لشراء صواريخ توما هوك الأميركية من أجل تعزيز قدرتها الهجومية. كما أن واشنطن تخطط من أجل زيادة قواتها العسكرية في جزيرة أوكيناوا اليابانية بحلول عام 2025. واليابان عضو في تحالف الكواد، الذي يسعى لتطويق الصين، ومن ناحية أخرى لدى بكين قلق من زيادة الميزانية العسكرية اليابانية.

تلجأ الصين إلى اتباع سياسة حل الخلافات مع جيرانها على أساس الحوار والتفاوض بدلاً من المواجهة، فتسعى لتقليل مخاوف هذه الدول من تصاعد الصين، إذ ترى بكين أن الحوار هو أفضل السبل إلى تجنُّب المواجهة العسكرية مع الدول المجاورة، ومن ناحية أخرى تقطع الطريق أمام سعي الولايات المتحدة لإشعال فتيل الصراع في المنطقة، وخصوصاً أن الأطراف المعنية غير مستعدة للمواجهة العسكرية.

لا يعوّل كثيراً على زيارة وزير خارجية اليابان لبكين، نظراً إلى كثرة المواضيع المتشابكة بين البلدين، وبسبب تنامي العلاقات بين واشنطن وطوكيو، وغياب الثقة بين الصين واليابان، وقيام طوكيو مؤخّراً، كما ذكرت صحيفة Japan Times ، بالتحقيق مع صيني يعمل في اليابان، ويتبع الحزب الشيوعي الصيني، بشأن الكشف غير المصرح به عن بيانات تتعلق بالزراعة عالية التقنية. وتأتي هذه الخطوة رداً على اعتقال الصين مواطناً يابانياً يعمل في أراضيها بحجة التجسس.

كما لم يظهر، من خلال تصريحات المسؤول الياباني، أي أمل في الإلغاء أو التخفيف للقيود التي فرضتها طوكيو على تصدير معدات الرقائق الإلكترونية المتطورة إلى الصين، لكنها، في المقابل، خطوة مهمة لتخفيف حدة التوتر المتصاعد، وإيجاد أرضية مشتركة لحل بعض الخلافات بين بكين وطوكيو.