الفرقاء المسيحيون في لبنان ومغامرة الخروج من السلطة

الحماية الوحيدة لكل مسيحي ولبناني هي الحوار اللبناني اللبناني، وإجادة قراءة التحولات الإقليمية والعالمية، والخروج من دائرة الأمنيات والأوهام.

  • مسيحيو لبنان.. وصدمات التحالف مع الغرب
    الفرقاء المسيحيون في لبنان ومغامرة الخروج من السلطة

مرة جديدة، يخوض المسيحيون مغامرة الخروج من السلطة. ومرة جديدة، تطغى الحسابات الشخصية والرهانات الخاطئة على الرؤية السياسية والمتغيرات الإقليمية والدولية. 

أعوام من المنفى، وسنوات من السجن، وتجربة رئاسية غير موفقة وأخرى خارج السلطة، لم يستطع بعدها القيمان على "أكبر كتلتين مسيحيتين متناحرتين" التعلم من التجارب. وحدها خطابات وشعارات التعبئة والكراهية توحّد مسارهما كل لحساباته. "لا لسليمان فرنجية رئيساً للجمهورية، ولا لوجود النازحين السوريين". 

شائك ملف الرئاسة، والجو سوداوي، كما قال رئيس مجلس النواب نبيه بري، لأن "المشكلة بين الموارنة"، لكنه سهل في حال جاءت التسوية أو الموافقة السعودية، بعد التناغم المتقدم بينها وبين إيران في الملفات شتى... وهنا، على الموارنة الاختيار، إما أن يكونوا خارج التركيبة الجديدة، وإما أن يكونوا شركاء فيها، بعدما ضاعت فرصة أن يكونوا من صانعي الاستحقاق. 

حتى وقت قريب، لم يجد تكتلا "الجمهورية القوية (القوات اللبنانية) ولا لبنان القوي (التيار الوطني الحر)"، وإلى جانبهما نبتت حملات كالطفيليات، منها "الحملة الوطنية لتحرير لبنان من الاحتلال السوري الديموغرافي"، ساحة جذب شعبي غير موضوع النازحين السوريين، إذ وجدت تلك الأطراف في هذا الملف أدوات سهلة تعيدنا إلى مراحل الحروب التي تشهد الكثير من الشحن العنصري والتجييش الطائفي والممارسات العشوائية وكل ما يبرر استخدام العنف مع أي نازح.

المشكلة أن هؤلاء لم يتعلموا من التجارب المتتالية أن الغرب والولايات المتحدة الأميركية لا يمكن أن يشكلوا حماية لهم، والتاريخ شاهد على ذلك، لأن مصالح الدول أهم من مصالح الطوائف، ولم يستطع أحد تلقف المتغيرات السياسية واستغلال التحالفات، سواء مع إيران أو السعودية، لبناء أرضية صلبة تكون منطلقاً لأي مسار مستجد.

اليوم، الحماية الوحيدة لكل مسيحي ولبناني هي الحوار اللبناني اللبناني، وإجادة قراءة التحولات الإقليمية والعالمية، والخروج من دائرة الأمنيات والأوهام...

المطلوب واقعية سياسية وبراغماتية. المطلوب قراءة شفافة: بقيت سوريا كما هي، بل عادت أقوى في الداخل ومع المحيط العربي. دول الخليج عادت باتفاقيات مع إيران على نحو إستراتيجي سياسي واقتصادي شامل، وكذلك الحلف الدولي بدأ يتغير بشكل متفرع وواسع. روسيا والصين وإيران والسعودية والإمارات العربية وسوريا، وقريباً تركيا، في خط تحالف تصاعدي، فأين المسيحيون من تلك التحولات؟  

كان مفزعاً جداً ما قاله السفير الألماني في بيروت أندرياس كيندل -لكنه يعكس حقيقة التفكير الغربي- لدى سؤاله في إحدى المناسبات الاجتماعية عن أسباب تصلّب الموقف الأوروبي تجاه قضية النازحين، علماً أنّ أكبر ضرر من ملف النزوح يقع على المسيحيين.

قال السفير كيندل مجيباً عن السؤال: "أنتم المسيحيون لا تشكّلون اليوم أكثر من مليون نسمة. عليكم أن تعتادوا ذلك، وأن تتأقلموا معه". هذا هو موقف الخارج ومصلحته منذ استقلال لبنان، فلم يحمِ المسيحيين إلا جوارهم الداخلي والإقليمي.

بالتأكيد، لا يمكن الاستخفاف بموضوع النازحين السوريين في لبنان، فهو حالة مقلقة يجب على العقلاء اللبنانيين إيجاد حل سريع لها بلغة السياسة والحوار، علماً أن كل من دافع عن بقائهم هو من ينقلب على نفسه اليوم بطريقة بشعة.

وليس غريباً ما يحصل، إذ تقول مصادر سياسية عربية إن لغة التحريض انطلقت من جهتين؛ الأولى جهة أمنية، والأخرى سياسية، والهدف هو التصويب على سليمان فرنجية، لإثارة الفوضى وقطع أي طريق لانتخاب رئيس للجمهورية، إلا أن الواقع جاء بعكس المراد. وحده فرنجية من يمتلك مفتاح عودة النازحين إلى سوريا "لثقة الرئيس بشار الأسد بشخصه، وكذلك حزب الله"، وهو ما قاله الرجل علناً.

ملفّ النازحين السوريين أمامه طريقان للحل؛ أولهما العلاقات السورية اللبنانية والحوار الرسمي، بعيداً من تشكيل اللجان التي لا قيمة لها من حيث المقررات العملية. أما الطريق الأخرى، فهي التنسيق مع المجتمع الغربي الداعم لبقائهم في لبنان عبر التقديمات المالية والمعيشية والطبية والتربوية... وكلا الطريقين يتطلبان رئيساً للجمهورية مقتنعاً بضرورة تأمين عودتهم إلى بلادهم.

من هنا، يفشل المحرضون في مسارهم، وهم نسوا أن الماروني الوحيد الذي لا يزال متمسكاً باتفاق الطائف هو سليمان فرنجية بعدما كان من مؤيديه الموارنة الأوائل، وهو موقف له حساباته عند المملكة العربية السعودية، التي تنتظر بعض الضمانات من حزب الله تحديداً لتعطي الضوء الأخضر بانتخاب رئيس للجمهورية. 

على القادة المسيحيين، ورحمة بشارعهم، سلوك الطريق التي تنقذ وطنهم النهائي بشكل سريع، فلا الخليج ولا سوريا ولا الغرب بصدد التعويل على هذا البلد، الذي تحوَّل بفعل ما ارتكبه كل مسؤوليه وكل زعماء الطوائف إلى ذكرى جميلة في ذاكرة العرب واللبنانيين والأوروبيين.

 كفى مكابرة! وكفى متاجرة بالطوائف! وكفى أنانية وشعارات واهمة!