دور خلية الأزمة الأميركية في تفعيل التناقضات الإسلامية

تتشابك المعطيات الإقليمية والعالمية اليوم، بخلاف الخطط الأميركية، بما يجعل مهمة خلية الأزمة أكثر صعوبة من السابق.

  •  أشعل الأميركي فتيل الحرب في شرق سوريا بين العرب والكرد لتعميق الشعور القومي.
    أشعل الأميركي فتيل الحرب في شرق سوريا بين العرب والكرد لتعميق الشعور القومي.

يواصل العقل الأميركي مفتعل الأزمات مشروعه التفسيخي لضمان تجزئة المجزأ في الأمة الإسلامية والشعوب المقهورة على امتداد العالم. وفي سعيه المحموم هذا، يلجأ إلى تجديد آليات عمله عبر تجييش أدواته الإقليمية التي يتطلب تفعيلها تكوين خلية أزمة أو مجلس طوارئ لمكافحة كل محاولات النهوض المعادية للهيمنة الأميركية في العالم.

وليس ثمة تناقض يلعب عليه الأميركي في مشروعه التفسيخي أكثر من تسعير الصراع المذهبي وتفعيل الانتماء القومي والتباكي على حقوق المرأة الشرقية، وهي عناوين كافية لتجنيد الأدوات المستلبة حضارياً، وخصوصاً عندما ينكشف عري بعضها بإشهار ثلاثتها معاً، فلا يتنبه الطائفي للمحذور القومي، وبالعكس، وينادي بحقوق المرأة وفق التوليفة الغربية، وهو في كل ذلك صدى موجةٍ يراد منها إدامة جوهر التناقض في الواقع الإسلامي.

على سبيل المثال، أشعل الأميركي منذ أسابيع فتيل الحرب في شرق سوريا بين العرب والكرد لتعميق الشعور القومي، وهو في ذلك يسعى لتوطيد مشروعية احتلاله عبر توفير غطاء يتجاوز الكردي لما هو العربي عبر اللعب بين الطرفين، بما يؤزم التناقض بينهما، فيما يضمن اعتباره كواسطة حل وقارب إنقاذ إجباري في ظل تباين المصالح بين الدولة السورية والمحتل التركي، وهما اللاعبان المفترضان في تفكيك هذا التناقض.

وفي إيران، انقضى عام على الاحتجاجات التي أعقبت وفاة الشابة الكردية مهسا أميني، وهي الاحتجاجات التي غذتها قوى غربية وإقليمية لعبت على وتر حقوق المرأة في ظل النظام الإسلامي، حتى تدخل فيها الرئيس الأميركي جو بايدن بشكل شخصي وعلني، وأعلن تأييده "للإيرانيات الشجاعات لأنهنّ يتظاهرن دفاعاً عن أبسط حقوقهن"، وهو يريد بذلك نزع الحجاب الإسلامي، في اختزال ساذج لجوهر رسالة المرأة في الحياة.

هل ما زالت هذه الشجاعة التي أشاد بها بايدن سارية المفعول بعد عام على صدورها، وقد ظهرت اليوم على لسان شيرين عبادي ونزانين بونيادي، وهما مع غيرهما من ناشطي حزب كوملة وتيار المعارضة المدعوم أميركياً، يعلنون انسحابهم من هذا التيار الذي يتبع أساليب غير ديمقراطية؟

لا ييأس الأميركي من إدامة اللعب على وتر حقوق المرأة، وهو ما دفع السيد علي خامنئي، المرشد العام للثورة الإسلامية، إلى التحذير من خلية الأزمة هذه التي تواصل عملها على تشظي الأمة إلى تناقضات مذهبية وعرقية وجنسية، فالشيطان الأميركي لا ينفك يوجّه الطعنات حتى وهو يتوصل إلى حلول مؤقتة لبعض الملفات، مثل ملف السجناء بين أميركا وإيران.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا عن الدور الإسرائيلي، وربما السعودي، في خلية الأزمة التي حذر منها السيد خامنئي. شرعية السؤال تتجلى بعد الكلام اللافت الذي أصدره رئيس الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع تجاه إيران ودورها في دعم قوى المقاومة في المنطقة، وهو ما تكرر على لسان وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالنت، باعتبار العامل الإسرائيلي جوهرياً في الحرب الهجينة ضد إيران.

ويأتي استهلال التطبيع السعودي مع الكيان الإسرائيلي باستقبال وفد إسرائيلي في الرياض للمشاركة في اجتماعات اليونيسكو في ظل مباحثات حثيثة تشارك فيها أميركا والسلطة الفلسطينية للوصول إلى تطبيع سعودي إسرائيلي كامل، بما يعزز المسعى الإسرائيلي الأميركي ضد إيران، وهو مسعى يراد للسعودية المساهمة فيه بخلاف الوساطة الصينية التي أفضت إلى استئناف العلاقة الإيرانية السعودية.

المسعى الأميركي الإسرائيلي للتطبيع مع السعودية لا يستجيب لشهية نتنياهو الشخصية في وقت أزمته الداخلية فحسب، إنما يهدف في الأساس إلى تعزيز التناقض الإسلامي بما تمثله السعودية من عنوان مذهبي في مواجهة إيران التي تحاول الالتحام مع قضايا الأمة وما يواجهها من تحديات مصيرية، وخصوصاً قضيتها المركزية فلسطين، وهي قضية منعتقة في أصلها من السياق المذهبي، كما أنها الأكثر تعبيراً عن الانتماء الإسلامي والإنساني الجامع.

ليس ثمة دين أوضح من الإسلام في تجاوزه التعقيدات المذهبية والقومية والجنسية، وهي قضايا محسومة سلفاً بنص القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، وهو ما أعلنه رسول الإسلام في خطبة الوداع: "يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود  ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: ليبلغ الشاهد الغائب".

قبل 10 أعوام، تجلت إدارة الأزمة الأميركية ضد الجاليات الإسلامية، بحسب تقرير جامعة كاليفورنيا، الذي قدّر أن 206 مليون دولار تم دفعها إلى 33 مجموعة، هدفها الرئيس تعزيز الكراهية للمسلمين في الولايات المتحدة وترسيخ مفهوم الإسلاموفوبيا، وهو ما برع فيه قبل ذلك الباحث الأميركي جون إسبوسيتو، المستشار في وزارة الخارجية الأميركية، والمدير المؤسس لمركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي-المسيحي.

تتجاوز خلية الأزمة الأميركية اليوم عملية التفكيك الفكري والنفسي للمجتمعات الإسلامية لما هو الجهد الاستخباري والسياسي والعسكري والاقتصادي، وهي جهود تأتي تباعاً لما سبق من عمليات التفكيك، وخصوصاً بعد فشل بعضها في دول بعينها، في ظل غياب النفوذ الأميركي في هذه الدول، وهو ما جعلها محوراً للشر في المنظور الأميركي.

تتشابك المعطيات الإقليمية والعالمية اليوم، بخلاف الخطط الأميركية، بما يجعل مهمة خلية الأزمة أكثر صعوبة من السابق، رغم الانقياد الأوروبي والخليجي والضعف العربي الإسلامي، فالتطور الاقتصادي في منظومة بريكس العالمية، بما يوفره من معطى سياسي، في ظل الاستعصاء الروسي في مواجهة المشاريع الأميركية في أوروبا، مع تعاظم الدور الصيني في المحيط الهادي والتطورات الأفريقية، والأهم تنامي قوة محور المقاومة ضد الكيان الإسرائيلي وتحسن أدائه، كل ذلك يعوق هذه الخطط الأميركية الشيطانية، وخصوصاً مع التأصيل الإسلامي الديني وما يوفره من ضامن فكري متين.