فك ارتباط أم تنمية متمحورة حول الذات؟

لم تكن أسباب انهيار الدولة البرجوازية الوطنية اقتصادية فحسب، بل هي أسباب سياسية بامتياز.

  • علينا أن ندرك أن عصر النهضة والدولة البرجوازية قد انتهى إلى غير رجعة، وأن محاولة العودة إلى هذا الطريق ليست سوى ذهاب إلى الهاوية.
    علينا أن ندرك أن عصر النهضة والدولة البرجوازية قد انتهى إلى غير رجعة، وأن محاولة العودة إلى هذا الطريق ليست سوى ذهاب إلى الهاوية.

في النصف الأول من القرن الـ20، اجتاحت وطننا العربي موجة استقلال وطني، خلّفت وراءها مجموعة من الدول "المستقلة"، التي لم يستطع معظمها فك تبعيته السياسية والاقتصادية مع المستعمر، فتحوّل إلى مندوب يقوم بما يسمّى "الأعمال القذرة" نيابة عن هذا المستعمر. حاولت قلّة من الدول الناشئة الإفلات من التبعية ورسم طريق استقلالها الوطني من خلال ثورات محلية أخذت في معظمها شكل الانقلابات العسكرية، وارتكزت على شعارين أساسيين هما: الوحدة والحرية. رغم الإنجازات المهمة التي حققتها هذه الأنظمة الوطنية، انتهت جميع تجاربها بالفشل لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية. 

نالت الأسباب الموضوعية المتعلقة بالإرث الاستعماري والمؤامرات التي حاكها المستعمر ووكلاؤه ضد الأنظمة الوطنية الكثير من الدراسة والبحث، أما الأسباب الذاتية فكان نقاشها في معظمه جزءاً من المؤامرة، وتركز على قياس التجارب الوطنية بالمقاييس الاستعمارية للوصول إلى نتيجة مفادها بأن تلك التجارب كانت قمعية وأن فشلها كان إنجازاً وطنياً، ولم يسلم قادة وطنيون مثل جمال عبد الناصر، وحافظ الأسد وهواري بومدين من سهام هجوم أنصار الديمقراطية الليبرالية.

نستطيع وصف جميع المشاريع الثورية العربية التي وصلت إلى الحكم خلال القرن الـ20 بأنها دول "برجوازية وطنية"، قدمت مشروعاً متكاملاً للتنمية الوطنية مبنياً على الاستقلال، وعدم الانحياز السياسي والاقتصادي. لم يجد هذا المشروع ما يمنع من المساهمة في شبكة العلاقات الدولية، فلم ينظر إلى العلاقة مع المركز الرأسمالي من موقع "فك الارتباط"، ولكن من منظور "التبعية المتبادلة" القائمة على تبادل المنتجات والبضائع والمواد الأولية على قاعدة العدالة والمساواة. حَدّد مشروعُ التنمية البرجوازي الوطني خطوطاً بالعناصر التالية:

1.   تنمية قوى الإنتاج وتنويع أوجه النشاط الاقتصادي مع التركيز على الصناعة.

2.   سيطرة الدولة على عملية عصرنة المجتمع.

3.   الإيمان بأن الأنماط والمنتجات الفنية والتقنية "أدوات الإنتاج" أنماط محايدة يمكن استعارتها وإعادة تشكيلها والسيطرة عليها.

4.   القناعة بأن التنمية لا تحتاج إلى مبادرة جماهيرية، فالإرادة السياسية للدولة كافية ودور الجماهير يقتصر على دعم هذه الإرادة.

حقق هذا المشروع نجاحاً معقولاً، مستفيداً من قوة الدفع الجماهيرية المؤيدة له، ومن نزوع النظام الرأسمالي للتوسع في الفترة ما بين 1955 – 1970، إضافة إلى الدعم السوفياتي القائم على مبدأ "الطريق غير الرأسمالي". لكن النظام الرأسمالي الذي دخل في أزمة اقتصادية حادة في مطلع السبعينيات بسبب تدهور سعر الدولار، غيّر توجهه واتخذ موقفاً معادياً للتجارب الاستقلالية المحلية، يضاف إلى ذلك، تراجع النفوذ السوفياتي وتفاقم الأزمات في الدول الاشتراكية، ما زاد من الضغوط التي تتعرض لها الأنظمة الوطنية. جاءت تسعينيات القرن الـ20 لتشهد انهيار مشروع التنمية البرجوازي الوطني، وتصفية آخر إنجازاته، وصعد البرنامج الاقتصادي الليبرالي ليتصدر المشهد في جميع الدول العربية.

لم تكن الدولة البرجوازية قادرة على تحقيق "فك الارتباط" لأنها لم تحسم خياراتها الاقتصادية، وحاولت من خلال شعار "التنمية المتمحورة حول الذات" شق طريق اقتصادي مستقل، لكنه كان طريقاً مسدوداً قادها إلى الفشل. فشعار "التنمية المتمحورة حول الذات" جاء خالياً من أي محتوى طبقي، يوضح الجهات المعنية بتحقيق هذه التنمية إلى جانب الدولة. رغم النيات الحسنة التي عبّرت عنها قرارات مثل التأميم والإصلاح الزراعي، حققت هذه القرارات تنمية آنية، ولم تحمل أي رؤية مستقبلية لأنها لم تحل مشكلة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج بشكل جذري.

فالإصلاح الزراعي الذي كان خطوة ثورية حقيقية، لم يراع أن الأراضي التي انتقلت ملكيتها للفلاحين، سوف تتفتت بفعل بعض التشريعات مثل الإرث، أو بفعل الأزمات الاقتصادية التي تدفع الفلاحين إلى بيع أجزاء أو كامل الحيازة الزراعية. لقد أدى تفتت الملكية الزراعية إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وغياب القدرة على المنافسة ما دفع الفلاحين إلى هجرة الزراعة، وقاد إلى انخفاض الإنتاج الزراعي بشكل عام. إن دولة مثل مصر تعتبر أكبر مستورد للقمح في العالم، إذ تستورد أكثر من 50% من حاجتها، ومثلها معظم الدول العربية التي لم تستطع أي منها تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال السلع الغذائية الأساسية. لقد تسربت ملكية مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية إلى طبقة كبار الملاك الزراعيين والعقاريين التي حلّت محل الإقطاع المحلي. وكان الأجدر بالدول التي طبّقت مشاريع الإصلاح الزراعي أن تبقي جميع الأراضي التي جرى تأميمها ملكاً للدولة، وأن تقوم بتخصيصها للفلاحين حصراً، وتمنع بيعها أو خضوعها لقوانين الإرث كونها ليست ملكية خاصة.

أما سياسة "الإحلال" القائمة على إحلال المنتجات الوطنية محل المنتجات المستوردة، فهي الأخرى لم تراع أن الدولة غير قادرة منفصلة على إنتاج جميع احتياجات المجتمعات، وأن ما يسمى "رأس المال الوطني" سيعود من نافذة إنتاج السلع الكمالية، بعد أن تولت الدولة تنفيذ المشاريع الكبرى، كالمشاريع الصناعية ومشاريع البنية التحتية، فوجد القطاع الخاص فرصته في الاستثمارات قليلة المخاطر وسريعة الأرباح. كما أن معظم المواد الأولية، وأدوات الإنتاج للمصانع الكبرى كانت مستوردة من الخارج، وأصبح دور الصناعات الوطنية تجميع منتجات المصانع الكبرى وتغيير اسمها، ثم بيعها في السوق المحلي، بأسعار أقل من التكلفة. شركة نصر لصناعة السيارات كانت تبيع سيارة "نصر 133" بمبلغ 3000 جنيه، في حين تبلغ تكلفتها 5000 جنيه. لم يدرك المخطط الاقتصادي أن الموقع الجغرافي للمصنع ليس الأساس في تحديد منشأ البضاعة، ولكن القيمة المضافة التي تحققها للاقتصاد الوطني، ونسبة المساهمة الوطنية في مدخلات الإنتاج.

لم تكن أسباب انهيار الدولة البرجوازية الوطنية اقتصادية فحسب، بل هي أسباب سياسية بامتياز، لكن التركة المترهلة التي مثلها القطاع العام المثقل بالخسائر، سهلت من مهمة الأنظمة الليبرالية في تصفية هذا القطاع، سواء بإغلاق مصانعه كما حدث مع شركة نصر لصناعة السيارات التي تمت تصفيتها بعد أن تراكمت عليها ديون بلغت 2 مليار جنيه مصري، ومثلها شركة حديد حلوان. لقد حلت شركات تابعة للقطاع الخاص محل شركات القطاع العام، ورغم أن هذه الشركات الخاصة تعمل بامتياز من الشركات العالمية ، تظل تعتبر صناعة وطنية تحل محل منتجات القطاع العام.

رغم الصعوبات التي عانت منها الأنظمة الوطنية، لكنها قدمت تجربة مهمة تشير إلى إمكانية فك الارتباط مع المركز الرأسمالي، سواء من خلال قصص النجاح أو قصص الفشل. لقد تعلمنا أن الوصول إلى الحكم لا يكفي إذا لم تتخذ قرارات تحسم موضوع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج سواء من رأس المال المحلي أو الأجنبي (الاستثمارات الخارجية)، أو تأميم الملكيات الزراعية الكبرى وتحويلها إلى تعاونيات مملوكة للمجتمع لا يجوز التصرف فيها بالبيع أو التأجير، أو تعزيز القطاع التعاوني في مجال الصناعات الصغيرة والمتوسطة، ومنع الاحتكار. وأخيراً، دعم وتنمية طبقة عاملة من الفلاحين والعمال وصغار الكسبة تكون صاحبة مصلحة في نجاح الخيارات الاقتصادية للدولة الوطنية. 

علينا أن ندرك أن عصر النهضة والدولة البرجوازية قد انتهى إلى غير رجعة، وأن محاولة العودة إلى هذا الطريق ليست سوى ذهاب إلى الهاوية. بغير خيار السير على طريق فك الارتباط ستبقى الأنظمة الوطنية تدور في حلقة مفرغة من النجاح والفشل من دون أن تصل إلى حالة من الاستقرار.