فلسطينيون في ضيافة رئيسي.. في ضيافة الأسد

أهم الخلاصات في كلمة السيد رئيسي أمام الوفد الفلسطيني أن فلسطين يجب أن تكون وتبقى في أولويات العالم الإسلامي. ومن هذا المنطلق، تعمل طهران لتظل فلسطين "أولى الأولويات".

  • فلسطينيون في ضيافة رئيسي.. في ضيافة الأسد
    فلسطينيون في ضيافة رئيسي.. في ضيافة الأسد

الوصول إلى دمشق قبيل المغرب ليس لطيفاً. المدينة التي كانت لا تنام قبل الحرب بات ليلها معتماً مع غياب الكهرباء، رغم تحسن جدولها في العاصمة تحديداً. مع ذلك، لا يزال هناك حرص شديد على إضاءة بعض الأماكن، كساحة الأمويين والسيف الدمشقي، مهما كانت الظروف... ثم تكمل أنوار المحال والمطاعم والسيارات باقي المهمة.

كل شيء هنا يوحي بأن عاصمة الياسمين لا تزال تحاول الحياة ما استطاعت إليها سبيلاً. ما فيها ومن فيها يقولون ذلك صمتاً أو همساً. تكفي جولة في الشام القديمة ليلاً أو نهاراً لتخبركم بذلك. لا ينكر أحد أن السنوات العشر الماضية كانت قاسية جداً، لكن الأخبار المتتالية، ولا سيما على صعيد السياسة الخارجية، تخفف وطأة الألم وتفتح الباب لقليل من الأمل.

الحدث الَّذي كان مسيطراً على زيارتنا، في وفد فلسطيني متنوع الاتجاهات والتوصيفات، هو زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لسوريا. تعددت فعاليات الزيارة والفئات التي التقاها الضيف الآتي بعد 11 سنة على صورة "العشاء الشهير" التي قيل في ما قيل إنها من الأسباب التي دفعت إلى تعجيل الحرب.

أعضاء الوفد من علماء دين ورجالات سياسة وإعلاميين وكتّاب سبق أن جمعت غالبيتهم مؤتمرات أخرى في بيروت وطهران وإسطنبول، لكن هذه المرة هي دمشق، والمُضيف سوريا الخارجة من أصعب اختبار مرت وتمرّ به الدولة والجيش والشعب ربما منذ تأسيس الجمهورية العربية.

دار نقاش حول مكان الاستقبال المتوقع. غالبية الوفد قدّرت، بل حسمت بسرعة، أنه سيكون في مبنى السفارة الإيرانية الواقع في أوتوستراد المزة إلى الجانب الجنوبي الغربي من المدينة، قريباً جداً إلى فندق الاستضافة، لكنّ الحافلات والسيارات خالفت في اليوم التالي هذا التوقع، فقد التفت مع دوار الأمويين صعوداً إلى قاسيون، سائرة بمحاذاة حديقة تشرين.

تبيّن صباح الخميس (4/5/2023) أنّ الوجهة هي قصر الضيافة التابع للرئاسة السورية. قرر الرئيس بشار الأسد تكريم نظيره الإيراني باستقبال ضيوف الأخير في قصر الضيافة الرسمي، مؤكداً بذلك عادات الكرم السوري، كأن الضيف صاحب الدار وأكثر. خطوة لافتة لم يكن ينقصها سوى أن يظهر الأسد، لكن يبدو أنه أراد لرئيسي أن يكون صاحب البيت تماماً.

كان لدى الوفد ساعة فقط، فجدول رئيسي مزدحم منذ السابعة صباحاً، حين استقبل الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية باكراً، وكان لديه بعد ذلك برنامج مليء على رأس كلّ ساعة بحدث يتبعه حدث. اللافت أنه تقررّ، ربما هي المرة الأولى منذ عقد أو أكثر، تنظيم لقاء مع فعاليات فلسطينية وعلماء وإعلاميين بخلاف اللقاءات الرسمية والحزبية.

بعد إجراءات تفتيش دقيقة ومتأنية، اكتمل الوفد في إحدى القاعات المخصصة للضيوف. نحو 60 فلسطينياً من فلسطين نفسها ومن فلسطينيي الشتات (وخصوصاً لبنان وسوريا) بانتظار لحظة البدء. ربما كانت الفرصة الأولى لكثيرين منهم لمشاهدة إجراءات رئاسية: التفتيش والفحص الدقيق مضافاً إليهما التعقيم... ونقاش اللحظات الأخيرة بين الحراس الإيرانيين والسوريين.

لا بهرجة أو بذخ على الطاولة: مجرد كأس ماء مُلِئ منتصفها. الكأس من إيران، والماء من سوريا، ثم وُزعت أجهزة الترجمة على الجميع واحداً واحداً. لم يحضر إعلام محلي أو عربي أو دولي. الاستثناء للفريق الرسمي للرئاسة السورية، وكذلك الإيرانية. هم حصراً من حصلوا على صور ومقاطع للحدث.

لم يطل الانتظار أكثر من 10 دقائق أخرى حتى قدم رئيسي، وبجانبه وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان والسفير الإيراني الجديد في سوريا حسين أكبري. وقف الحضور متأهبين لتبادل السلام قبل أن يُعاد توزيع بعض الكراسي ويستقر كل في مكانه. لم يزاحم أي إيراني فلسطينياً على كرسيه، بل اختار بعض المسؤولين الجلوس في الزوايا بكل تواضع.

اختار المترجم أن يكون بجوار الرئيس، ثم بدأ الكلامُ... فلسطينياً. 3 كلمات مختارة بعناية واختصار: كلمة علمائية، وأخرى سياسية إسلامية، وأخرى يسارية. جمعتها ثلاثتها روابط تكررت في كل منهما: نعي الأسير الشيخ الشهيد خضر عدنان، والإشارة إلى الضعف الإسرائيلي، والدعاء والتمني بأن يشهد الحاضرون جميعهم الصلاة في المسجد الأقصى.

عندما انتهت الكلمات الفلسطينية، كان يفترض بالرئيس الإيراني بدء الحديث، لكنه سأل سؤالاً ينم عن تواضع شديد: هل لدى أحد أيّ سؤال أو ملاحظة (خارج الجدول) قبل أن أبدأ كلمتي. سكت قليلاً ليؤكّد جديته في السؤال، وأنه ليس مجاملة. التفت أعضاء الوفد إلى بعضهم بعضاً، ثم انتهى المشهد: ليس لدى أحد ما يدلي به. 

بدأ رئيسي كلمته بالتقديم التسلسلي الحوزوي الذي يعتمد في خطابه على وضع المقدمات، ثم الأسباب، فالنتائج. كيف لا وهو المعمّم الآتي من العتبة الرضوية ورئاسة القضاء في إيران! أما الخلاصات في هذه الكلمة، فأهمها أن فلسطين يجب أن تكون وتبقى في أولويات العالم الإسلامي. ومن هذا المنطلق، تعمل طهران لتظل فلسطين "أولى الأولويات".

فجأة، علا صوت الرئيس، وتسارع كلامه، فيما كان المترجم يحاول عبثاً لحاق الكلمات. متفاعلاً مع الحضور على غير ما كان كلامه الهادئ في النصف الأول، قال رئيسي إن العدو جاء إلى الميدان بكل قواته لمحاربة الفلسطينيين. لذلك، على المسلمين استخدام كل طاقاتهم لتأكيد حقوق فلسطين المنتهكة.

بعد ذلك، عدّد الرئيس الإيراني أنواع الحرب التي تستعملها "إسرائيل"، ومن ورائها الولايات المتحدة والغرب، ضد قوى المقاومة، ومن بينها الفلسطينيون، مشيراً إلى تخطّيهم الحرب النفسية إلى الهجينة والمركبة. ولم يفته الحديث عن آخر جلسات أمنية عُقدت في العقبة وشرم الشيخ على أنها امتداد لما جرى في "كامب ديفيد" و"أوسلو"، ويا ليت "إسرائيل" التزمت! وخلص إلى أن ما حدث في الأشهر الأخيرة أحرج الأنظمة المطبعة حديثاً، ليعود ويؤكد أن المقاومة هي "السبيل الوحيد لمواجهة إسرائيل".

مع ذلك، كانت آثار خطابات مرشد الثورة الإسلامية، السيد علي خامنئي، حاضرة في زوايا كلمة رئيسي كافة، ومنها إعادة الأخير طرح مشروع الاستفتاء الذي تحدث عنه خامنئي مراراً. والفكرة تقوم على إجراء استفتاء يشمل الفلسطينيين كافة بشأن مستقبل بلادهم، في حين أن على العالم المدعي الديمقراطية أن يقبل نتائجه.

وبينما لم يفت الكلمات الفلسطينية الإشادة باستضافة دمشق هذه الجلسة غير التقليدية ضمن إطار برنامج زيارة هي في الأصل إيرانية إلى سوريا، أعاد رئيسي تأكيد هذا الشكر، مضيفاً في خاتمة كلامه إشارة إلى حزب الله في لبنان وأمينه العام السيد حسن نصر الله ليكتمل بذلك مشهد 2010، لكن مع إضافة ضلع رابع هو فلسطين.

انتهت الكلمة لتبدأ ارتجالات الضيوف بالشكر وبعض الملاحظات، وليس أخيراً تقديم هدايا رمزية إلى الرئيس الإيراني، أولها كوفية سارع إلى ارتدائها، ومن ثم مسبحة من فلسطين. يدهمُ الوقت أصحابه سريعاً في مثل هذه اللحظات، لكن رئيسي أصر على السلام على الجميع تقريباً قبل الصورة الجماعية وخلالها وحتى بعدها.

قبيل دخوله إلى القاعة الأخرى التي كان ينتظره فيها علماء من الشام، اقتربتُ منه عندما انتهى الجميع. أخبرته بفارسية متواضعة: "من أهل غزه هستم"، ليشدّ على يديّ، ويقول بعربية واضحة: "سلامي إلى غزة وأهل غزة".