موقع تركيا في الناتو... كيف يؤثر في الأمن الأوروبي؟

يمكن ملاحظة سياسات ممنهجة تعتمدها الدول الأوروبية للحدّ من الاندفاعة التركية.

  • موقع تركيا في الناتو... كيف يؤثر في الأمن الأوروبي؟
    موقع تركيا في الناتو... كيف يؤثر في الأمن الأوروبي؟

لا يمكن اعتبار وجود الدولة التركية ضمن إطار تحالف الناتو وجوداً عادياً، في حين يمكن تصنيف هذه الدولة، إضافةً إلى ثقلها العسكري وموقعها الجيوسياسي الذي يشكّل منطقة فاصلة بين عمق أوروبا من جهة وروسيا والجمهورية الإسلامية من جهة أخرى، حاجة حيوية لاستمرارية الحلف ضمن إطار المشروعية الضرورية لتفادي إسقاط خصوصيات الغرب الدينية والثقافية والاجتماعية عليه. 

ولكنَّ ذلك لم ينعكس توافقاً دائماً أو استقراراً في العلاقة بين الطرفين الأوروبي والتركي، وخصوصاً منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا عام 2002، فالشراكة الإستراتيجية بين الدول الأوروبية وتركيا ضمن حلف شمال الأطلسي لم تحل دون رفض قبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، إذ يمكن ملاحظة توجّس الاتحاد من الحيثية التركية المؤثرة في شرق أوروبا والقادرة على تغيير الصورة النمطية للاتحاد. 

وفي هذا الإطار، يمكن ملاحظة سياسات ممنهجة تعتمدها الدول الأوروبية للحدّ من الاندفاعة التركية ومحاولة التركيز على ما تعتبره سلبيات تتعلّق بحقوق الإنسان والديمقراطية. وإذا كانت الدول الأوروبية متمكّنة من قرارها وقدرتها على تثبيت رؤيتها ضمن مؤسسات الاتحاد الأوروبي لناحية رفضها ضم تركيا إلى هيكليته، فإنَّ هذه القدرة ستتأكّل وتفقد فاعليتها داخل حلف شمال الأطلسي، إذ تملك تركيا من الحقوق ما يساويها بغيرها من الدول الأطراف. 

إنَّ النظام الداخلي لحلف شمال الأطلسي لم يلحظ أي إمكانية لتخطي مسألة معارضة إحدى الدول لقراراته، انطلاقاً من اعتماد قاعدة الإجماع في التصويت على قراراته، كما أنه لم يشِر في ميثاقه إلى أي إمكانية لطرد دولة من دوله أو عزلها. لذلك، تسعى الدول الأوروبية إلى إمكانية تطويع تركيا عبر محاولة تأطير سياساتها بما يتوافق مع المسعى الأوروبي خارج سياق الخصوصيات التركية.

عبر أكثر من 20 عاماً، يمكن الحديث عن عدم التوافق الذي طغى على علاقة تركيا بالغرب. وعلى الرغم من الجهود المتوالية التي بذلتها تركيا للحصول على دعم حلف شمال الأطلسي في مشاريعها الخارجية، لم يكن الحلف متضامناً بالمطلق مع الدولة التركية، ولم يقف إلى جانبها في عمليتها العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في العراق. 

كما أنه لم يدعم رؤيتها في الملف الليبي عام 2011، إذ تناقضت الرؤى في ذلك البلد، وتبنى الحلف رؤية تناقض المصالح والأهداف الإستراتيجية التركية بشكل تام. إضافة إلى ذلك، لم يتشاور الحلف مع تركيا حين سحب عام 2015 منظومات "الباتريوت" من أراضيها، بما جعلها عرضة لخطر الصواريخ الروسية في تلك الفترة، إذ كانت العلاقة بين الطرفين قد تأزمت بفعل مواقفهما المتباعدة في بداية الأزمة السورية، كما لم توافق تركيا على المشاركة في ضربات القوى الغربية ضد "داعش" في العراق وأفغانستان.

وبناءً عليه، لم يتمكن حلف شمال الأطلسي من احتواء السياسة الخارجية التركية ضمن إطار إستراتيجياته المرتبطة أصلاً بالأمن الأوروبي ومتطلبات الأجندة الأميركية، فالجانب التركي المتمسك بحلف شمال الأطلسي والمتيقن من دوره المحوري في هذا الحلف لم ينظر إلى وجوده فيه على أنه تعبير عن انتماء عضوي نهائي للمنظومة الغربية. 

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لم يتوانَ عن المشاركة في قمة شنغهاي في أيلول/سبتمبر الماضي، إذ أعاد إلى أذهان الأوروبيين ما سبق أن قاله لبوتين عام 2012 من أنَّ منظمة شنغهاي قد تكون بديلاً لتركيا من الاتحاد الأوروبي. 

وبحسب إردوغان، لم تعد تركيا مهتمة بانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي بأي ثمن، إذ إنَّ المفاضلة بين المنظمة التي فتحت أبوابها له منذ 2013 والاتحاد الأوروبي الذي يبحث عن الحجج لتجميد مفاوضات الانضمام، إضافة إلى ما تختزنه شنغهاي من قوة عددية بشرية واقتصادية، ستجعل إمكانية تخطي عقدة الاتحاد الأوروبي وفوائده المحتملة أمراً سهلاً.

وإذا كانت أزمتا سوريا والعراق قد شكلتا عقدة إضافية في ملف العلاقات الأوروبية التركية لناحية تباعد الرؤى حول كيفية مقاربة ملف محاربة التنظيمات الإرهابية، إضافة إلى ملف اللاجئين السوريين، فإنَّ أزمة أوكرانيا أرخت بظلالها على واقع العلاقات بين الطرفين، إذ أخذت تركيا على عاتقها مهمة البحث عن إطار لمعالجة تداعيات تلك الأزمة بشقيها الخاص المتعلق بتركيا والدولي المتعلق بتأثيرات تلك الحرب في الساحتين الإقليمية والدولية.

وإذا كان الدور التركي قد ساهم في حلّ إشكالية صادرات الدولتين المتحاربتين من الحبوب من خلال اتفاق البحر الأسود، فإن الدور السياسي التركي الذي حاولت تركيا من خلاله أن تقارب علاقاتها مع الطرفين الروسي والأوكراني من موقع المحايد القادر على إيجاد قاعدة مشتركة يستند إليها الأخيران عند أي مسعى تفاوضي مستقبلي، لم يوافق التوجه الأوروبي الذي لم يجد القدرة على أن ينأى بنفسه عن مجريات الحرب، ووجد نفسه مرغماً على الالتزام بخطط حلف شمال الأطلسي في هذا الإطار. 

ومن خلال تداعيات حرب أوكرانيا على الساحة الأوروبية والأطلسية، لم تستطع الدول الأوروبية أن تتخطى ما اعتبرته ابتزازاً تركياً لدول أوروبا عبر عرقلة ضم سويد وفنلندا إلى الحلف لأسباب تتعلق بموقف هاتين الدولتين الداعم للأحزاب الكردية المصنفة تركياً إرهابية. 

إنّ تمسّك الجانب التركي بفرض شروطه على السويد وفنلندا انطلاقاً من نص المادة العاشرة من الميثاق التي تشترط إجماعاً أطلسياً لقبول انضمام دولة جديدة أظهر العجز الأوروبي على التحكم في الآلية الأمنية التي يعتبرها ضرورية لمواجهة تداعيات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

لم يكن الإجماع سمة طاغية على الموقف الأوروبي من حلف شمال الأطلسي، إذ إنّ انقساماً فرض نفسه بين الدول الأوروبية حول جدوى بقاء الحلف وإشكالية الاستقلال الأمني والدفاعي الذي طمحت إليه بالدرجة الأولى كلّ من فرنسا وألمانيا، غير أنَّ تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، لناحية إظهارها عجز الاتحاد الأوروبي عن ضمان أمنه الإقليمي ونجاح الولايات المتحدة الأميركية في تقييد الموقف الأوروبي بضرورة الحفاظ على تماسك الاتحاد، لناحية تفضيل دول أوروبا الشرقية لآليات حلف شمال الأطلسي كضامن لأمنها على حساب أي آلية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة الأميركية، دفعت دول الاتحاد الأوروبي إلى الالتزام بآليات الحلف، على الأقل في المدى المنظور.

وإذا نظرنا إلى الموقف الأوروبي الذي أظهرته فرنسا، على لسان رئيسها يوم التقى الرئيس الأميركي جو بايدن، إذ طرح أمامه ضرورة إرساء نظام أمني مستقل عن حلف شمال الأطلسي، ثم أضفنا إليه الرفض الأوروبي لتزويد أوكرانيا بالدبابات المتطورة، بما يعنيه هذا الموضوع من رفض أوروبي لمسعى الحلف بالتصعيد وتسخين جبهات القتال، إضافة إلى الامتعاض الأوروبي من الابتزاز التركي لأوروبا والسويد وفنلندا عبر حلف شمال الأطلسي، فإن هذه الحقائق ستدفع حتماً باتجاه سعي الدول الأوروبية للبحث عن آلية أمنية مستقلة تضمن مصالحها الحيوية والإستراتيجية أولاً، وتخلصها من عبء ما تعتبره استغلالاً أميركياً وابتزازاً تركياً ثانياً.