هل تصمد الحكومة الإسرائيلية أمام التحديات التي تواجهها؟

ليس من المستبعد أن تعجز الحكومة الإسرائيلية الحالية عن الصمود، وأن تبدأ بالتفكّك والانهيار تحت ضغط التحديات الداخلية والخارجية التي بدأت تواجهها بالفعل، وهي تحديات توحي بأن الكيان الصهيوني أصبح يواجه مأزقاً تاريخياً.

  • هل تصمد الحكومة الإسرائيلية أمام التحديات التي تواجهها؟
    ليس من المستبعد تخلّي حكومة نتنياهو عن سياسة الحياد الظاهري التي تنتهجها منذ اندلاع الحرب الأوكرانية

حين نجح بنيامين نتنياهو في أعقاب الانتخابات البرلمانية التي نظّمت خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي في تشكيل حكومية ائتلافية تمكّنت من الحصول على ثقة أغلبية مريحة في الكنيست الإسرائيلي، بدت الأزمة السياسية التي شهدتها "إسرائيل" طوال السنوات الثلاث السابقة واضطرّتها إلى إجراء 5 انتخابات برلمانية مبكرة خلالها، وكأنها قد انتهت وأصبحت من مخلفات الماضي، غير أن الأحداث التي شهدتها "إسرائيل" منذ تشكيل هذه الحكومة توحي بأن الأزمة التي تمسك بخناقها تبدو أعمق وأكبر من قدرة أي حكومة إسرائيلية على مواجهتها. 

لذا، ليس من المستبعد إطلاقاً أن تعجز الحكومة الحالية بدورها عن الصمود، وأن تبدأ بالتفكّك والانهيار تحت ضغط التحديات الداخلية والخارجية التي بدأت تواجهها بالفعل، وهي تحديات توحي بأن الكيان الصهيوني أصبح يواجه مأزقاً تاريخياً لا فكاك منه. على صعيد التحديات الداخلية، يلاحظ أنّه ما إن بدأت عجلة الحكومة الحالية في الدوران حتى تبيّن أن بنيتها الداخلية، التي تضمّ عناصر متهمة بالفساد، من أمثال أرييه درعي رئيس حركة "شاس"، وأخرى متهمة بممارسة الإرهاب والعنصرية، من أمثال إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بدأت تشكّل عبئاً قد لا يستطيع المجتمع الإسرائيلي تحمّله أو التعايش معه. 

لم تكد تمضي أسابيع قليلة على تشكيل هذه الحكومة حتى أصدرت المحكمة العليا، وهي أعلى جهاز قضائي في الدولة، قراراً يقضي بعدم أهلية أرييه درعي لتولّي حقائب وزارية، وذلك بسبب إدانته مرتين من قبل في تهم تتعلق بالفساد والتهرّب الضريبي. صحيح أن نتنياهو تمكّن من التغلّب مؤقتاً على هذه العقبة، بالاتفاق مع حركة شاس على إقالة درعي، انصياعاً لحكم المحكمة العليا، مقابل الموافقة على طلبه بالتعيين في منصب رئيس الوزراء البديل، وهي خطوة تضمن لحركة "شاس" البقاء في الائتلاف الحكومي كشريك إستراتيجي، وتضمن لدرعي المحافظة على وضعه كزعيم سياسي له وزنه وثقله داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية، حتى وإن استحال تعيينه وزيراً في المستقبل. 

ولكن نجاح هذه الخطوة، التي لن تكتمل إلا بالموافقة رسمياً على تعيين درعي في منصب رئيس الحكومة البديل، بات مرهوناً بقدرة الحكومة الحالية على تمرير الإصلاحات التي يقترح وزير العدل إدخالها على النظام القضائي. ولأن هذه الإصلاحات تبدو مرفوضة كلياً، سواء من المنظومة القضائية نفسها أو من قطاعات واسعة من الرأي العام الإسرائيلي في الوقت نفسه، فربما يتعذّر تعيين درعي في منصب رئيس الوزراء البديل، ما قد يؤدي إلى انفراط عقد الحكومة في مرحلة ما قد لا تكون بعيدة. 

كثيرون يرون أن الإصلاحات التي يقترحها وزير العدل تستهدف، في التحليل النهائي، تمكين السلطة التنفيذية من الهيمنة على أعمال السلطة القضائية، وخصوصاً أنها تتضمن "بند الاستثناء" الذي يتيح لنواب البرلمان، بالأغلبية البسيطة، إلغاء قرارات المحكمة العليا. ورغم عدم وجود دستور مكتوب في "إسرائيل" حتى الآن، فإنَّ المحكمة العليا في "إسرائيل" لديها صلاحية إلغاء القوانين الصادرة عن الكنيست، إذا وجدت أنها تتعارض مع القوانين الأساسية للبلاد، ما يعني إن إقرار "بند الاستثناء" سيمكّن السلطة التشريعية من إعادة فرض تطبيق قوانين سبق للسلطة القضائية إلغاءها بسبب "عدم دستوريتها". 

وإذا أضفنا إلى ما تقدّم أن الأجندة السياسية للحكومة الإسرائيلية الحالية، التي يسيطر اليمين الديني المتطرّف على مفاصل رئيسية فيها، تتضمّن أيضاً إدخال تعديلات أساسية على القوانين التي تمس أوضاع فئات اجتماعية مؤثرة داخل المجتمع الإسرائيلي، كالمرأة والمثليين وغيرهم، لتبيّن لنا أن هذه الحكومة ستواجه بمعارضة نشطة ومتصاعدة في الشارع الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة.

يحاول نتنياهو احتواء المعارضة الداخلية المتصاعدة لحكومته بالتصعيد ضد الفلسطينيين، فقد أعلن بالفعل عن خطط لبناء مستوطنات ضخمة جديدة، وسمح لوزير الأمن الداخلي في حكومته باقتحام المسجد الأقصى، وراح يشدد من قبضته الأمنية على الضفة ويطارد كل من يعتقد أنه ينتمي من قريب أو بعيد للمقاومة الفلسطينية، ما أدّى إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى والقبض على مئات الفلسطينيين، وراح يتحرّش بقطاع غزة، ليس من خلال قراره بإقامة مستوطنات جديدة في غلاف القطاع فحسب، إنما أيضاً من خلال شن غارات على مواقع المقاومة المسلحة في القطاع. 

ويعتقد نتنياهو أن هذه الإجراءات التصعيدية سوف تتيح له ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، لأنه سيضمن له، من ناحية، دعم العناصر الأكثر تطرفاً في ائتلافه الحاكم، كما سيضمن له، من ناحية أخرى، تذكير الشارع الإسرائيلي الغاضب بأن الفلسطينيين يشكّلون التحدي الأكبر للمجتمع الإسرائيلي ككل، لا فرق في ذلك بين يمين ويسار، ولا بين علماني ومتطرف دينياً. 

ولكن تبنّي هذه الاستراتيجية لن يتعدّى كونه نوعاً من الهروب إلى الأمام، فمن شأن هذه التصرفات الهمجية أن تقدّم أدلة جديدة على أن حكومة "إسرائيل" الحالية أصبحت رهينة لأكثر العناصر الصهيونية تطرفاً وتعصباً وعنصرية، وعلى أن النظام السياسي الإسرائيلي تحوّل بالفعل إلى نظام يمارس الفصل العنصري ويقوم على الأبارتهيد، وهو ما قد يؤدي إلى عكس ما يطمح له نتنياهو، وبالتالي إلى مزيد من العزلة الحكومة الإسرائيلية الحالية على مختلف الأصعدة، أي في الداخل والخارج على السواء.

أما على الصعيد الخارجي، فقد بات من الواضح أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تواجه 3 أنواع من التحديات المترابطة والمتداخلة:

الأول: يتعلّق ببرنامج إيران النووي، إذ يعتقد نتنياهو أن هذا البرنامج وصل الآن إلى مراحل متقدمة، وخصوصاً أن إيران كانت قد قرّرت بعد انسحاب إدارة ترامب من اتفاق 2015، تخصيب كميات متزايدة من اليورانيوم بنسب تصل إلى 60%، وربما إلى 90%، ما جعلها تقترب أكثر فأكثر من العتبة النووية التي تتيح لها القدرة على الوصول إلى المستوى الفني الذي يمكّنها من تصنيع السلاح النووي، في حالة اتخاذ قرار سياسي بذلك. معنى ذلك أن كل يوم يمر يقرب إيران أكثر من القدرة على تحقيق هذا الهدف، وهو ما يفسّر سعي "إسرائيل" الدؤوب لجر الولايات المتحدة نحو الاشتراك معها في توجيه ضربة عسكرية ساحقة لتدمير برنامج إيران النووي. 

ولأنّ إدارة بايدن لا تزال تعتقد أن الدبلوماسية هي الوسيلة الأنسب للتعامل مع هذا الملف، وأن اللجوء إلى العمل العسكري ينبغي أن يكون بمثابة الملاذ الأخير، فسوف يواصل نتنياهو، الذي يرى في النظام الإيراني نفسه تهديداً وجودياً لـ"إسرائيل"، محاولاته الرامية إلى استفزاز إيران بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الوسائل العسكرية، مطمئناً إلى أن الولايات المتحدة لن تترك "إسرائيل" تخوض بمفردها مواجهة عسكرية شاملة مع إيران، غير أن هذا النهج الذي يؤدي إلى الانزلاق التدريجي نحو حافية الهاوية يبدو محفوفاً بالمخاطر ومبنياً على حسابات وتقديرات جزافية.

الثاني: يتعلّق بالحرب الدائرة حالياً في الساحة الأوكرانية، فقد انخرطت الولايات المتحدة عميقاً في المشاركة في هذه الحرب، وإن بشكل غير مباشر، وخصوصاً بعد قرارها تزويد أوكرانيا بالدبابات والأسلحة الهجومية، ما يعكس إصرارها على إلحاق هزيمة إستراتيجية بروسيا في الساحة الأوكرانية، لأنّ تبنّي هذه السياسة يؤدي تلقائياً إلى دفع الولايات المتحدة نحو ممارسة أقصى قدر من الضغوط على حلفائها، ومنهم "إسرائيل" بالطبع، لتقديم المزيد من الدعم العسكري لأوكرانيا. 

ليس من المستبعد تخلّي حكومة نتنياهو عن سياسة الحياد الظاهري التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب الأوكرانية في شباط/فبراير الماضي، وأنْ تقدم على اتخاذ قرار بتزويد أوكرانيا بأسلحة إسرائيلية هجومية، على أمل أن يساعد ذلك على تغيير موقف إدارة بايدن فيما يتعلق بالسياسة التي ينبغي تبنيها تجاه إيران وبرنامجها النووي، غير أن مثل هذا القرار ستكون له تداعيات كبيرة على الساحة السورية، وربما يؤدي إلى تعقيدات قد لا تستطيع "إسرائيل" تحمّل عواقبها.

الثالث: يتعلّق بالموقف من الفصائل الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة. من شأن التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية، الذي بدأ يأخذ أبعاداً أكثر خطورة في ظل حكومة نتنياهو الحالية، دفع الفصائل الفلسطينية المسلحة للرد عسكرياً على الاستفزازات الإسرائيلية المتكرّرة، خاصة إذا تعلّقت بالمسجد الأقصى، وهو ما قد يدفع حكومة نتنياهو بدورها إلى القيام بعملية عسكرية جديدة واسعة النطاق في غزة. ولأنّ الأوضاع في المنطقة وصلت إلى درجة عالية من التوتر ومن التداخل والتشابك في الوقت نفسه، فليس من المستبعد خروجها عن نطاق السيطرة.

أخلص من ذلك كله إلى أن الحكومة الحالية في "إسرائيل" تواجه على الصعيدين الداخلي والخارجي تحديات تبدو أكبر من قدرتها على التعامل معها بالحكمة الواجبة. ولأنها من نوع التحديات الذي قد يعرّضها للتفكّك والسقوط، وهو ما لا يستطيع الوضع الداخلي في "إسرائيل" احتماله بعد 5 انتخابات برلمانية مبكرة في أقل من 3 سنوات، يرجح أن تواصل حكومة نتنياهو عملية الهروب إلى الأمام بالتصعيد المستمر ضد الفلسطينيين، حتى ولو أدى ذلك إلى انفجار الأوضاع في المنطقة برمتها.