هل سلَّم اللبنانيون بقدوم الفوضى؟

لا شيء في الأفق ينمّ عن تسوية دولية أو إقليمية مقبلة مع انعدام الحوار الداخلي، وهذا مبعث للقلق، وخصوصاً حين نلمس أنَّ للعالم اهتمامات وقضايا أخرى لا يعد لبنان في جدول أجندتها.

  • هل سلَّم اللبنانيون بقدوم الفوضى؟
    هل سلَّم اللبنانيون بقدوم الفوضى؟

تُجمع المجتمعات، أي مجتمعات، حتى القبلية، على ضرورة وجود ناظم يدير شؤون القبيلة عبر قوانين وأعراف تتماشى مع ثقافتها وعاداتها وتقاليدها. حتى المؤسسات الدولية التي تخطّط للدول اقتصاداتها، والتي كانت تتشدد بإطلاق يد القطاع الخاص على حساب تقليص دور الدولة، عادت ورضخت بعد تجارب عديدة للاعتراف بدور مؤثر للدولة كنظام، وبمؤسساتها كإدارة تنفيذية مع تأهيلها وتطوير مهاراتها، باعتبار أن لا بديل من الدولة.

في لبنان، نعيش اليوم في شبه دولة. وبدلاً من السعي لقيامتها، ترى البعض يمعن في تدمير ما تبقى من شبه هذه الدولة وتقويضه. 

وإذا كان ملء شغور مقام الرئاسة الأولى، أي رئاسة الجمهورية، لا يستوي بقرار داخلي فقط، كما علمنا التاريخ، وإذا كان الفراغ قد تدرج كعرف بعد انتهاء ولاية كل رئيس، فما الذي يمنع تفعيل دور السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب كامل الأعضاء وسيد نفسه، وعمل السلطة التنفيذية المتبقية والمتمثلة بشبه حكومة ودعمهما لإدارة وتدبير شؤون الناس الملحة في هذا الظرف القاتل على كل المستويات؟

هذا الظرف لا يحتمل الدلع السياسي والإحجام عن المشاركة في عمل المؤسسات العامة والتصويب عليها لشلّها بذريعة شل عمل رئاسة الجمهورية، فالتعطيل لا يجب أن يواجه بالتعطيل، وخصوصاً حين يكون ملء الفراغ غير ممكن بكبسة زر، في وقت يتحضر المناخ ويُعبأ للضغط على زر الفوضى والتفلت الاجتماعي والأمني، نتيجة عدم القدرة على تحمّل الضغط المعيشي مع الانهيار الشامل لليرة اللبنانية وجنون الأسعار التي ينوء تحت حملها ما يفوق 85% من المواطنين والسكان.

المدعوون إلى الانخراط في تفعيل دور المؤسسة التشريعية هم أولاً المسيحيون بقادتهم وأحزابهم، أو قل بقادة أحزابهم، فلا وجود لأحزاب في لبنان، إنما هناك رؤساء أحزاب، والمحازبون ليسوا سوى جماعات ضغط، ونوابهم سمع وطاعة.

تعطيل الدولة لا يقود إلاّ إلى مزيد من التأزم والنزف واليأس، وإلى مزيد من أفواج الهجرة التي تجذب الشباب وحتى العائلات المسيحية بنسبة أعلى من باقي الطوائف.

هل يدرك من يمسك بمقاليد القرار لدى المسيحيين خطورة أدائهم أو أنهم ثابتون عند حدود محطات تضييع الفرص من أزمة إلى أزمة، من الوثيقة الدستورية عام 1976، إلى الاتفاق الثلاثي عام 1985، الذي حل عنه توأمه اتفاق الطائف بعد 5 سنوات (1990) على وقع حروب الإخوة داخل المجتمع والمناطق المسيحية، الذين مشوا خطوات هذا الاتفاق مستلحقين مكسورين في النهاية بفعل تقاتلهم الداخلي!

واليوم، أي فرصة سيضيعون؟ إذا كانوا مقتنعين بأن أي عقد اجتماعي جديد سيكسبهم امتيازات إضافية عما هم عليه في اتفاق الطائف، فهذا وهم بوهم، إلا إذا كانوا ينحون نحو التقسيم أو الفدرلة... ويخشى أن تكتب مع هذه الخيارات نهاية الحكاية مع لبنان.

غريب كل يجري. أمام كل المستجدات، لا يمكن أن تفوز بخبر أو معلومة جديدة. الوضع المقلق يعلق على نفسه بنفسه. وحده الدولار الأميركي يمكن مراقبة قفزاته وتلمسها، ومعه أسعار كل السلع التي تحلّق فوق قدرة الناس على تحملها إلى درجات تفوق الاستيعاب، وما هو أخطر أن الفرقاء جميعهم يقرون بانسداد الأفق واستحالة قيام أي مبادرة ونجاحها، وتراهم كأنهم قد سلموا بقدوم الفوضى.

باستثناء اللقاء الخماسي في باريس الذي ضمّ ممثلين عن أميركا والسعودية وقطر ومصر وفرنسا، وانتهى بلا شيء، والزيارة البرلمانية التي قام بها عدد من النواب إلى واشنطن، التي لم يفز أعضاؤها بلقاء، ولو يتيم، على مستوى عالٍ، لا شيء في الأفق ينمّ عن تسوية دولية أو إقليمية قادمة، مع انعدام الحوار الداخلي.

هذا مبعث للقلق، وخصوصاً حين نلمس أنّ للعالم اهتمامات أخرى وقضايا أخرى لا يعد لبنان في جدول أجندتها... لكنَّ هذا العالم لا ينفك يتحدّث عن الوضع فيه بسلبية مطلقة، وأن لا منفذ ولا مخرج في المدى المنظور، ويضع شروطاً يحمّل اللبنانيين وزرها ومسؤوليتها: "عليكم استبدال المنظومة الحاكمة الغارقة بالفساد".

إنها سيمفونية يسمعها كل زائر لدول الغرب الأميركي والأوروبي. بالفعل، إنها سيمفونية مضحكة مبكية، فاستبدال المنظومة يتطلب في لبنان تغيير الشعب إذاً. ومن لم يصدّق فليقرأ نتائج انتخابات أيار/مايو 2022. هل يريد الغرب من اللبنانيين استبدال زعمائهم والإتيان بآخرين على مثال "النواب التغييريين الـ13 الذين أنجبتهم نتائج صناديق الاقتراع؟ 

النموذج الذي قدّمه هؤلاء بأدائهم لا ينم إلا عن خفة وقلة خبرة سياسية في بلد أكثر ما يحتاج إلى حنكة سياسية وحكمة، فهو يحوي 18 طائفة وقرابة 3 ملايين لبناني لا يجيدون إلا التعاطي السياسي كأولوية، ولسان حال غالبية من اقترع للنواب التغييرين "براعم ثورة تشرين": "تنذكر وما تنعاد"، بعدما خرجوا حاصدين الخيبة والخجل.

قال موظف أميركي من الدرجة الثانية في الإدارة الأميركية أمام مجموعة من الإعلاميين، بعضهم لبنانيون: ما زال اللبنانيون يجدون إلى اليوم ما يأكلونه على طاولة الطعام. قد يأتي يوم لا يجدون فيه ما يأكلونه.