ما بعد رئاسيات الجزائر.. المشهد المأزوم

منذ شباط/ فبراير الماضي استيقظ الشعب الجزائري على نحو ٍمُفاجئ من سباته السياسي الذي كان يغطّ فيه مُكرَهاً، وشهدنا كيف عادت شُعلة الوعي لتتّقد في وجدانه. وكما عكست هذه الاستفاقة بوارق الحرية والنهضة في مستقبل الجزائريين، فقد كشفت أيضاً عن الهوَّة العميقة بين الشعب الجزائري وحكّامه، وأظهرت مقته لكلّ ما يمتّ إلى السياسة بصلة، أشخاصاً وأحزاباً. 

  • ما بعد رئاسيات الجزائر.. المشهد المأزوم
    عبد المجيد تبون يفوز بالانتخابات الرئاسية

 

ليست حال التشظّي بين مؤيّدٍ ومعارضٍ للانتخابات التي تُميِّز المشهد السياسي الجزائري الراهِن سوى عارض من أعراض أزمة الثقة التي ورثها الجزائريون عن فترة حُكم بوتفليقة. إنّ هذه الأزمة بكلّ أبعادها ستكون بلا ريب العقبة الأولى والأكبر في درب الرئيس القادم. 

 يجدر أنّ نستذكر في هذا السياق أن مُعضلة الثقة التي أسَّست لأزمة الشرعية في المنظومة السياسية الجزائرية هي النتيجة الخائِبة لما حصل للجزائريين خلال العقدين الأخيرين وما قبلهما، وكوَّن لديهم عقدة ريبة شبه مُزمِنة يعسُر نسيانها وقد يستعصي تجاوزها خلال عهدة واحدة.

لا يزال الجزائريون يستذكرون سلوكات الخِداع التي كانت السلطة تحترفها وكيف كانت تختلس إراداتهم وآمالهم وتستهزئ بعقولهم لدى كلّ استحقاق، وكيف كانت تتعامل معهم كقطيعٍ انتخابيّ توجّهه نحو صناديق الاقتراع بأساليب التخويف الأمني المقيت، أو بالإغراء الحقير، كي تعبث في النهاية بالنتائج مثلما شاءت.

فلنعترف بأنّ طيفاً كبيراً ممَّن يستمسكون بخيار الشارع إلى غاية الآن إنما يستمسك به لأن تبعات عقدة الريبة وفُقدان الثقة المُتأصّلة في وجدانه أكبر من كل إرهاصات التغيير التي لاحت في أفق الجزائر منذ شهور، ولأن توجسّه من مواربات السلطة والجيش هو أكبر إلى غاية الآن من كلّ "عرَّابي" الثقة التي قدّمت والتي كان آخرها الشروع في محاكمة رؤوس طغمة الفساد الأمني والسياسي والمالي التي استأثرت بالحُكم وأهدرت مُقدَّرات البلاد خلال حُقبة بوتفليقة. 

المنتمون إلى هذا الطيف السياسي لم يتخلَّصوا في الحقيقة من موروث الشكّ في كل ما يصدر عن السلطة والجيش وظلّـوا أسرى لهذا الشعور الذي يقف حائلاً بينهم وبين تقبّل مسار الحلّ المُقرَّر. وبإلحاحهم على موقف الرفض المُطلَق للانتخابات رفضوا آلياً الرئيس الذي ستفرزه مهما كان، وهم بسلوكهم هذا تموقعوا مُبكّراً في صفّ المعارضة وسيكون التحدّي بالنسبة إليهم في المرحلة المقبلة هو تشديد الضغط على الرئيس والمُراهنة على إفشاله، ليس لأنهم ضدّ مسار الانتقال الديمقراطي الذين هم أصلاً جزءٌ منه وشاركوا في استئنافه منذ 22 فبراير/شباط، بل لأنّ رؤيتهم للحلّ لم تطبَّق ووجدوا أنفسهم أمام خطّة الأمر الواقع التي فُرِضت من الأعلى وطُبِّقت من دون أن يُشرَكوا فيها. 

إلى هؤلاء، سيقع على عاتق الرئيس علاج أزمة الثقة لدى صنفين آخرين من الناس: 

أوّلاً، أولئك الذين اقتنعوا بخيار الانتخاب كحلٍّ يؤسِّس لنقلةٍ جديدةٍ في مسار النظام، بيد أنـّهم لا يثقون بما يكفي في أنّ المسار الجديد سيوصلهم إلى الهدف الذي نشدوه يوم خرجوا إلى الشارع ومازالوا متوجّسين من نوايا النظام في المرحلة المقبلة. 

ثانياً، أولئك الذين لم يشاركوا في الحراك لكنهم يعتبرونه ثورة ويتوقّعون منه الإنهاء الفوري لكل المشكلات الموروثة عن النظام السابق فيشرعون في عملية مُساءلة ومُحاسبة مُبكِرة، فبالنسبة إليهم، بمُجرَّد أن يحسم أمر الانتخابات ويتسلّم الرئيس الجديد الحُكم ستنتهي في أذهانهم المرحلة الانتقالية فيتعجّلون المطالبة بإنجازات ملموسة.  

أمام هذه الفئات، من الواضح أنّنا نتـّجه نحو ظرفٍ سياسيّ شديد التعقيد سيفرز رئيساً ضعيف الشرعية، بهامِش مناورةٍ ضيِّق، تبدو المعالم الكبرى لبرنامجه جليّة، وجزءٌ واسع من أجندته السياسية - على المَديين القريب والمتوسّط - قد سبق للحراك فرضها وحَدّدت بوصلتها خطّة التغيير التي شُرِع في تطبيقها منذ سقوط رؤوس الفساد ورموزه.

ومن دون أن يعمل الرئيس المقبل على مُعالجة مُعضلة الشكّ وردم هوَّة الثقة، ولو نسبياً، بينه وبين المُشكّكين والمُتوجسّين سيصعب عليه تحصيل الشرعية والاستقرار اللازمين لتنفيذ برنامجه وإدارة جهاز الدولة. حتّى مشاريع التنمية وورَش العمل التي ستُطلَق في كل القطاعات سيصعب تسييرها وستتبعثر الجهود وتتحطّم المساعي أمام جدار الثقة المُنعدِمة وما ستفرزه من شرعيةٍ مُهتزّةٍ للرئيس.

لذا، فإنّ التسريع بإجراءاتٍ فعليةٍ لبناء الثقة بين السلطة والشعب بدءاً من الابتعاد عن التفرّد الحزبي في تشكيل الحكومة وفتح حوار وطني جادّ يعمل على تجديد النُخَب السياسية ويُصحِّح اختلالات نظام الحُكم والمنظومة السياسية عموماً ستكون بمثابة مفاتيح لتخفيف عبء المرحلة على الرئيس. وأهم مما سبق، أن تُشرَك جهود الفعاليات المختلفة لصناعة خارطة سياسية بعيدة عن رواسِب الماضي وأحقاده وصِراعاته. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسام حمزة

أستاذ بالمدرسة العليا للعلوم السياسية في الجزائر

إقرأ للكاتب

سابِقة لم تشهدها الجزائر.. دموع الرجال

عشرات الآلاف من الجزائريين ردّوا للمُجاهِد جميله بأن أقاموا له جنازة شعبية مُهيبة لم تُضاهِها في...