بواخر إيران إلى فنزويلا.. دروس كسر العقوبة الأميركية

صحيح أنّ فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي للنفط في العالم، ولكنها تمرّ بظروف تقنية صعبة تمنعها من تكريره بالشكل المطلوب، وبالتالي الحصول على مشتقاته من البنزين والسولار وغيرها. ولهذه العوائق التقنية قصة قصيرة نرويها هنا.

  • بواخر إيران إلى فنزويلا.. دروس كسر العقوبة الأميركية
    أرسلت إيران 5 بواخر تحمل معها حلين للأزمة

 

مثلّث العقوبات والماكينات ومدخلات الإنتاج

في العام 2002م، تمكّنت المعارضة الفنزويلية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركيّة، من شلّ قطاع النفط في البلاد، من خلال دعوة الإدارات الوسطى والعليا إلى الإضراب (المتضررة من السياسات الاشتراكية التي أنصفت الشّريحة الأوسع من العمال)، الأمر الذي سبّب تعطّل كلّ الأنظمة التقنيّة التي تقوم عليها شركة النفط الفنزويليّة، إضافة إلى تعطيل ناقلات النفط في البحر. 

كانت الرسالة الأميركية واضحة: محاولة تركيع الحكومة البوليفارية عبر منعها من استخراج النفط، ومنعها من نقله، وبالتالي تجفيف مصدر الدخل الأساسي في الاقتصاد الفنزويلي، وتأليب الناس ضد نظام الثورة البوليفارية بعد تعطّل نظام النقل وشحّ المشتقات النفطية اللازمة للتدفئة، بسبب شحّ النفط المستخرج أساساً.

 لم تغطِ وسائل الإعلام بالشكل الكافي آنذاك التدخّل الهندسي الإيراني لمعاودة تشغيل ماكينات الشركة العملاقة عبر آليات الهندسة العكسية، وتجاوزت الحكومة البوليفارية المحنة، وسقط شعار المعارضة المتداول آنذاك: "2002م من دون أعياد، 2003م من دون هوغو تشافيز".

لا تختلف الموجة الأخيرة في هدفها عن حادثة العام 2002م، فالولايات المتحدة الأميركية ما زالت تحمل المشروع نفسه ضد الحكومة البوليفارية، ولكن هذه المرة عبر تعطيل الخطوة الثانية من خطوات الإنتاج، وهي التكرير، إما بمنع وصول المواد الكيماوية اللازمة للحصول على البنزين، وإما بمنع وصول قطع الغيار، وبالضغط على الشركات العالمية التي تساعد في هذه الخطوة من الإنتاج. كل ذلك يجري على قاعدة: ماذا ستفعل فنزويلا بالنفط من دون مشتقاته؟

"Citgo" هي شركة مملوكة من شركة النفط الفنزويلية، ومقرها في الولايات المتحدة، ودورها الرئيسي هو تكرير النفط وإعادته إلى بنزين، سواء إلى محطات المحروقات أو إلى شركة النفط الفنزويلية نفسها. 

في عملية سرقة منظّمة، قطعت الشركة علاقتها مع الشركة الأم (شركة النفط الفنزويلية)، وتكدّست عوائد الشركة لصالح الاقتصاد الأميركي وغوايدو، الأمر الذي يعني تقويض استقرار فنزويلا من دون تكاليف مباشرة، وإنما بأموال واحدة من شركاتها التاريخية. 

تمتلك فنزويلا 18 معالجاً لتكرير النفط واستخراج البنزين، 12 منها خارج البلاد (على شاكلة "citgo")، و6 داخل حدود البلاد. ما سعت إليه الولايات المتحدة منذ أكثر من عام ونصف العام، هو العمل على قطع العلاقة بين هذه المعالجات والشركة الأم قدر الإمكان (على سبيل المثال، هي لا تستطيع قطع العلاقة مع معالج موجود في كوبا)، وتضييق الخناق على المعالجات في الداخل من ناحية وصول المواد الكيماوية اللازمة وقطع الغيار. 

الحل الإيراني 

أرسلت إيران 5 بواخر تحمل معها حلين للأزمة؛ علاجاً طارئاً يخفّف من التبعات المباشرة، وعلاجاً طويل الأمد: الأول وقود جاهز يعيد الحياة إلى فنزويلا، والآخر ما يلزم من مدخلات لإنتاجه في الوحدات التشغيلية اللازمة (قطع ومواد كيماوية). ويجب الانتباه هنا إلى أنّ النفط في العالم ليس مادة متماثلة تماماً، ووحدات التكرير ليست متماثلة أيضاً، ما يعني أن ما أرسلته إيران من هذه المواد والقطع معدلة لغايات الاستخدام الفنزويلي بشكل خاص، ما يعني أنها بذلت جهداً بحثياً لتقديم الحل. 

سفن فورتشين (وصلت)، وبتونيا، وفورست (تصل في السابع والعشرين من الشهر الجاري)، وفاكسون (تصل في الثلاثين من الشهر الجاري)، وكلافيل (تصل في الثاني من حزيران/يونيو)، قدّمت للعالم دروساً أهمّها:

أولاً: تفقد العقوبات الأميركية فعاليتها عندما تمتلك الأمم ثرواتها، وأساليب الاستفادة منها، وأساليب نقل مخرجات معالجتها. إن العقوبات المالية تقف على أكتاف التحكم بالصناعة ومعرفة التقنيات العلمية. وعندما تُسحب أوراق الضغط الأميركية هذه من يد المستعمر الأميركي، تضعف قدرة العقوبات على التأثير. 

ثانياً: إنّ لعبة الإعلام القائمة على تشويه صورة الحكومة البوليفارية، وتصويرها كعاجزة عن إدارة البلاد، ما هي إلا الخطة الثانية من الحرب على فنزويلا، فتعطيل إنتاج الوقود عبر الخطوات المذكورة سابقاً، يعطّل معه وصول الخضار والفواكه من المزارع إلى الناس، ويعطل وصول الأطباء والمرضى والأدوية إلى المستشفيات. في ظل جائحة كورونا، تمارس الولايات المتحدة كل ذلك، محاولةً تكريس هيمنتها. 

ثالثاً: إن قوانين العقوبات انتقائية، ففي الوقت الذي طاردت الإدارة الأميركية الشركات العاملة في قطاع النفط الفنزويلي: Repsol الإسبانية، وENI الإيطالية، وRosneft الروسية، إلا أنها سمحت لشيفرون في استكمال مشاريعها الموقعة مسبقاً مع شركة النفط الفنزويلية. 

رابعاً: إن العالم المعادي للولايات المتحدة الأميركية، يبني اليوم شبكته الخاصة من المؤسسات العلمية والإنتاجية، الأمر الذي يجعل السيطرة عبر الدولار أمراً غير قابل للتطبيق. 

لقد تم تكثيف الرد في صورة واحدة؛ صور الشهيد قاسم سليماني والزعيم الراحل هوغو تشافيز، في انتظار وصول الباخرة التي كسرت الهيبة الأميركية. نعم، لقد غيّروا العالم!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد فرج

كاتب وباحث أردني، صدر له "الرأسمالية وأنماط الهيمنة الجديدة"، "مخاطر التمويل الأجنبي - المراكز والمنظمات (غير الحكومية)"، جزر السياسة المعزولة.

إقرأ للكاتب

التحوّل الصّينيّ وتحوّل العالم

يمكن القول إنَّ برنامج التحديثات الأربعة المطروح في العام 1978م، زرع الأعمدة الأربعة الأهم في...

أمن الخليج.. نظام ما بعد الأسرلة

يقف أمن الخليج اليوم أمام مرحلة رابعة هي الإعلان الرسمي عن مشروع الأسرلة، والحماس الخليجيّ...

من يخشى نهاية البنوك؟

تجد البنوك نفسها في مواجهة طموحات شاب مثل مارك زوكربيرغ في رؤية فايسبوك يوماً بمثابة بنك مركزي...

سد النهضة.. من خدمة الأمركة إلى خدمة التطبيع

"إسرائيل" حاضرة في دول حوض النيل من خلال الاقتصاد والاستثمار ودعم عدد من القبائل.

رحلة التّطبيع في الاقتصاد الإماراتيّ

ثمة زاوية يُقرأ منها اقتصاد الإمارات، ترتبط تماماً بسياسة التطبيع، وربما تكشف لنا استقراءات حول...

الجائزة الاستراتيجية التي يبحث عنها الأتراك في ليبيا

توظيف نظرية اقتصاد الكوارث يبدو فعالاً بالنسبة إلى أنقرة، كي ينتعش اقتصادها على رماد الدمار في...