تصفية الحسابات في أوجها: هل ينقذ الحريري ما تبقى له؟

الخاسر في الشكل خلال جلسة البرلمان اللبناني، الإثنين الماضي، هو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، فيما الخاسر الحقيقي هو سعد الحريري، وما حصل لا بدّ من أن يكون له تأثيره المباشر في تشكيل الحكومة.

  • كان الحريري يتباهى بأنّه سيعود إلى الحكم جنباً إلى جنب رياض سلامة
    كان الحريري يتباهى بأنّه سيعود إلى الحكم جنباً إلى جنب مع رياض سلامة

قبل بضعة أسابيع، فاجأ الوفدُ اللبنانيُ المفاوضُ في الناقورة الوسيطَ الأميركيَ بخرائط تسقط كلّ الرهانات الأميركية في ملف إنجاز ترسيم الحدود البحرية، وتعيدها إلى ما قبل الصفر بكثير. بالتوازي، كانت رئاسة الجمهورية اللبنانية تتجاوز كل الخطوط الأميركية الحمراء في ما يخصّ عدم التجديد لمدير الاستخبارات في الجيش اللبناني، في ظلّ تجاهلٍ كاملٍ لرسائل التهديد والوعيد الأميركية.

وبالتوازي أيضاً، كانت المستشارة المقرّرة في مجلس شورى الدولة، ريتا كرم، تصدر تقريراً يُبطل مرسوم تمديد عقد "سوليدير" لعشر سنواتٍ إضافية، لينتهي في العام 2019، وتدرس طلب إعادة المحاكمة في الدعوى المقدّمة من صاحب فندق "السان جورج" فادي خوري، وهو ما أيّده مفوّض الحكومة المعاون لدى مجلس شورى الدولة.

وفي الوقت نفسه، كانت رئاسة الجمهورية تتوجّه برسالةٍ إلى المجلس النيابي حول التدقيق الجنائي، ليسارع رئيس المجلس النيابي نبيه بري إلى تحديد موعدٍ بسرعةٍ استثنائية لمناقشتها. وعلى نحوٍ فاجأ القصر الجمهوري نفسه، كان المجلس يُقرّ بالإجماع رفع الغطاء السياسي عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي يصرّ على عدم تسليم المستندات المالية المطلوبة.

وقد انشغل الرأي العام هنا بمفهوم التوصية وتفسيرها، فيما كنّا في واقع الأمر أمام قوى سياسيةٍ تنتقل من مرحلة الدفاع الشرس عن موقف سلامة إلى مرحلة مطالبته بالاستسلام، وهو ما شكّل هزيمةً معنوية كبيرة له، عمل إعلامه على التخفيف من وطأتها.

في هذا الوقت، كان ملفّ المهجرين يتقدّم في القضاء بوصفه أوّل ملفٍّ كاملٍ متكامل من الناحية القانونية، لينشغل وليد جنبلاط إثره بحماية نفسه بدلاً من حماية الآخرين. وكان رئيسا الجمهورية ومجلس النواب ينجحان في تعطيل الألغام التي حاول جهاز أمني إقليمي زرعها بين بعبدا وعين التينة، وإذا بالرئيس بري يدعو إلى جلسةٍ تشريعيةٍ، وهو يعلم مئة في المئة أنّ قوانين التدقيق الجنائي ستكون حاضرةً فيها، وها هو يُحدّد موعد الجلسة يوم الإثنين، فتطلب الرئاسة الأولى ليل الخميس من النائب إبراهيم كنعان تقديم اقتراحه في ما يخصّ التدقيق الجنائي.

في رسالته إلى المجلس، لم يطلب الرئيس عون إقرار قانونٍ، ولم يتقدّم أحدٌ من النواب بقانون أيضاً، إنما كان المطلوب قرار توصية، وهو ما حقّقه الرئيس بري. أمّا في جلسة الإثنين، فقد استنفر الرئيس عون النائب كنعان لتقديم قانونٍ وفعل كل ما يلزم لإقراره. وهنا، كانت مخارج تطييره أو تأخيره أو تضييعه في اللّجان كثيرة، إلاّ أنّ رئيس المجلس فعل كل ما يلزم لإقرار قانونٍ يرفع ورقة التين عن حسابات سلامة.

والمفارقة أنّ أوّل الأشخاص الذين سارعوا إلى رفع أيديهم تأييداً لقانون رئيس الجمهورية مدمجاً باقتراحات قوانين، هم الذين كانوا يستشرسون في الدفاع عن سلامة، من الاشتراكي إلى المستقبل، مروراً بحركة أمل. وعند تغيّر موازين القوى الإقليمية، تغدو الأولوية لدى الأفرقاء السياسيين هي حماية أنفسهم.

ساد الصمت: الأطراف الذين كانوا يقولون إنّ التدقيق كما ورد في قرار التوصية مستحيل لعدم وجود شركة في العالم قادرة على التدقيق في حسابات جميع المؤسسات في الوقت نفسه، فقدوا حجّتهم حين قرأوا في القانون الجديد أنّ التدقيق يبدأ من مصرف لبنان، ثم يتوالى ليطال المؤسسات الأخرى، ولم يبقَ لهؤلاء سوى القول إنّ رفع السرية عن الحسابات لعامٍ واحد لا يكفي، رغم أنّ الشركات التي تقدّمت سابقاً بأوراق اعتمادها طلبت أقلّ من ستة أشهر لإنجاز مهمتها الأساسية. وفي حال وجود حاجةٍ إلى تمديد المهل، يمكن خوض معركةٍ في حينه بدلاً من "النق" بدءاً من الآن.

في النتيجة، كان سلامة يعتقد أنّ واشنطن ستحرّك بوارجها المحمّلة بالرؤوس النووية لحمايته، وإذا بها ترسل له كاميرا قناة خارجيّتها "الحرة"، ليعلن استسلامه ويلوّح على شاشتها بالرايات البيضاء. ورغم ذلك، كان الخاسر في الشكل، الإثنين الماضي، هو سلامة، فيما الخاسر الحقيقي هو سعد الحريري، وما حصل لا بدّ من أن يكون له تأثيره المباشر في تشكيل الحكومة، فمن يراقب حركة الحريري منذ طرح التدقيق الجنائي، لا بدّ من أن يلاحظ أنّه كان يطلب موعداً ويهرع إلى بعبدا حين يتقدّم التدقيق خطوة إلى الأمام، ومن ثمّ يراوح مكانه السلبيّ حين يراوح التدقيق مكانه السلبيّ، ويتراجع خطوتين إلى الوراء حين يتراجع التدقيق خطوة. 

عملياً، نجحت حكومة حسّان دياب في إيقاف واحدٍ من المسارات التدميرية العديدة التي اعتمدتها الحريرية حين قرّرت التوقف عن دفع الفوائد للدائنين. كانت تلك الخطوة أكبر صفعةٍ يمكن أن تُوجَّه إلى المشروع الحريريّ الذي قام على الاستدانة من أجل دفع الفوائد لما سبق استدانته، في انتظار اتفاقٍ سياسيٍّ كبيرٍ يمحو الديون وفوائدها، وإذا بحكومة دياب تنأى بلبنان عن الصفقات بقرارها عدم الدفع. 

أما المسار التدميري الثاني الذي حاولت حكومة دياب إيقافه أيضاً، فهو سريّة العمليات المالية. استنفرت الحريريّة لعرقلة حكومة دياب ومنعها من عدم الدفع، لكنّها فشلت. ورغم ذلك، تعلّمت من فشلها، وهرعت محاولةً إيقاف التدقيق الجنائي، مستفيدةً من مراهقة التكنوقراط الحكوميّ ممَثّلاً بوزيرة العدل ماري كلود نجم، التي تتعامل مع نفسها ومع الآخرين من منطلق أنها تعرف كل شيء، وأنّ كل شيءٍ سيسير وفق ما ترتئي، فيما تؤكد التجارب أنّ القوانين شُرّعت في هذا البلد لحماية الفاسدين، لا العكس. 

وعليه، كان الحريري يتباهى بأنّه سيعود إلى الحكم جنباً إلى جنب مع رياض سلامة، ليواصلا العمل بسياساتهما الاقتصادية والمالية كأنّ شيئاً لم يتغيّر، لكن ما كان واضحاً في الهيئة العامة لمجلس النواب يوم الإثنين الماضي، أنّ أشياء كثيرة تغيّرت فعلاً، وأنّ شرط الحريري إسقاط التدقيق الجنائي لتشكيل حكومةٍ عفا عليه الزمن. 

وإذا كان زمن التدقيق الجنائي الحالي يذكّر بزمن الإبراء المستحيل قبل بضع سنوات، فإن الفارق الرئيسي الذي لا يتنبّه إليه الحريري، كما يبدو، يتمثّل في تلك الرغبة العونيّة الغابرة في "عزّ أيام الإبراء المستحيل" بالتفاهم معه، بينما توجد - اليوم - قناعةٌ راسخةٌ لدى عون وباسيل وجميع العونيين باستحالة التفاهم أو التعايش معه أو بناء دولةٍ معه. 

وإذا كانت القاعدة العونية، قبل الوطنية، قد سمحت لقيادة التيار الوطني الحر سابقاً بالقول إنّها أدت واجبها بتحويل "الإبراء" إلى ملفٍّ قضائي يُفترض بالقضاء البتّ به، فإنّ القاعدة نفسها لا تهادن قيادتها اليوم، ولا تتقبّل أعذاراً نيابيّةً، ولا تنفكّ تسأل كل يومٍ، وكل ساعةٍ، وكل دقيقةٍ، عن الجديد في ملف التدقيق، على أمل تحقيقه نتائج مباشرة ملموسة.

في الخلاصة، تُخاض في البلد إحدى أكبر معارك النفوذ منذ إقفال صناديق الاقتراع الأميركية، وعلى نارٍ هادئةٍ جداً، بعضها مرئي (مما سبق تعداده)، وبعضها الآخر غير مرئيّ. القوات اللبنانية تتمايز كثيراً بقرارها في التعامل "على القطعة" مع جميع الاستحقاقات. وليد جنبلاط سيكون مضطراً إلى الانشغال بنفسه عن كل شيءٍ آخر أكثر فأكثر في الأيام المقبلة. الرئيس نبيه بري "يأخذها شخصية" على أكثر من مستوى. أمّا سعد الحريري، فتراه يتدرّج من القبول باحتفاظ الطائفة الشيعية بحقيبة المال، إلى القبول بحصول رئيس الجمهورية على وزارة الداخلية (والطاقة والعدل والتربية والاتصالات)، إلى القبول قريباً جداً بالمعايير الموحّدة المتمثلة بتسمية جميع الأفرقاء السياسيين المشاركين في الحكومة لوزرائهم، وهو إذ يتأقلم مع حياةٍ سياسية في ظلّ سيف التدقيق، ولكنه لن يجد من يحرص على حفظ ماء وجهه، إذا ما واصل النائب السابق مصطفى علوش النطق باسمه والتشدّق بعراضاته الحالية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
غسان سعود

كاتب سياسي لبناني

إقرأ للكاتب

فشل ابن سلمان الذريع في لبنان

الدول لا تؤمن بفعل الخير محبّة بالخير، للدول أهداف سياسية، والأهداف السعودية في لبنان كانت ثلاثة.

روسيا ولبنان: مقاربة أكثر واقعيّة من الأميركيّ والفرنسيّ والمصريّ

عبر المواعيد اللبنانية في موسكو تقول الأخيرة للعالم إنها قوة عظمى تتواصل مع جميع الأفرقاء في...

هيل في بيروت: العودة إلى عون

خلال الزيارة، كان يصعب تكوين صورة عنها، لكن بعد بضعة أيام، بات ممكناً تكوين فكرة كاملة عما فعله...

دور فرنسا في لبنان.. حاميها حراميها

يستطيع السياسيون اللبنانيون أن يقولوا في العلن ما يشاؤون عن المبادرة الفرنسية التي كانت ملتبسة...

مع ماري كلود نجم في ضيافة جورج عبد الله

كانت نجم في زيارة عائلية إلى باريس، حين قرَّرت أن تزور عبدالله في سجن "لانيميزان"، لتُسجّل أوّل...

كلام مصطفى علوش: ابتزاز مستقبليّ للسّعودية أو تغيير محور؟

حين يجاهر النائب اللبناني السابق مصطفى علوش بقدرة الأتراك على ملء الفراغ، فإنه يقول ذلك...