الديمقراطية وشركات التقنية.. صفعة أخيرة لـ"نهاية التاريخ"

ترى الدراسة التي شارك فيها فوكوياما أنَّ شركات التكنولوجيا لا تمتلك قوة اقتصادية استثنائية فقط، وإنما قوة سياسية غير مسبوقة في عالم الشركات أيضاً.

  • إنه ببساطة السؤال الذي تجنبه فوكويوما عندما غامر في نحت عنوان
    إنه ببساطة السؤال الذي تجنبه فوكويوما عندما غامر في نحت عنوان "نهاية التاريخ": ماذا عن الاحتكار؟

 

رواية "نهاية التاريخ" هي باختصار ما كثَّفه الأستاذ الجامعي فرانسيس فوكويوما في مقولة بدء انتشار أفكار الديمقراطية الغربية وقيمها بعد انهيار المنظومة الاشتراكية في باقي دول العالم، وأننا سنشهد إنساناً جديداً بنسخة معمّمة ومعولمة، يسببها انتشار القيم السابق الذكر.

لم تكن القيم (لا في تجريدها ولا في حقيقتها) هي التي انتشرت من الغرب إلى الشرق، أو من الشمال إلى الجنوب، وإنما كانت الحرب!

بعد العدوان الأميركي على العراق، كان فوكويوما يعيش المأزق بين خيارين: صدق النبوءة أو مصداقية البحث. يعني صدق النبوءة أن يبحث فوكويوما عن مخارج نظرية وفكرية ممكنة تنعش فرضيته وترممها وتبقيها حية وقابلة للنقاش والتداول، وتعني مصداقية البحث أن ينتقد الرجل آراءه بشكل علني، بما يشكل انقلاباً عليها وتخلياً عنها واعترافاً بخطئها.

اختار فوكويوما طريقاً في المنتصف، فوجّه انتقاداته إلى المحافظين الجدد إبان الحرب على العراق، باعتبار أنَّ أذرع النظرية الرائدة انقلبت على التنبؤ المحتوم، وبدأت عبارات طريق "دمقرطة العالم" الطويل تسيطر على أعمال فوكويوما، وأيضاً أوصاف على شاكلة إصابة الماكينة الديمقراطية الأميركية بنزلة برد شديدة.

في عدد هذا الشهر من مجلة "foreign affairs"، يناقش فوكويوما ومجموعة كتاب آخرين أزمة أعمق للديمقراطية الأميركية، والتي لا يسهل الالتفاف عليها بتوصيفات من مستوى "نزلات البرد". إنها الطغيان السياسي للشركات التكنولوجية "غوغل" وآبل" و"فيسبوك" و"أمازون" و"تويتر".

ترى الدراسة المشتركة أنَّ شركات التكنولوجيا لا تمتلك قوة اقتصادية استثنائية فقط، وإنما تمتلك قوة سياسية غير مسبوقة في عالم الشركات أيضاً، فدورها في انتخابات العام 2016 يمثّل التهديد الأكبر في تاريخ "الديمقراطية الأميركية"، إذ إنها تمكَّنت من التحكم بما هو أبعد من المضمون، وصولاً إلى آليات انتشاره، واستهداف الفئة الأكثر التصاقاً به، وتعزيز غرائزها بما يكفي للتوجه إلى صناديق الاقتراع. إنَّ البيانات وحدها لا تشكّل خطراً، ولكن "تعدينها" ونمذجتها وتوظيفها وبناء القرارات بناء على ذلك كله يجعل من تلك الشركات قوة سياسية جبّارة حقاً.

يتساءل فوكويوما أنَّ المواطن العادي يعرف ارتباط مردوخ بـ"فوكس نيوز" مثلاً، وببساطة يمكنه تجنب مشاهدتها إن كان من المعارضين لأطروحاتها، ولكن هل يمكن فعل ذلك مع "فيسبوك"؟ 

إنه ببساطة السؤال الذي تجنبه فوكويوما عندما غامر في نحت عنوان "نهاية التاريخ": ماذا عن الاحتكار؟

تناقش الدراسة مقترحات لفكّ احتكار هذه الشركات للسلعة الاستراتيجية الأهم "المعلومة". وسبب البحث في آليات لفك الاحتكار هو التقليل من طغيانها السياسي، فالديمقراطية اليوم تجلس أمام شركات التكنولوجيا التي تضع بندقيتها على الطاولة، وتكون مستعدة لإطلاق الرصاصة في أي لحظة. لقد كان ذلك توصيفاً أكثر جدية من نزلة البرد! وحدها الدول التي تصنّف في لائحة "الشمولية" في أدبيات فوكويوما استشرفت هذه اللحظة، وفعلت ما يمكن فعله من الاعتماد على محركات بحث ومنصّات خاصّة بها. 

لم تنجح قوانين منع الاحتكار الأميركيّة في لجم هذه الشركات. إن بياناتها تنمو وتتضخَّم بتسارع كبير، بما يجعل نمو الشركات الصاعدة للمنافسة مسألة بغاية الصعوبة، فأن تعمّم محرك بحث جديداً يلحق بـ"غوغل" يحتاج إلى وقت طويل لبناء قاعدة بياناته الضخمة وخوارزميات البحث فيها، وبالتالي فعالية البحث، وبناء منصة جديدة تنافس "فيسبوك" يعلق في الأزمة نفسها. 

إنَّ ذلك يشبه ما وصفه "مفجّر الجامعات"، ثيودور كيجينسكي، في بيانه "المجتمع الصناعيّ ومستقبله"، بأزمة الخروج من النموذج الذي شكَّل حالة من التراكم. إنَّ هذه الشركات لا تحتكر حصصها في السوق، وإنما تحتكر السوق نفسه بقوة تراكمها المتسارعة التي لا تسمح لأحد بقطعها أو اللحاق بها، وتجعل من فكرة مغادرة المستخدمين لها انتحاراً إلكترونياً.

إنَّ فتح الباب لنقاش على هذا المستوى، وبقلم فوكويوما نفسه، يقود إلى استنتاجات أساسية لا بد منها:

أولاً: حتى قوانين منع الاحتكار التي كانت تسنّ في الولايات المتحدة في السبعينيات وما بعدها، لم تكن لتمنع شركات كبرى من الاحتكار في قطاعات الأدوية والنفط والصناعات الثقيلة. إنه قانون السوق الذي يهزم بند القانون من دون أن ينتهكه قضائياً. إنَّ مبدأ "دعه يعمل" الذي شجَّعته مدرسة شيكاغو، وأدبيات ميلتون فريدمان، وإدارتا ريغان وتاتشر، لم يمنع الاحتكارات من الولادة، الأمر الذي يؤكّد عضوية مكوّن الاحتكار في نظام الاقتصاد الأميركيّ.

ثانياً: لم يكن فوكويوما يريد أن يرى العلاقة بين الاحتكارات المحتومة وعالم السياسة، فهجومه الشرس على الشركات التكنولوجية التي تهدد قيم "الديمقراطية الأميركية" كان يجب أن يبدأ من الهجوم على شركات السلاح والتأمين والنفط وغيرها، والتي حرّكت الحرب على العراق بمبدأ "اقتصاد الكوارث". 

لم تكن هناك قيم ديمقراطية لتنتقل من الولايات المتحدة إلى خارج حدودها إلا في ذهن أكاديمي مفرط في التجريد، يؤبن عنوانه الشهير للمرة الأخيرة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد فرج

كاتب وباحث أردني، صدر له "الرأسمالية وأنماط الهيمنة الجديدة"، "مخاطر التمويل الأجنبي - المراكز والمنظمات (غير الحكومية)"، جزر السياسة المعزولة.

إقرأ للكاتب

"محسن ممتاز".. الحنين إلى شخصيَّة الاختراق الاستخباراتيّ

ماذا لو قررت السينما العربية إنتاج عمل جديد عن رفعت الجمال أو جزء محدث من "رأفت الهجان"، هل توجد...

أنيس النقّاش.. الثّورة التي لن تهدأ

إنها الحرية والثورة المتجاوزة في مخيلته حدود المكان، فهي التي تهبّ من فلسطين، ومن لبنان، ومن...

الصين والحرب الباردة التي لا تفهمها الولايات المتحدة

تبدو معركة أميركا مع الصين أمراً بالغ التعقيد، فبكين مندمجة أساساً في النظام الاقتصادي العالمي،...

فرنسا في غويانا.. صورتها في الماضي والحاضر

إنها غويانا، الجغرافيا التي تتكثف فيها الأمثلة الفرنسية من استثمار العبودية والجريمة والعنصرية،...

خطاب السيد حسن.. سطوة المعنى

كانت القطعة الأدبية التي ختم بها السيد نصر الله خطابه مشبعة بالمعنى، ولسان حاله يقول: ادرسونا...

الشهيد فخري زاده وحلّ الاغتيالات الذي لا ينفع

الإسرائيلي يعتبر أن عتبته العالية في المنطقة تنطلق من التفوّق العلمي، ويعتقد واهماً أن التخلّص...