مقاربة فلسفية للأزمة الاقتصادية في لبنان

يئنّ لبنان تحت وطأة أعبائه الاقتصادية والنقديّة بمباركة من نظامه السياسي. وإذا ما أردنا أن نخوض في مقاربة فلسفيّة للأزمة الاقتصادية الراهنة، فعلينا أن نتناول الجانب المعياري للاقتصاد.

  • مقاربة فلسفية للأزمة الاقتصادية في لبنان
    الأمور في لبنان متشابكة بين أزمتين سياسية نقدية واقتصادية

يئنّ لبنان تحت وطأة أعبائه الاقتصادية والنقديّة بمباركة من نظامه السياسي. وإذا ما أردنا أن نخوض في مقاربة فلسفيّة للأزمة الاقتصادية الراهنة، فعلينا أن نتناول الجانب المعياري للاقتصاد، لأن فلسفة الاقتصاد تترفع عن كل ما هو جزئي في تقييمها للأسباب العميقة لهذه الأزمة.

 وعلى الرغم من انكباب معظم الاقتصاديين على دراسة الجانب الموضوعي للاقتصاد، لأنه قابل للإثبات والتقييم، ويعتمد على التجربة والاختبار الحقيقي والواقعي، فلا يمكن إهمال الجانب المعياري الذي يقرأ الواقع الكلي، ويهتم بالطرائق التي ينبغي أن تحل بها المشاكل الاقتصادية التي تواجه المجتمع، ويعتمد الأحكام التقييمية في تأييد سياسة معينة من السياسات البديلة عند حل المشاكل الاقتصاديّة (أي اعتماد خطة إنقاذية).

لا يخفى على أحد أن الأمور في لبنان متشابكة، بين أزمتين سياسية نقدية واقتصادية تنتج منهما أزمات على المستوى الاجتماعي. وإذا ما أردنا تسليط الضوء على الأزمة الاقتصادية، فعلينا أولاً أن نتيقّن أن الجانب الريعي المعتمد في الاقتصاد اللبناني هو نظام هدّام ومقصود، يهدف إلى وضع الوطن تحت وطأة القوى الدولية، ويزدهر متى شاءت، ويبلى تحت ذل الاقتراض والحصار والجوع متى قررت، إذ إن الاستثمارات الخارجيّة والقروض الدولية غالباً ما تعمل وفق صيرورة العوامل السياسيّة الداخليّة-الخارجيّة، وهي شديدة التأثّر بعمليّة ضخ العملات الصعبة. لذلك، لا يمكننا الجزم بأن صندوق النقد الدولي يمثل خشبة الخلاص والانفراج للبنان.

إن مرتكزات النهوض بالاقتصاد تتمثل أولاً في قرار سياسي حقيقي، وثانياً عبر الاهتمام بالموارد البشرية، من طاقات وكفاءات وطنية، إذ إن الاستثمار الأول والأخير يكون في الإنسان، إضافة إلى المقدرات العملية والإبداعية، وثالثاً في إعادة الثقة والمصداقية بالاقتصاد، لأنها أحد المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها اقتصادات العالم.

ولا بدّ من أن يترافق ذلك مع سياسات المالية ملائمة تأخذ بعين الاعتبار احترام السلطة التنفيذية للسلطة القضائية. كما تجدر الإشارة إلى أن الثقة لا تكتسب من خلال الوعود الكلامية، إنما من خلال الرؤية الواضحة والجلية التي يمكن تسويغها على أرض الواقع.

رابعاً، يجب العمل بشكل فعال على مكافحة التهرب الضريبي وبسط يد الدولة والقضاء بشكل حاسم ومطلق. وخامساً، ينبغي الشروع بالملاحقات القضائية للعمل على استعادة الأموال المنهوبة.

أمام كل تقدم، أجد أنه لا مناص من الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الإنتاجي، رغم افتقار لبنان حتى الآن إلى المواد الخام الأولية، مثل الغاز والنفط وغيرها من المواد الأساسية التي يمكن أن تضعه على سكة الصناعة والإنتاج المنافس، علماً أن لبنان لا تعوزه الطاقات الشبابية الخلاقة والمبدعة التي تعيش على تماس مع كل ما هو جديد في هذا العالم، وهي طاقات تعتمد بشكل مباشر على القدرة الفردية والتأهيل الذاتي. 

بناء عليه، وكمرحلة أولى، نعتقد أن الاستثمار في هذه الطاقات الفردية من شأنها أن تؤمن منصة يمكن الانطلاق منها إلى بناء ثابت لاقتصاد ينطلق من نقاط القوة المتوافرة. على سبيل المثال، ونظراً إلى مؤثرات فيروس كورونا الذي يعيد تشكيل العالم الجديد، يمكننا التوجه إلى الصناعات الطبية وصناعة الأدوية، وهي صناعات راهنة وممكنة، وما تحتاجه فقط هو دعم الدولة لها ومؤازرتها.

إننا نؤكد ما يتفق عليه العديد من الاقتصاديين بأن الاستثمار التقني في البرمجة التكنولوجية والمكننة والتأليل، يعتبر من الأمور الأساسية لنهضة الاقتصاد، وخصوصاً الاقتصادات الرقمية. هذه القدرة لا تطلب بنى تحتية ورساميل، بل تتطلب عقولاً نيرة وإدارة حكيمة وقراراً جريئاً في المضي قدماً لحمل البلاد إلى ضفة الأمان من جديد...

ويؤكد كلامنا ما صرّح رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان في إحدى القنوات الإعلامية بأن قطاع الاستثمار في لبنان قادر على إعادة تفعيل قواه تحت أي ظرف. وبذلك، يوجد هذا القطاع بصيص أمل، من خلال التوجه إلى الاستفادة منه.

لا شك في أن لبنان هو حلقة مدّ وجزر في الصراعات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يؤثر فيه على المستوى الاقتصادي بسبب سوء السياسات الاقتصادية المبنية على الاستيراد فقط، ولا يمكن لأي اقتصادي، مهما كان بارعاً، أن يضع خطّة قصيرة أو طويلة الأمد لإنقاذه، لأنّ الأزمات الاقتصادية في لبنان متشابكة مع المنظومة السياسية التي تنصاع دائماً لصراعات القوى الكبرى والمحاور المتخاصمة، وهو سبب رئيسي يمنع الدول الضعيفة اقتصادياً من التموضع وفقاً لمصالحها.

 وبدلاً من ذلك، يقوم الأفرقاء، كما هو الحال في لبنان، بالتصارع حول مقاربة الأزمات واجتراح الحلول لها، فهل نتّجه شرقا أم غرباً؟ إن ما يحدد ذلك هو لعبة القوى على أرض الواقع، وبالتالي نميل كما تهوى القوى الغالبة والأكثر إمساكاً بمفاصل الاقتصاد والقطاع المالي، ولو كان ذلك على حساب مصلحة الدولة المتآكلة والمهترئة. 

السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه، والذي يحتاج منا التأمل قليلاً، هو: من الذي يحدّد البديل الأنسب والخيار الأمثل لصالح الدول الصغيرة؟ إلى أي جهة تلجأ؟ هل تتجه شرقاً أم غرباً؟ ومن يحكم بأفضلية الخيارات؟ 

لا بدّ لنا قبل الشروع في اختيار وجهتنا، وفي وضع خططنا الإنقاذية التي تنهض بالاقتصاد، أن نختار وطننا ومصالحه على مصالح الغير، وأن نمتلك قرارنا الحر والإرادة الصلبة لتحقيق ذلك، وبالتالي استقلالنا الذاتي الذي يفتح على التعاون مع أي اقتصاد في العالم متى تحققت مصلحته، وينأى عن الانخراط تبعية عمياء تكلّف الوطن أثماناً باهظة مادياً ومعنوياً.

أخيراً، وبعد ما تقدم، إننا نرى أن خلاص لبنان لا يمكن أن يكون إلا بالانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، وفق خطط رسميّة تسمح بالاستفادة من غنى موارده وترشيدها، إضافة إلى وضع دراسة تفصيليّة للظواهر الاقتصاديّة ومقاربتها مع النظريات الاقتصاديه المعاصرة، كما يحتم الواقع علينا أن نلجأ إلى "ثبات العوامل" وتحديد الغاية واعتماد الفرص البديلة، وهو ما يمكن اعتباره أحد الحلول العمليّة للأزمة الاقتصاديّة!

إن كلفة الفرصة البديلة تعتمد على حسن اختيار البديل، لأن كل اختيار يقابله خسارة معينة. لذا، علينا احتساب المكسب في الاختيار والمكسب في الخسارة. وإذا استطعنا أن نوقف الخسارة، فذلك يعتبر مكسباً أيضاً، وبعدها تأتي لعبة القرار النهائي، بحيث علينا أن نهتم بالاقتصاد السلوكي، لأنه باب من أبواب نجاح الاقتصاد، لاعتماده على العدالة في التوزيع، إذ إن هدف الاقتصاد الناجح هو تلبية الاحتياجات والرغبات وتوزيع الثروات بشكل عادل ومساواة تامة، ليبلغ المجتمع الهدف الأسمى، وهو تحقيق السعادة.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
كوثر توفيق شقير

حاصلة على ماجستير في الفلسفة والإعلام الثقافي والتوثيق