لبنان.. بين سقوط "الاقتصاد الوهميّ" وخطوات النهوض مجدّداً

لدى الدولة اللبنانية خيارات مهمّة وجريئة لتتخذها إذا رغب المسؤولون عنها في التوصل إلى حل جدّي.

  • لا يمكن للنظام السياسيّ أن يستكمل مسار الرهانات الخاطئة.
    لا يمكن للنظام السياسيّ أن يستكمل مسار الرهانات الخاطئة.

من أدبيات مهنة الطبّ ما يُقال إنّ "العمليّة نجحت، لكن المريض مات". هذا التوصيف ينطبق اليوم على الحالة اللبنانية، ففي فيلم الاقتصاد الوهمي الطويل الذي تعيشه البلاد، والتجاذبات السياسية وتحالف السياسة النقدية مع الفساد الإداري والحكومي، كانت النتيجة تدمير الليرة والاقتصاد، ورهن الأخير بالكامل للخارج بعناوين لا تمتّ إلى العلم الاقتصادي بصلة.

 

الخيارات الخاطئة

بعد الحرب الأهلية المدمّرة، دخل لبنان في مرحلة الخيارات الخاطئة ماليّاً واقتصاديّاً ونقديّاً، والتي كانت مقصودة ومخططاً لها، فأنتجت نظاماً ريعيّاً مرهوناً لسلسلة نقدية من دون أيّ رقابة، وباستغلال كامل لجميع مقدرات الدولة، فكيف حدث ذلك؟

1- دولرة الاقتصاد، أي تحويل الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد معتمد على الدولار الأميركي، خدمةً لسياسات نقديّة متحالفة مع الفساد اللبناني، وبارتباطات خارجية، لتسهيل إمكانية إخضاعه مستقبلاً.

2- ضرب القطاعات الإنتاجية، إذ تم إضعاف الصناعة والزراعة لمصلحة الاستهلاك، مع العلم أنّ هذين القطاعين كانا يغطيان 60% مما نستورده اليوم. هكذا تراكم العجز في الميزان التجاري. ومنذ العام 2010 إلى ما قبل تفجُّر الأزمة في العام 2019، بلغ المجموع التراكمي للاستيراد 193344 مليار دولار، مقابل صادرات بقيمة 34062 مليار دولار، أي بعجز وصل إلى 159282 مليار دولار، استناداً إلى بيانات المديرية العامة للجمارك.

3- النزاعات والمحاصصة والصراعات الطائفية وتقاسم المشاريع داخل الدولة.

4- الحروب الإسرائيلية المتكررة على لبنان وضرب البنى التحتية والتكاليف الكبيرة التي دُفعت لإعادة الإعمار.

5- سياسة الاستدانة وربط استقرار الليرة بالدين العام وتراكم الفوائد، إذ عانت المالية العامة ارتفاعاً في حجم الدين العام، وتالياً ارتفاع الفوائد الذي هدَّد بشكل مباشر الاستقرار المالي والاجتماعي، فوصل مجموع الفوائد التي تم دفعها إلى 87 مليار دولار، وبلغ الدين العام 93 مليار دولار، علماً أنّ نسبة الدين العام حتى حزيران/يونيو 2019 كانت موزعة بين 62% بالليرة اللبنانية و38% بالعملات الأجنبية. كما وُزّع الدين العام بين الدائنين على الشكل التالي:

- 30.5 مليار دولار لمصرف لبنان، أي ما يوازي 35.6% من الدين العام، 53% منها بالليرة اللبنانية.

- 45.6 مليار دولار للمصارف، أي ما يشكّل 53.2% من الدين العام.

- 9.6 مليار دولار للبلديات وصندوق الضمان الاجتماعي والمؤسّسات الدّولية والمتعهّدين، أي ما يعادل 11.2% من نسبة الدين.

6- الهندسات المالية والأرباح المصرفية التي وصلت إلى 6.5 مليار دولار خلال شهر واحد، وكانت كلفتها، إضافةً إلى الفوائد، أكبر من قدرة الأسواق على تحمّلها، لكنّها بُرّرت تحت عنوان مؤتمر "بازل" واستمرار طرح عناوين إصلاحية مرتبطة بمؤتمر "سيدر" الذي لم يتحمل لبنان بطبيعة الحال شروطه المعلنة وغير المعلنة، علماً أنّ الأرباح الصافية للمصارف بلغت 22.1 مليار دولار، إذ ارتفعت الأرباح من 63 مليون دولار في العام 1993 إلى 2.4 مليار دولار في العام 2018، علماً أنّ 73% من الأرباح استحوذت عليها 6 مصارف.

 

نتائج انكشاف الاقتصاد

في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، انكشف الاقتصاد الوهمي المدولر والنظام الريعي، ودخلنا في مرحلة النتائج التي كانت كالتالي:

1- حجز أموال المودعين في المصارف، والتي قدرت بـ112 مليار دولار، وبالتالي عدم قدرة أصحابها على سحبها أو الاستفادة منها.

2- حراك تشرين الأوّل/نوفمبر 2019 الَّذي انطلق عفوياً، وتحوّل مع الوقت إلى أدوات سياسية وجمعيات، منها الحقيقي، ومنها الخاضع لشروط السفارات وإملاءاته باسم المجتمع المدني وبشعارات مطلبيّة.

3- انخفاض الناتج المحلي من 56 مليار دولار إلى 17 مليار دولار خلال عام، وانخفاض الاستيراد من 22 مليار دولار إلى 6 مليارات دولار مقابل 2.8 مليار دولار للتصدير، إلا أنّ هذا الانخفاض لم تتم الاستفادة منه، لأنّ العجز في ميزان المدفوعات وصل إلى أكثر من 12.5 مليار دولار، بحسب تقارير البنك الدولي.

4- الحصار، وعقوبات أميركا وحلفائها على لبنان، ومنع تحويل الأموال إلى الداخل اللبناني، وحجب أي نوع من المساعدات، والضغط نحو عدم السماح بالسير بخيارات اقتصادية جديدة، ومنع الدولة من تنويع خياراتها الاقتصادية انطلاقاً من الشرق أو التواصل الطبيعي مع سوريا والعراق.

5- انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، وتداعياته السلبية على القطاعات الاقتصادية والمالية والاستثمارية كافة.

 

هل يمتلك لبنان القدرة على الحلّ وإعادة تقويم الأمور؟

لدى الدولة اللبنانية خيارات مهمّة وجريئة لتتخذها إذا رغب المسؤولون عنها في التوصل إلى حل جدّي، نلخّصها كالتالي:

أوّلاً: العمل الدؤوب على ملف مصادر الطاقة، أي الغاز، للتوصّل إلى تحديد أماكن المكامن، كخطوة أولى نحو استعادة الثقة الداخلية والخارجية، وكمدخل أساسي لإعادة حقوق المودعين.

ثانياً: تحديد قيمة الخسائر خارج نطاق التحالف بين الفساد الحكومي والسياسة النقدية، والتي تُقدّر بـ60 مليار دولار بعد احتساب الودائع (112 مليار دولار)، وخصم الاحتياطي (17 مليار دولار)، وقيمة الذهب (16 مليار دولار)، إضافةً إلى 18 مليار دولار تم تهريبها إلى الخارج.

ثالثاً: إقرار قانون "الكابيتال كونترول" وكسر استنسابية المصارف والسياسة النقدية والتدخلات السياسية لمدة عامين فقط.

رابعاً: التوجه إلى تطبيق خطة صناعية إنتاجية بعد تحديد حاجة الصناعة لمواد أوليّة بـ2.5 مليار دولار مقابل إنتاج لبنان 70% من احتياجاته على مستوى الأمن الغذائي الاجتماعي، وتحقيق دورة ماليّة كاملة تُقدّر بـ9.5 مليار دولار، إذ لم يعد مقبولاً أن تبلغ فاتورة استيراد الأدوية حوالى 1.25 مليار دولار، وفاتورة المواد الغذائية 1.5 مليار دولار. 

خامساً: ضرورة استكمال التدقيق الجنائي وحمايته بالقانون وعدم إسقاطه بالضربة الفاسدة.

سادساً: إقرار قانون استرداد الأموال المُهرّبة وتوظيفها في الإصلاح والإنتاج خارج نطاق النظام الريعي.

سابعاً: رفع السرّية المصرفيّة والحصانة عن الطبقة السياسية.

ثامناً: إعادة عادة إصلاح القطاع المصرفي وإخراجه من الشراكة السياسية.

تاسعاً: إقرار قانون جديد للضرائب ينطلق من الضريبة التصاعدية مقابل التأمينات الاجتماعية والتغطيات الصحية ومشروع نهاية الخدمة.

عاشراً: إعادة تفعيل وزارة التخطيط لوضع الأسس الصحيحة للمشاريع الإنتاجية، ومساعدة لبنان في اتخاذ خياراته وتوجّهاته الجديدة في الداخل على صعيد الصناعة والزراعة، إضافةً إلى التوجهات الخارجيّة التي يُفترض أن يكون عمادها تنويع الخيارات انطلاقاً من الشرق، والبعد الاقتصادي الطبيعي للبنان، من سوريا إلى العراق ووسط آسيا وروسيا والصين.

صحيح أنّ اللائحة طويلة، لكنّ مستقبل لبنان لا يُمكن أن يُبنى على النظام الحالي، ولا يمكن للنظام السياسيّ أن يستكمل مسار الرهانات الخاطئة، وخصوصاً مع وجود عدو حاقد في الجهة الجنوبية، فالعقد الاقتصادي الاجتماعي الجديد يحب أن يكون قدرنا من أجل إعادة النهوض من جديد، وهو ما نأمل أن يتحقق، لأنّ قدر الأحرار هو التوجه نحو المقاومة الاقتصادية لتحرير البلاد من الدولة العميقة وأشرارها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
زياد ناصر الدين

كاتب وباحث اقتصادي

إقرأ للكاتب

إلى المراهنين على صندوق النقد الدولي... هذا ما ينتظركم!

لطالما ارتبطت بهذا الصندوق عناوين عريضة ورنانة، من توفير المال الإنقاذي وتعزيز الاستقرار المالي،...

اقتصاد إيران.. معجزة الثورة

لو فُرضت هذه العقوبات على أي دولة في العالم الغربي أو ما يدور في فلكه من دول تعتمد على الاقتصاد...

"ماکنزي" بتفاصيلها وشياطينها

لم يعد عمل الشركات الاستشارية المالية العابرة للقارات بغطاء أميركي غافلًا على أحد، حتى وصلنا إلى...

الاستراتيجية الإيرانية للدفاع الاقتصادي

واجه الاقتصاد الإيرانيّ الذي صُنِّف عام 2010 كثالثَ أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، والتاسع...

إيران واقتصادها المقاوم: لغة خشبية أم مواجهة اقتصادية شاملة؟

تسعى الأنظمة القوية المستندة الى تفويض شعبي واسع، للحفاظ على الدولة المتمثلة بالارض والشعب...

هل سينقذ الاقتصاد الايراني أوروبا أم العكس؟

لم تعد الخيارات السياسية هي التي تتحكم بشكل كلي بالاقتصاد الأوروبي، إذ أن الإدارة المدمرة...