"منصّة القرم": مبادرة أوكرانيّة لتدويل الصّراع

تشرع كييف في تنظيم حملة سياسية - دبلوماسية - دعائية "لطرد" روسيا من شبه جزيرة القرم عبر جعلها في صدارة جدول الأعمال الدولي، واستحداث آلية للضغط على روسيا.

  • ها هي سلطات كييف تشرع في تنظيم حملة سياسية - دبلوماسية - دعائية
    ها هي سلطات كييف تشرع في تنظيم حملة سياسية - دبلوماسية - دعائية "لطرد" روسيا من شبه جزيرة القرم.

في خريف العام الماضي، صرّح الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي في خطابه عبر تقنيات الفيديو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن كييف بصدد الإعلان عن مبادرة دبلوماسية لتحفيز مناقشة دولية لقضية شبه جزيرة القرم، الذي استعادته روسيا بعد استفتاء شعبيّ في العام 2014، إلا أنَّ معظم دول العالم، ومن بينها أوكرانيا، لم يعترف بتلك الخطوة. 

وجّه الرئيس زيلينسكي دعوةً في خطابه ذلك إلى قادة الدول بزيارة كييف في 23 آب/أغسطس من العام الجاري، للمشاركة في الاحتفالات بالذكرى الثلاثين لإعلان استقلال أوكرانيا، لكن المغزى الرئيسي من هذه الدعوة يكمن في رغبة كييف في فتح ملف القرم وتدويله.

وها هي سلطات كييف تشرع في تنظيم حملة سياسية - دبلوماسية - دعائية "لطرد" روسيا من شبه جزيرة القرم. ووفقاً لوزير الخارجية الأوكراني دميتري كوليبا، الذي قام مؤخراً بجولة مكوكية بين العواصم الغربية، من الضروري تنفيذ مهمتين لتحقيق هذه الغاية؛ أولاً، جعل قضية القرم "الموضوع رقم 1" في جدول الأعمال الدولي. وثانياً، استحداث آلية للضغط على روسيا. 

وقد بات واضحاً أن ما يُسمى "منصة القرم"، التي كانت كييف تتحدث عنها لفترة طويلة، غدت تلك المبادرة التي قصدها الرئيس زيلينسكي في خطابه الآنف الذكر. بهذه الطريقة، تأمل القيادة الأوكرانية إقامة جبهة عريضة من الدول الأجنبية للصراع من أجل "عودة" شبه جزيرة القرم.

في ما يتعلّق بالمهمة الأولى، يستطيع الوزير كوليبا أن يستنتج أن حلّها يجري بنجاح، لأن شبه جزيرة أصبح أكثر تردداً في الأحاديث، وعلى أعلى المستويات، في العديد من الدول المؤثرة، ولأن قضية القرم غدت مرة أخرى "الموضوع رقم 1" في أجندة الغرب تجاه روسيا.

أما المهمّة الثانية، وهي تكمن في حشد الجهود، سواء عن طريق إصدار البيانات السياسية أو اتخاذ القرارات بفرض عقوبات وإنشاء آلية لممارسة الضغط المنهجي على موسكو، فقد بدأت تعمل أيضاً: فرضت الولايات المتحدة حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، وطردت 10 دبلوماسيين روس من واشنطن، وأعلنت بولونيا أيضاً 3 دبلوماسيين روس في وارسو أشخاصاً غير مرغوب فيهم.

ولكن ماذا بالنسبة إلى موسكو؟ وما رد فعلها على هذه المبادرة التي يدَّعي الجانب الأوكراني أنه دعا روسيا أيضاً لمناقشتها؟ بالنسبة إلى الأخيرة، إنّ ملف القرم أغلق إلى الأبد بعد أن أدلى سكان شبه الجزيرة برغبتهم في الاستفتاء الشعبي العام، وصوَّت أكثر من 90% منهم للعودة إلى روسيا. 

في موسكو، ينظرون إلى "منصة القرم" بوصفها "بروباغاندا" وأداة لتحقيق أهداف دعائية محدودة. وبحسب خبراء قريبين من دوائر صنع القرار في روسيا، فإنَّ الولايات المتّحدة معنيّة وحدها بـ"منصة القرم" وتسعى إلى استغلالها في التصعيد ضد الكرملين، بل إنّ واشنطن قد تكون هي التي أسدت النصائح لكييف لإنشائها. أمّا دول الغرب الأخرى، باستثناء بريطانيا وبولونيا ودول البلطيق التي تتصدر حملة العداء الأوروبيّ لروسيا، فلا تبدي اهتماماً حماسياً حيال القضية.

 

حشود عسكريّة في القرم وحولها. هل سيقع الصدام؟

في غضون ذلك، يعيش العسكر وفق القوانين الخاصة بهم، إذ يستمر حشد القوات وتكديس الأسلحة من قبل الأطراف المنخرطين في النزاع الَّذي يعتبره البعض افتراضياً، في حين يراه آخرون وارداً جداً. وتواصل روسيا استقدام القوات إلى حدودها الغربية ونقل وحدات عسكرية إضافية إلى شبه جزيرة القرم من وسط البلاد، وحتى من وراء جبال الأورال، وثمة معلومات بأن حشوداً من القوات الروسية والبيلاروسية تموضعت على حدود بيلاروس مع أوكرانيا.

وبالتزامن مع نقل القوات إلى حدود روسيا الغربية، والذي وصفه وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بكونه "اختباراً مفاجئاً للتأهب القتالي"، يتصاعد الوضع على خطّ التماس بين "الجمهوريتين الشعبيتين" في دونباس والجيش الأوكراني مرة أخرى. وعلى الرغم من الهدنة الرسمية، فإن ثمة خرقاً يحدث كلّ يوم. وكل يوم تقريباً، يقع عدد من القتلى والجرحى في جنوب شرق أوكرانيا.

الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تدعو موسكو وكييف إلى "خفض التوتر". روسيا ترفض المطالب الغربية في عنوانها، وتدعو الغرب بدورها إلى الضغط على أوكرانيا التي تتهمها بإعداد محاولة الانقضاض على دونباس واستعادتها بالقوة. 

ووفقاً لشويغو، نقلت روسيا جيشين و3 وحدات محمولة جواً إلى الحدود الغربية، "رداً على تصرفات الناتو" الذي يقوم بـ"نقل القوات إلى الحدود مع القسم الأوروبي من الاتحاد الروسي، ويخطط لنشر 40 ألف عسكري و15 ألف وحدة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك الطيران الاستراتيجي، جزئياً، وذلك على حساب عديد القوات وعدتها وعتادها، إثر الإعلان عن بدء الانسحاب من أفغانستان. أما تقديرات عديد القوات الروسية قرب الحدود الأوكرانية وفي شبه جزيرة القرم، فتصل إلى 40 ألفاً أيضاً، وفق معطيات الرصد الأوكرانية والغربية.

بعض السياسيين الغربيين يتحدّثون علناً عن أنّ روسيا تستعدّ لأعمال هجومية ضد أوكرانيا، في حين يتحدث خبراء مختصون في الشأن الروسي عن تقديرات أكثر حذراً، على الرغم من أنهم يعترفون بأنَّ حشود القوات الروسية قرب حدود أوكرانيا بلغت مستوى غير مسبوق في السنوات الأخيرة، وأصبحت تبعث على القلق. والجدير بالذكر أنَّ وزارة الدفاع قامت بنقل قوات جديدة، مثل "فرقة مظلّيي بسكوف" التي اشتهرت باقتحام قصر أمين في كابل وبعمليات نوعية في الحرب الشيشانية، إلى شبه جزيرة القرم.

يزداد التوتر أيضاً في البحر، إذ تم إرسال 15 سفينة من أسطول بحر قزوين إلى البحر الأسود لتدعيمه، كجزء من عملية "فحص التأهب القتالي للقوات"، وبعضها مخصّص لعمليات إبرار القوات. كما تم تجهيز بعض السفن الأخرى لهذا الأسطول بأنظمة صواريخ "كاليبر"، ويتذكّر الجميع أن روسيا أطلقت بالفعل هذا النوع من الصواريخ من بحر قزوين على أهداف في سوريا في العام 2015. في المقابل، أعلنت الولايات المتحدة عن إرسال سفينتين حربيتين إلى البحر الأسود، ما حدا بنائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف إلى وصف ذلك بكونه "استفزازاً".

هذه التطورات الميدانية المتسارعة تزامنت مع زيارة أمين سر مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف إلى القرم، وعقده اجتماعاً طارئاً حول ضمان الأمن القومي في شبه الجزيرة في الظروف المعقدة الراهنة. وكانت لافتة تصريحات باتروشيف التي اتهم فيها الولايات المتحدة وأوكرانيا بإقامة مراكز تأهيل لتدريب المخربين، بهدف شنّ أعمال إرهابية في الأراضي الروسية، وبشكل خاص في شبه الجزيرة. 

وبحسب باتروشيف، إن الغرض من هذه الأعمال هو تعطيل منشآت بنيوية حيوية للسكّان، مثل محطات توليد الطاقة وضخ المياه والمجاري والجسور وغيرها، بهدف إثارة القلاقل والتحريض على السلطات. وقد كشف عن محاولات لإثارة النعرات العرقية والدينية واللعب بورقة "تتار القرم"، متوعداً بأن روسيا سترد بحزم على أي من هذه الاستفزازات.

يأتي ذلك في الوقت الّذي تعاني القرم مشكلة حادّة في إمدادات المياه إلى شبه الجزيرة، بعد أن أوقفت أوكرانيا ضخّها عبر قناة القرم الشمالية التي تسيطر عليها. ويقول خبراء البيئة إنّ شحّ المياه بدأ يشكّل تحدياً هو الأكبر بالنسبة إلى القرم، ويهدّد بتغيرات مناخية وعواقب كارثية على الزراعة وقطاع السياحة الَّذي يعتبر المصدر الرئيسي لإيرادات القرم، إذ يقدر عدد السياح الذين يستجمّون في منتجعات شبه الجزيرة ومصحّاتها بستة ملايين شخص سنوياً. وفي ضوء هذا التهديد، إضافةً إلى ارتفاع وتائر الإصابات بالفيروس التاجي المستجد، تدرس السلطات المحلية إمكانيات إغلاق الموسم السياحي هذا العام، أخذاً بعين الاعتبار أيضاً التوتر السياسي والعسكري الذي يحيط بالإقليم.

 

ماذا تستعرض روسيا؟ 

في ضوء كلّ ما تقدم، يمكن تشخيص الاستعراض الروسي بثلاث نقاط:

أولاً، إن ما تقوم به روسيا هو تظاهرة عسكرية سياسية للتأثير في قيادة أوكرانيا، والضغط من أجل الحصول على نتائج سياسية معينة، منها على سبيل المثال قضية إمدادات المياه. 

ثانياً، لدى موسكو بالطبع سيناريوهات عسكرية محكمة يمكن اللجوء إليها في الحالات القصوى.

ثالثاً، تستعرض روسيا أمام الغرب أنها ستتبع اتفاقيات "مينسك" فقط، ما دامت لا تتجاوز الخطوط الحمراء التي يحدّدها الكرملين نفسه، أي أنها لن تتخلّى عن رعاياها في دونباس، ولن تساوم على شبه جزيرة القرم أيضاً. بعبارة أخرى، تقول روسيا إنَّ أي عودة لأوكرانيا إلى هذه الأرض لن تتم إلا بشروط روسية، وهي تظهر أنّها مستعدة للمعركة إن نفدت السبل الأخرى، فهل سيبقى الربيع ساخناً في القرم؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سلام العبيدي

مدير مكتب الميادين في موسكو

إقرأ للكاتب

هل سيزور بوتين السعودية؟

روسيا وإن دانت الهجوم بالطائرات المُسيَّرة على "أرامكو"، إلا أنها لم تُشخصن الجهة الفاعِلة...

العسكريون الروس والأتراك متفاهمون حول سوريا.. فهل تفاهم إردوغان مع بوتين؟

منذ محاولة الانقلاب الفاشلة على رجب طيب إردوغان في عام 2016 وحتى الآن لم تتوقف في تركيا عملية...

الهدف الروسي الجديد في سوريا: إعادة دمشق إلى محيطها العربي والحظيرة الدولية

التحضير لزيارة دمشق بدأ آنذاك وترافق مع زيارة وفد سياسي اقتصادي سوداني إلى موسكو. واضح أن القوات...

بوتين و"الملف اليهودي" في روسيا، وموقفه من العلاقة بين موسكو وإسرائيل

في يوم ميلاد فلاديمير بوتين السادس والستين الذي صادف في السابع من تشرين الاول / اكتوبر 2018 كان...

"أس 300" في سوريا: إذا أشعلت "اسرائيل" حرباً في المنطقة هل ستهدد روسيا بالنووي؟

المشهد السوري اليوم بالنسبة لروسيا يشبه في آن واحد المشهد المصري والكوبي والفيتنامي بالنسبة...

ماذا وراء الادعاء بخروج إيران وروسيا من الاتفاق النووي؟

كلّ الأساليب مباحة في الحرب الإعلامية والدعائية والنفسية التي تهدف إلى تضليل الرأي العام العالمي...