موقع المقاومة في استراتيجية انتفاضةٍ ثالثةٍ

تُؤكّد الأحداث كل يوم أن الكيان الصهيوني يمر في أسوأ ظروفه منذ حين، فهو لم يعد قادراً على شن الحروب الخارجية لحفظ أمنه.

  •  لدى الشعب الفلسطيني وفصائله اليوم فرصةٌ جديةٌ لتغيير الوقائع على الأرض
    لدى الشعب الفلسطيني وفصائله اليوم فرصةٌ جديةٌ لتغيير الوقائع على الأرض

لم يأتِ قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بتأجيل انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني مفاجئاً، على الأقل لدى بعض أصحاب الرأي الذين بنوا رؤيتهم حول مسار الانتخابات الجديدة منذ انطلاقه على أساس سياقاته السياسية، وعلى أساس كون الاحتلال الصهيوني يمثل العامل الحاسم والمتحكم في هذا المسار بكُلِّيته.

كان مستهجَناً لدى شرائح واسعة من النخب الفلسطينية الخفة التي تعاملت بها الفصائل الفلسطينية مع عامل وجود الاحتلال، عندما قررت الذهاب إلى انتخابات تشريعية جديدة. ولم يختلف في ذلك عن باقي الفصائل سوى حركة "الجهاد الإسلامي". 

إضافة إلى ذلك، كان كاتب هذه السطور قد حاول في مقال مطوَّل أواسط شباط/فبراير الماضي إثبات عقم السير في مغامرة انتخابات تشريعية جديدة من حيث الأصل، وسعى إلى طرح تصورٍ مبدئي لاستراتيجيةٍ فلسطينية مغايرة، تبني على التغيرات في الداخل الفلسطيني وما وصلت إليه حركات المقاومة المسلحة الفلسطينية من اقتدار، إضافة إلى حالَة التراجع التي وصل إليها الكيان الصهيوني من الناحيتين الاستراتيجية والتكتيكية، مع ملاحظة الوضع المتصاعد لقوى محور المقاومة في الإقليم عموماً، والتحديات المشتركة لدى أطراف هذا المحور، كما جاء في مقالٍ موازٍ في أوائل شباط/فبراير من هذا العام.

واليوم، وعلى هدير هَبَّة باب العمود في القدس المحتلة، يمكن استخلاص المزيد من العبر والتأكيد على معطيين رئيسيين بالنظر إلى مستقبل صراعنا مع الكيان الغاصب.

المعطى الأول الذي أعادت هَبَّة القدس الراهنة تأكيده، كان قابلية الشارع الفلسطيني للمواجهة والتحرك على الأرض. وقد تجلّى ذلك في امتداد رقعة الاشتباكات مع قوات الاحتلال، لتشمل مناطق على طول مساحة الوطن السليب في أراضي "67" و"48" على حدٍ سواء، ولم تكن الهموم المعيشية اليومية أو الانقسامات الفصائلية عائقاً أمام حماسة الشارع الفلسطيني وجهوزيته عندما تبدّى همٌّ وطنيٌ جامع، ولم يكن ذلك في حقيقة الأمر خافياً إذا ما راجعنا أحداث السنوات القليلة الماضية، فانتفاضة كاميرات الأقصى الأخيرة، والعمليات الفدائية الفردية المتواصلة منذ حين، والتي تُوِّجت مؤخراً بعمليتي حاجز زعترة العسكري، ومحاولة طعن جنود الاحتلال على يد سيدةٍ ستينيةٍ جنوب بيت لحم، تعد شواهد متتالية حية على جهوزية الشارع للقيام بانتفاضةٍ ثالثةٍ تأخرت كثيراً؛ انتفاضة يقع العبء الأكبر في تأخرها على عاتق السلطة الفلسطينية التي استمرت بالتنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال وملاحقة المقاومين في الضفة الغربية، خلافاً لكل منطقٍ سياسيٍ أو وطنيٍ.

أما المعطى الآخر الذي أكدته هَبَّة باب العمود، فيمكن استقراؤه في أمرين: 

الأول: تفادي قوات الاحتلال إسقاط شهداء خلال عمليات قمع المنتفضين، خوفاً من تصاعد الاحتجاجات.

الآخر: الحذر الشديد في التعاطي مع صواريخ المقاومة التي أُطلِقت دعماً للقدس، خوفاً من الانزلاق إلى حرب مفتوحة مع قطاع غزة.

هذا المعطى يتمثل في ظهور مدى خشية العدو الصهيوني من تطور الأحداث، وخوفه من أن تصل إلى انتفاضةٍ ثالثةٍ، يدرك قبل غيره أنه لن يستطيع تحملها طويلاً ضمن الظروف السياسية المحيطة إقليمياً ودولياً، كما لن يستطيع المجتمع الدولي تحملها، ولا سيما في ظل تعاقُب التقارير الدولية التي تدين الكيان الغاصب، والتي كان آخرها تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش"، الذي أكد اقتراف سلطات الاحتلال جرائم ضد الإنسانية وجرائم فصلٍ عنصريٍ بحق الفلسطينيين.

هذه الخشية الصهيونية ليست جديدة، فما زلنا نذكر كيف ابتلع نتنياهو وعوده التي قطَعها على نفسه بتنفيذ خطة الضم بحلول الأول من تموز/يوليو 2020 بالطريقة الفجة التي كانت مقررة، بعد أن أجمعت التقارير الأمنية الصهيونية على ارتفاع احتمال تفجر الأوضاع في الضفة الغربية كرد فعل، ومدى خطورة ذلك على أمن الكيان الصهيوني عموماً، لكن الجديد، كما يبدو، هو الإدراك الأميركي أيضاً لخطورة الوضع على الكيان الغاصب، إذا ما تصاعدت الاحتجاجات لتصل إلى عصيانٍ مدنيٍ وانتفاضةٍ فلسطينيةٍ ثالثةٍ.

وقد انعكس هذا الإدراك في تصريحات المتحدث باسم إدارة جو بايدن، والذي حضّ على الهدوء واحترام سلامة جميع سكان القدس، من دون تحميل الفلسطينيين مسؤولية تصاعد الأحداث، ومن دون اللازمة المعتادة عن حق "إسرائيل" المزعوم في الدفاع عن النفس، ما يشير إلى رغبة أميركية حقيقية في التهدئة، تجنباً للأسوأ على أمن الكيان، إلا إذا ظن البعض أن هذا الأمر صحوة ضمير!

تُؤكّد الأحداث كل يوم أن الكيان الصهيوني يمر في أسوأ ظروفه منذ حين، فهو لم يعد قادراً على شن الحروب الخارجية لحفظ أمنه، سواء مع المقاومة الإسلامية "حزب الله" في جنوب لبنان لضرب ترسانته الصاروخية المتعاظمة، أو مع الجمهورية الإسلامية في إيران، لكبح جماح مشروعها النووي العسكري المزعوم، بحسب اتهاماته المستمرة، أو مع غزة التي تعدّ الحلقة الأضعف في محور المقاومة، والتي بات يَحسِب ألف حسابٍ قبل التورط في حرب معها. وبات هذا الكيان داخلياً عاجزاً عن تشكيل حكومةٍ، وهو يخرج من انتخابات ليدخل في أخرى من دون أفق.

لعل مقال ديفيد هيرست الأخير بعنوان "القدس على شفير الانفجار" يختصر ما يمر به كيان الاحتلال، إذ قال في ما قال: "تصاحِب الانتصار كبريات المخاطر إذا ما كان وهمياً... لم يكن مشروع إقامة إسرائيل كدولة يهودية في خطر كما هو حاله الآن. وفي الوقت الذي يتوهم أنه على وشك تحقيق النصر، فإن الزلزال الذي يَهدِر الآن ليس ذاك الذي يؤشر إلى نهاية الصراع، وهو ليس في الضفة أو غزة. إنه يهزّ إسرائيل، في القدس وفي الأراضي التي أخذتها في العام 48".

إذاً، لدى الشعب الفلسطيني وفصائله اليوم فرصةٌ جديةٌ لتغيير الوقائع على الأرض، وذلك إذا ما طُوِّرت هَبَّة باب العمود لتأخذ شكل العصيان المدني، وصولاً إلى انتفاضةٍ شاملةٍ، في ظل اختلال موازين القوى لغير مصلحة الاحتلال، وفي ظل وجود مقاومةٍ فلسطينيةٍ قادرةٍ على أن تشكّل الظهير الحامي لتحركات الجماهير المنتفضة على ما جاء مؤخراً في "التحذير الأخير" لقائد هيئة الأركان في كتائب "القسام" محمد الضيف، إضافةً إلى توازن الرعب القائم مع "حزب الله" في الجبهة الشمالية، والذي سيكون مطلوباً منه تدعيم شبكة الأمان لحماية المنتفضين دفاعاً عن المسجد الأقصى والمقدسات، ناهيك بوجود إيران التي تشكل حجر توازن في مواجهة الأميركي في المنطقة.

عندما تتضافر جهود أطراف محور المقاومة، يصير هدف إجبار المحتل على تفكيك المستوطنات والانسحاب من أراضي الـ67 من دون قيدٍ أو شرط في متناول اليد، وذلك على غرار اندحاره من جنوب لبنان في أيار/مايو 2000، ومن ثم غزة في العام 2005.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عمرو علان

كاتب وباحث فلسطيني

إقرأ للكاتب

الكيان الصهيوني: من طور التأسيس إلى طور النَّزْع الأخير

الكيان الصهيوني كيانٌ وظيفيٌ، أُنشئ بالتعاون مع قوى الاستعمار القديم من أجل إدامة السيطرة على...

ماذا بعد "سيف القدس"؟

يمكن القول إنَّ فصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة "حماس"، بعد أن ألحقت الهزيمة بالعدو في هذه...

"الدولة تحترق".. المشهد بعيون إسرائيلية

بهذا الوعي الشعبي الجمعي، والإدراك الكامل لطبيعة المعركة ومصيريتها، هبَّ المقدسيون دفاعاً عن...