ما وراء الاهتمام السعودي المفاجئ بالتغيّر المناخي؟

تُعد المملكة العربية السعودية العضو الوحيد في مجموعة العشرين الذي لم يضِف أي طاقة رياح وطاقة شمسية خلال العقد الماضي، مقارنة مع البرازيل واليابان والمكسيك.

  • كل مبادرات السعوديين حول البيئة حصلت بعد ظهور نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية
    كل مبادرات السعوديين حول البيئة حصلت بعد ظهور نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية

منذ مطلع العام الحالي، بدا لافتاً اهتمام ولي العهد السعودي المفاجئ بالمشاريع الصديقة للبيئة التي تحدّ من انبعاثات الطاقة والتغيّر المناخي. هذا الاهتمام البعيد كلياً عن عقليات أمراء النفط يفرض محاولة تقصّي خلفياته، وخصوصاً أنّ إعلانات ولي العهد السعودي ضمن رؤيته لطالما هدفت إلى مخاطبة الأميركيين. معاناة النظام السعودي من عواقب خسارة ترامب انتخابات الرئاسة الأميركية، ما تزال تلاحقه في أكثر من ملف، فهل يكون تقمّص لباس الحرص على البيئة والتغيّر المناخي أحدث المحاولات لاستبدال صورة بأخرى في المخيال الأميركي أو أنّ التوجّه يستبق حملة ضغوط جديدة على النظام؟

في 22 نيسان/أبريل الفائت، ألقى الملك سلمان بن عبد العزيز كلمة السعودية في قمة المناخ التي نظّمتها واشنطن بناء على توجّه الرئيس الأميركي جو بايدن لإشراك الدول الصناعية في خطّته للمناخ، والتي تقدَّر قيمتها بحوالى 2 تريليون دولار. 

وقال الملك السعودي في كلمته إن الرياض خلال رئاستها لمجموعة العشرين في العام 2020، دفعت باتجاه "تبني مفاهيم الاقتصاد الدائري للكربون، وإطلاق مبادرتين دوليَّتَين للحد من تدهور الأراضي وحماية الشّعَب المُرجانية".

 وبدا واضحاً في كلمة الملك السعودي حرصه على ذكر نجله وولي عهده محمد - المستبعَد من قبل الرئيس الأميركي من المشاركة في اللقاءات والقمم التي تنظّمها الولايات المتحدة - فأشار إلى أنّ الأخير أطلق مؤخّراً مبادرتَي "السعودية الخضراء" و"الشرق الأوسط الأخضر"، اللتين تهدفان - وفق الإعلان السعودي - إلى "تقليل الانبعاثات الكربونية في المنطقة بأكثر من 10% من الإسهامات العالمية، وزراعة 50 مليار شجرة في المنطقة". 

وحرص على الإشارة إلى أنّ "المبادرتين حظيتا بتأييد المجتمع الدولي"، ووعد بـ"العمل مع الشركاء لتحقيق أهدافهما"، من خلال استضافة "منتدى لمبادرة السعودية الخضراء وقمة لمبادرة الشرق الأوسط الأخضر" خلال العام الجاري.

تجدر الإشارة إلى أنّ كل مبادرات السعوديين حول البيئة حصلت بعد ظهور نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية التي أظهرت فوز جو بايدن، فقمّة مجموعة العشرين التي نظّمتها السعودية حصلت في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2020. وقد جاء إعلان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن مشروع "ذا لاين" – الصديق للبيئة - في منطقة نيوم في 10 كانون الثاني/يناير الفائت، ثم أعلن عن مبادرتَي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر في 27 آذار/مارس الماضي. 

تبرز الحاجة إلى التدقيق في النيات الرسمية السعودية، في ظل هذه التواريخ المرتبطة بالتغيير في واشنطن، وخصوصاً إذا أُخِذ بالحسبان أن الرياض لطالما أظهرت سابقاً عدم حماسها لتبنّي مشاريع لها علاقة بتقليل الانبعاثات الكربونية والحد من التغيّر المناخي. 

في آذار/مارس 2018، وقّع محمد بن سلمان مع الملياردير الياباني ماسايوشي سون (رئيس مجموعة "سوفت بنك") على مذكّرة تفاهم لإنشاء "أكبر مشروع للطاقة الشمسية في العالم، لإنتاج 200 غيغاوات في السعودية، بقيمة حوالى 200 مليار دولار"، لكن بعد أشهر، وتحديداً في 30 أيلول/سبتمبر، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية عن مصادر سعودية رسمية قولها: "لا يعمل أحد بشكل جدّي على المشروع. لقد صُرِف النظر عن تنفيذه".

وخلال ولايته، دأب الرئيس الأميركي السابق ترامب على مهاجمة تيار الحفاظ على البيئة والحد من التغيّر المناخي. وقد هاجم الدراسات العلمية والأفكار التي يروّج لها هذا التيار، بالتوازي مع انسحابه في العام 2017 من "مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية – EITI" واتفاقية باريس للمناخ، وهو ما لم يكن النظام في السعودية بعيداً منه.

"سيفوز ترامب بولاية أخرى لقتل كل أكاذيب المناخ السخيفة". كان هذا رد محمد الصبّان، المستشار السابق لوزير النفط السعودي وعضو المجلس الاقتصادي الأعلى السعودي، على تغريدة لمحرر شؤون المناخ في صحيفة "نيويورك تايمز" في أيلول/سبتمبر 2019. 

صحيح أنّ الصبّان لا يشغل منصباً رسمياً حالياً، لكنه يعبّر عن رأي النخبة السعودية الحاكمة التي لطالما كان لصيقاً بها، وكان ممثلها الرسمي في "اجتماعات اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغيّر المناخي - UNFCCC" لحوالى عقدين.

لا يتّسع المجال لذكر أداء الوفد السعودي في "UNFCCC" خلال الأعوام الـ20 الماضية، لكن تكفي الإشارة إلى لازمة محاربة الوفد السعودي أي إشارة إلى الانبعاثات الكربونية، أو تقديم التزامات حيال تقليص عمليات إحراق النفط لإنتاج الطاقة الكهربائية.

اليوم، يعلّق الصبان على تحذير جون كيري، مبعوث بايدن الرئاسي حول التغيّر المناخي، شركات النفط ودعوتها إلى الابتعاد عن النفط والاستثمار بمصادر الطاقة النظيفة، لكي لا يخسروا كل شيء ويجدوا أنفسهم خارج اللعبة، معتبراً أنّ الغرب يقول: "نجحنا في جعلكم تصدّقون كذبة المناخ. والآن، نحن نقضي على عصر النفط لتعودوا كما كنتم قبل النفط"، ليختم بالقول: "إنّها رسالة واضحة وإجراءات قاسية تتّخَذ عالمياً لتحقيق هذا الهدف. متى نستفيق من غفوتنا؟".

وفي آذار/مارس الماضي، نشرت شركة "إمبر" العالمية للكهرباء، المتخصّصة في مجال أبحاث المناخ والطاقة، نشرة إحصائية حول تصنيف دول مجموعة العشرين من حيث توليد الطاقة ومساهماتها في انبعاثات الكربون. 

ويظهِر تقرير الشركة أنّ السعودية هي الدولة الوحيدة ضمن مجموعة العشرين التي ما تزال تولّد كل طاقتها الكهربائية عبر إحراق النفط والغاز حصراً.

  • أرقام شركة
    أرقام شركة "أمبير" العالمية

تُعد المملكة العربية السعودية العضو الوحيد في مجموعة العشرين الذي لم يضِف أي طاقة رياح وطاقة شمسية خلال العقد الماضي، مقارنة مع البرازيل واليابان والمكسيك التي بدأت باستعمال الرياح أو الطاقة الشمسية منذ العام 2010، لتتجاوز جميعها في نهاية العقد المتوسط العالمي، وتحقّق ما يقارب 10% أو أكثر من حصة السوق. ويشير التقرير إلى أنّ المملكة العربية السعودية تواصل تقديم الوعود بالانتقال الكهربائي، لكن لا يوجد أي تقدّم حتى الآن.

وفي ظل الإعلان الأميركي عن خطة المناخ التي من الواضح أنّها ستكون من أدوات المعركة في يد إدارة بايدن في مواجهة خصوم أميركا، كالصين مثلاً، التي تُتَّهَم بأنّها الملوّث رقم واحد بثاني أوكسيد الكربون عالمياً، يبدو أنّ الرياض تستشعر ضغوطاً قادمة عليها من واشنطن، لتضاف إلى ضغوط ملفات حرب اليمن وخاشقجي وتعديل سياستها الإقليمية.

بعد أيام على إعلان ابن سلمان عن "مشروع السعودية الخضراء" و"الشرق الأوسط الأخضر"، زار المبعوث الرئاسي الأميركي حول المناخ جون كيري دبي، وعُقِد ما سُمي "الحوار الإقليمي للتغيّر المناخي لدول الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، الذي قاطعته السعودية، التي من المفتَرَض أنها أطلقت قبل أيام من لقاء دبي مبادرات خضراء للحد من الانبعاثات الكربونية!

يمكن تلمّس هذا القلق السعودي إذا ما أخذنا بعين الاعتبار رسائل وتقارير جماعات ضغط أميركية تعمل لمصلحة السعودية في واشنطن للمشرّعين والنخب ومراكز الدراسات الأميركية حول مشروع "ذا لاين" في منطقة نيوم، إذ أرسلت جماعة الضغط "LS2group" في 22 كانون الثاني/يناير الفائت لمكاتب المشرّعين الأميركيين تقريراً ترويجياً لمشروع "ذا لاين"، بالنيابة عن السفارة السعودية في واشنطن، بُرِّزَت فيه نقطة اعتماد الطاقة النظيفة بنسبة 100% في المشروع. 

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي مراد

كاتب وباحث لبناني

إقرأ للكاتب

عندما تحاضر أميركا في ديمقراطية انتخابات الشعوب!

تقوم عملية مصادرة الإرادة الانتخابية للمواطنين الأميركيين على مفهوم اصطُلِح على تسميته أميركياً...

كيف تعمل السعودية و"إسرائيل" لمنع إحياء الاتفاق مع إيران؟

سيخسر مثلث الشغب ضلعه الرئيسي برحيل ترامب، لكنّ ذلك لا يعني أنه سيكفّ عن محاولة عرقلة جهود إحياء...

الشهيد سليماني في السردية الأميركية

أولت مراكز بحثية أميركية اهتماماً لصورة سليماني لدى الشعب الإيراني بطريقةٍ توحي أنّ خطر قائد قوة...