"سيف القدس" تُبطل فرضية العدو الوهمي "إيران"

الأنظمة العربية الرجعية هي ذاتها التي حاولت، عبر نفوذها وملياراتها وأبواقها الإعلامية، تفتيتَ وحدة العالمين العربي والإسلامي، وتقويضها، فبذرت بذور الطائفية المَقيتة وغذَّتها، بكل ما أوتيت من مكر وخبث ودهاء.

  • الأنظمة العربية شيطنت حركات المقاومة الشامخة، والمناوئة للكيان الصهيوني، وتجسست عليها

استطاعت معركة "سيف القدس" المَجيدة تحقيق جملة من الأهداف، لعل أهمها أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث، بعد المحاولات المستميتة من الكيان الصهيوني وشركائه الأميركيين وبعض الأنظمة العربية الرجعية، من أجل طمسها ورميها في غياهب الظلام .

تلك الأنظمة العربية الرجعية هي ذاتها التي حاولت، عبر نفوذها وملياراتها وأبواقها الإعلامية، تفتيتَ وحدة العالمين العربي والإسلامي، وتقويضها، فبذرت بذور الطائفية المَقيتة وغذَّتها، بكل ما أوتيت من مكر وخبث ودهاء. حاولت تمزيق الوطن العربي، فأشعلت فتيل الحروب في سوريا وليبيا واليمن، وأدخلت الانفصاليين لهذه الدول، ودعمتهم بالأسلحة والمال والعتاد. والأنكى من ذلك، أن طيرانها شارك في قصف المدنيين في سوريا وليبيا، وفرضت حصاراً ظالماً على قطر، وحاولت تقويض الاستقرار في الاردن، وقلب نظام الحكم فيه. ولا يسعنا المجال، في هذا المقام، للتطرق إلى فظاعاتها في اليمن السعيد، والذي يحتاج المرء إلى مجلدات، حتى يغطي جزءاً منها. 

تلك الدول هي نفسها التي شيطنت حركات المقاومة الشامخة، والمناوئة للكيان الصهيوني، وحاربتها وتجسَّست عليها لمصلحة الكيان الصهيوني خلال تقديمها مساعداتها الإنسانية إلى أبناء غزة بعد حرب ٢٠١٤، وهي الأنظمة نفسها التي انتهجت، منذ زمن بعيد، أيديولوجية ثلاثية المحاور، تتلخَّص في: 

 ١- الهرولة والتطبيع والانبطاح التام للكيان الصهيوني؛

 ٢- تقويض مكتسبات الأمة، والتهجّم على رموزها. ولم تكتفِ بذلك، بل اصطدمت بالنصوص الدينية المقدَّسة، وحجرت على كثير منها، وحذفت كل ما ينتقد اليهود والصهاينة من منهاجها الدراسية، وبدأت اللعب على وتر مظلومية اليهود في التاريخ، وعمدت إلى تلطيف تاريخ اليهود وتزويره، حتى تستطيع إدراجه بالتدريج في مناهجها الدراسية؛

 ٣- أمّا دول المحور الثالث فاستماتت في محاولاتها حرف بَوصلة النضال والمقاومة ضد عدو الأمة، الكيان الصهيوني. وحاولت توجيه إرادة الجماهير ضد عدو افتراضيّ مختلق لتحقيقها مآربها وأجنداتها الخبيثة، إذ سعت، من خلال استراتيجياتها وأبواقها الإعلامية، لتضخيم الخطر القادم من العدو الافتراضي (إيران).

أمّا المحوران الأوَّلان، فتناولناهما بكثير من التفصيل في أكثر من مقال. أما فيما يخص الخطر الإيراني المُتوهَّم، فلقد تحالفت تلك الدول الرجعية مع الحلف الصهيو ـ أميركي، وانساقت خلف أسطوانتهما المشروخة، والترويج بأن الخطر الأعظم والأوحد، المحدِق بالدول العربية، وخصوصاً منطقة الخليج، يكمن في الخطر الإيراني. وأخذت الإدارتين الأميركية والصهيونية مثالاً على استخدام إيران فزّاعةً لتحقيق أكثر من غاية، بحيث إن إيران أضحت البوابة السحرية للكيان الصهيوني لبسط سطوته وسيطرته على الدول العربية والخليحية بصورة خاصة، فأصبحت الدول العربية، وخصوصاً الخليجية منها، تتسابق في التطبيع مع الكيان الصهيوني، وكسب ودّه وصداقته، وإقامة تحالفات إستراتيجية معه، لدرء "خطر إيران" الافتراضي. والغاية الثانية أن الكيان الصهيوني استطاع أن يُوجِد عدواً وخصماً للدول العربية، وجعل أغلبيتها توجِّه كل طاقاتها لدحر هذا العدو الافتراضي. ولم تعد أي حكومة عربية توجِّه سهام كِنانتها إلى الكيان الصهيوني. ومن جهة أخرى، عملت الإدارات الاميركية المتعاقبة، والكيان الصهيوني، على استحداث دول وسلخها من خاصرة الدول العربية، مثل الدولة الكردية، ودولة جنوب السودان، من أجل إثبات أن الكيان الصهيوني لم يعد جسماً غريباً في منطقة كانت سابقاً متجانسة، حتى تتم شرعنة الكيان الصهيوني جغرافياً. أما فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، فأضحت الدول العربية السوق الأهم لتسويق الأسلحة الأميركية، وتدرّ على الخزينة الأميركية مليارات الدولارات سنوياً، من أجل الاستعداد للخطر الإيراني الافتراضي والوهمي.

أفشلت الهبّة الفلسطينية المباركة مخططاتهم، وقطعت المقاومةُ الفلسطينية الباسلة قولَ كل خطيب، وأماطت اللثام عن حقائقٍ كانت في الأمس من الأُحجيات والأسرار البالغة الطيّ والكتمان، وصدحت عالياً وصرَّحت في أكثر من مناسبة بأن النصر المؤزَّر ضد تتار العصر الحديث تمّ بفضل الله، عزّ وجلّ، ثم بفضل مؤازرة الجمهورية الإسلامية في إيران ومساندتها، فقط دون غيرها، والتي لم تبخل في تقديم المساعدات غير المشروطة إلى المقاومة الفلسطينية، فقدَّمت الخدمات اللوجستية والتقنية والعتاد والمال. وما خفي كان أعظم.

ونحن، في هذه العجالة، لسنا في صدد التغنّي بفضائل الجمهورية الاسلامية والإشادة والتعريف بها، لكننا نقف في خندق المقاومة فحسب، ونردِّد ما جاء على ألسنة قادتها ، ونؤكد أنه لم يعد ينطلي على الجماهير العربية الأجنداتُ المغرضة التي تقوم بها الأنظمة الرجعية، ومحاولاتها الدؤوبة طمسَ قضية العرب الأولى، ومحاولاتها المفضوحة حرف بَوصلة الكفاح والمقاومة، والتي يجب أن تكون ضد عدو واحد فقط من دون سواه، ألا وهو الكيان الصهيوني الغاشم.

لا نريد كَيل الاتهامات لجهة من دون غيرها، فالحقائق أضحت جلية، ولا يمتنع عن رؤيتها إلا كلّ أفّاك أثيم. لكنْ، من حرصنا على الدول العربية والإسلامية قاطبة، ومن باب النصح ونصرة إخواننا، ظالمين كانوا أو مظلومين، نتوجَّه، في هذا المقام، إلى هذه الدول الرجعية بعدة أسئلة، لعلها تراجع مواقفها وتعود إلى الحق:

بعد أن عرّت المقاومة الفلسطينية الباسلة العدوَّ الصهيوني، وأثبتت، على نحو لا شك فيه، أنه أوهن من بيت العنكبوت، وأكدت فشل قبّته الحديدية وعدم نجاعتها، وأفشلت، من قبلُ، أسطورة دبابة الميركافا، أليس الأَولى والأَجدر بهذة الأنظمة الرجعية أن تشكر المقاومة الفلسطينية الباسلة، ومن كان يقف خلفها، بعد أن كشفا عدم نجاعة الصناعات العسكرية الصهيونية، والتي كان العدو الصهيوني على وشك أن يبيعها لهذه الأنظمة، ويحتال عليها، ويضع يده على أموالها ومدَّخرات أبنائها؟! أليس من باب أَولى ان تعود هذه الأنظمة عن غيّها، وأن ترجع إلى رشدها، وإلى عمقها عربياً وإسلامياً؟!

أما زالت تلك الدول الرجعية تعتقد أنها تراهن على الحصان الرابح؟!

ختاماً:

إن القادة الأشاوس لمعركة "سيف القدس"، الفرقان، والذين، كما عهدناهم، لا يداهنون ولا يُزيّفون الحقائق، وإنما يشكرون من وقف مسانداً وداعماً لهم، حينما تخلّى عنهم وحاربهم أبناء جِلدتهم؛ هؤلاء القادة خرجوا إلى العلن، وأزاحوا الغشاوة عن العيون، وبيّنوا للتاريخ والجماهير: مَن كان في خندقهم، ومَن كان يساندهم ويمدّ لهم يد العون من دون إملاءات او شروط او تدخُّل في شؤونهم الداخلية. فكان حقاً علينا أن نحذو حذوهم، وأن نشكر من ساند مقاومتنا، وأن نقدّم، في الوقت نفسه، النُّصح إلى أبناء جِلدتنا، الذين يجذّفون عكسَ التيار. ونقول لهم: حاوِلوا أن تستلهموا الدروس والعِبَر من التاريخ، وأن تعودوا إلى رشدكم. فبالأمس، أضاع ملوك الطوائف في الاقتتال فيما بينهم، وفي انبطاحهم وتخاذلهم وعمالاتهم مع القوى الخارجية والممالك المناوئة لهم، أضاعوا مُلك آبائهم وتضحياتهم وإنجازاتهم ومكتسباتهم وشرف الأمة بأسرها.

أمّا الشعوب العربية، فنقول لها: الآن حَصحَصَ الحق، وأضحت الحقيقة جلية، لا يكتنفها أيّ غموض. لذلك، على شعوبنا العربية الأبية، مجابهة أجندات الأنظمة العربية الرجعية، وإفشال سياساتها، التي لا تنفكّ تنخر في الأمة، وتحاول تقسيمها، وتعمل بكل ما أُوتيت من قوة، من أجل حرف بَوصلة الجهاد والنضال ضد عدوّنا، وعدوّ الإنسانية، الكيان الصهيوني.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سفيان الجنيدي

كانب فلسطيني

إقرأ للكاتب

هل نحن على موعد قريب مع موجة "الخريف" العربي الثاني؟!

بالنظر إلى بقية الثورات العربية التالية للثورتين التونسية والمصرية، لا بد من الإشارة إلى أن...

الإمارات.. انبطاح وعمالة أو رؤى وخيارات جيو-استراتيجية؟

ما الأسس التي نستطيع من خلالها الحكم على أنَّ ما يقوم به النظام الإماراتي مع الكيان الصهيوني...

الوعي والإرادة الجمعيان.. الحلّ الأمثل لمجابهة الأنظمة الاستبدادية ودحرها

من البديهي، ومما لا شكَّ فيه، أنَّ مخرجات الاستبداد والديكتاتورية لا تقتصر على المنظومة...

لماذا نُرجّح قرار استئناف الحرب ضد الكيان الصهيوني؟

ستكون أهمُّ مُهمّات الأجهزة الصهيونية، بعد إعادة هيكلتها، جمعَ المعلومات عن القدرة العسكرية...

مدن صنعت التاريخ: غزة نموذجاً

إنها غزة التي تسطر مقاومتها الباسلة إنجازاً تاريخياً غير مسبوق أمام العالم بأسره، وتُطور...

الملحمة الفلسطينيّة: المقاومة والشّعب الفلسطينيّ ينتصران

ما تحققه المقاومة الفلسطينية الباسلة في صمودها الأسطوري أمام أعتى قوة عسكرية في منطقة الشرق،...