هل تؤثّر نتيجة الانتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة في مسار الاتفاق النوويّ؟

تُعدّ الانتخابات الرئاسية الإيرانية الثالثة عشرة موعداً جديداً لترسيخ قواعد حكم النظام الجمهوري الإسلامي، بغض النظر عمن سيكون المرشح الفائز، ومحطةً جديدةً لتعزيز مفهوم تداول السلطة، بناءً على الإرادة الشعبية.

  • تُعدّ الانتخابات الرئاسية الإيرانية موعداً جديداً لترسيخ قواعد حكم النظام الجمهوري الإسلامي
    تُعدّ الانتخابات الرئاسية الإيرانية موعداً جديداً لترسيخ قواعد حكم النظام الجمهوري الإسلامي

كحال كلّ الانتخابات الرئاسية الإيرانية السابقة، تلقى انتخابات حزيران/يونيو 2021 الإيرانية اهتماماً من الدول الغربية ووسائل إعلامها. وكما في كلّ مرة، تغلب على قراءة هذه الدول للانتخابات الإيرانية اللاموضوعيةُ والأحكامُ المسبقةُ التي تتّسم بالانحياز، والتي تكون موجَّهة في غالبيتها باتجاه خدمة مصالح تلك الدول.

ينصبّ حديث ما يُسمّى "خبراء غربيين" في الشأن الإيراني بدايةً على التشكيك في نزاهة هذه الانتخابات، وعلى الترويج لفكرة كون مجلس صيانة الدستور الإيراني يقوم بهندسة نتائج الانتخابات، من خلال قبول طلب ترشيح بعض الشخصيات ورفض غيرهم، ويُرجِع آخرون عمليَّة التدقيق في صلاحية المرشحين لخوض الانتخابات إلى سياسة إيران في الاتفاق النووي، في قراءةٍ تبسيطيةٍ منهم لواقع الحال في إيران.

ومن تلك القراءات، مثلاً، ما ذهب إليه سينا توسي في مجلة "فورن بولسي"، حين قال إنَّ انتخابات هذا العام تُعد المحاولة الأوضح من المحافظين من أجل استبعاد الإصلاحيين من مجمل المشهد السياسي الإيراني، بحسب ادعائه. وذهب علي فايز إلى عنونة مقاله في "فورن أفيرز" بـ"انتخابات إيران المزوّرة". أما مركز "أتلانتيك كاونسيل" البحثي، فكان قد نشر مقالاً بعنوان: "هل سيبقى الاتفاق النووي الإيراني مطروحاً على الطاولة في حال وصول رئيسي إلى الرئاسة؟".

من يتتبّع مسار الانتخابات الإيرانيّة بعد نجاح الثورة الإسلامية وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران منذ 42 عاماً، يجد أنّه كانت هناك انتخابات بمعدل مرة في السنة ما بين انتخابات تشريعية وانتخابات رئاسيّة وغيرهما من الاستحقاقات الانتخابية الدستورية، على عكس إيران الشاه، التي لم تجرِ فيها أيّ انتخابات، إذ إنها لم تكن ضمن نظامها كوسيلة متاحة أمام الشعب الإيراني كي يُعبِّر عن إرادته الحرة من خلال صندوق الاقتراع. وقد التزمت إيران بإجراء العمليات الانتخابية حتى في أكثر الظروف تعقيداً، سواء كانت ناتجة من الكوارث الطبيعية أو الأوبئة أو الحروب.

وتُمثِّل الانتخابات الرئاسيّة الإيرانية إحدى الصيغ العليا التي يُعبِّر فيها الإيرانيون عن إرادتهم حيال القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في إيران. ويشير الدكتور علي شِجيني، السفير الإيراني في الهند، إلى أنَّ إيران طوَّرت نظاماً سياسياً فريداً يقوم على ركيزتين هما "الهوية الإسلامية" و"مبادئ الجمهورية"، ما مكّن الجمهورية الإسلامية من مواجهة الضغوط الخارجية ومحاولات عبث أعداء الشعب الإيراني بشؤون إيران الداخلية.

وفي هذا الخصوص، يُعدّ مجلس صيانة الدستور في إيران من أهم المؤسسات الدستورية التي تضمن استقرار نظام الحكم فيها، إضافة إلى ضمان وصول مَن هم جديرون حقّاً بتولي شؤون الدولة إلى منصب رئاسة الجمهورية.

يُعتَقد أن الانتخابات الرئاسية الإيرانية الثالثة عشرة الراهنة ستكون مختلفةً عن سابقاتها من حيث نسبة الاقتراع، إذ يُخَمَّن أن تنخفض هذه النسبة إلى حدود 50%، على عكس انتخاباتٍ سابقةٍ كان معدّل نسبة المشاركة فيها نحو 73%، لكنْ يجب الانتباه هنا إلى كون نسبة التصويت في الانتخابات الرئاسية لم تشكّل يوماً المقياس الوحيد أو الأساسي في تحديد مصير الأنظمة الحاكمة في أيٍّ من دول العالم.

يُوضح الدستور الإيراني مهمات الرئيس المنتخَب وحكومته بشكلٍ محددٍ، وذلك بعد تعديل الدستور الذي حدث قبل وفاة الإمام الخميني، وما تلاه من إلغاء منصب رئيس الوزراء في عهد مير حسين موسوي. لهذا، يُعدّ الربط الذي يلجأ إليه البعض في الدوائر الغربية بين وصول إبراهيم رئيسي إلى منصب الرئاسة في إيران ونية "الدولة العميقة" - بحسب رؤيتهم - تحضيره ليكون خليفة المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، ما هو سوى ربط غير متّسقٍ، يعتمد على مجرد تخمينات لا تستند إلى نصوص الدستور الإيراني، لأنّ تولّي منصب الولي الفقيه له ديناميته المنفصلة.

لقد ابتعد الولي الفقيه في إيران على الدوام عن إبداء رأيه الشخصي في أيٍ من مرشّحي منصب رئاسة الجمهورية عمداً، تفادياً للتأثير في مزاج الناخب الإيراني في عملية التصويت. أكّد هذا الفهم ما قاله المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، في الفترة التي كان يتولى فيها منصب رئيس الجمهورية في زمن الإمام الخميني، حين قال في تجمعٍ شعبيٍ، وبحضور الإمام الخميني، إنَّه لم يُفصح عن طلب الإمام الخميني منه الترشح لمنصب رئيس الجمهورية أثناء حملته الانتخابية، تجنباً للتأثير في وجهة التصويت في تلك الانتخابات.

تكفي الإشارة إلى ما قاله السيد علي خامنئي مؤخراً، عقب رفض مجلس صيانة الدستور ترشيح علي لاريجاني لخوض الانتخابات الرئاسية الراهنة، حين لمَّح إلى حصول ظلم في هذا القرار من دون ذكر اسم لاريجاني صراحة، ولكن مجلس صيانة الدستور ثبَّت قراره بغض النظر عن رؤية المرشد الأعلى، مؤكداً استقلالية قراراته عن منصب المرشد الأعلى. وفي هذا دحضٌ لادعاء القائل إنَّ المرشد الأعلى يقوم بهندسة نتائج الانتخابات بما ينسجم ورؤيته.

أما ذهاب بعض الدوائر الغربية إلى الربط بين مصير الاتفاق النووي وشخصية الرئيس الإيراني القادم، فيعزز القول إن هذه الدوائر ما زالت قاصرةً عن فهم المشهد السياسي الإيراني بعد أكثر من 40 عاماً من مناصبة العداء للجمهورية الإسلامية، فالتفاوض مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية يرسم خطوطه العريضة المرشد الأعلى، لكون هذه القضية تدخل ضمن دائرة المسائل الاستراتيجية لسياسة الدولة الإيرانية الخارجية.

وكان السيد علي خامنئي قد حدد بشكلٍ واضحٍ محددات هذا التفاوض، والتي تتلخّص في وجوب رفع الولايات المتحدة الأميركية جميع العقوبات الجائرة المفروضة على إيران، لا مجرد تعليقها. وإلا، ستكون إيران في حلٍ من أمرها في الخروج كلياً من تلك الاتفاقية.

ومن تسنَّت له متابعة المناظرات الرئاسية الإيرانية، يمكنه أن يلحظ عدم تطرق المرشحين إلى مسألة الاتفاق النووي أو التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية، رغم تطرقهم إلى معظم المواضيع الأخرى، وذلك انسجاماً مع فلسفة الحكم في إيران، التي تفرض على الحكومة المستقبلية، كما الحالية، الالتزام بالمحددات التي وضعها الولي الفقيه.

تُعدّ الانتخابات الرئاسية الإيرانية الثالثة عشرة موعداً جديداً لترسيخ قواعد حكم النظام الجمهوري الإسلامي، بغض النظر عمن سيكون المرشح الفائز، ومحطةً جديدةً لتعزيز مفهوم تداول السلطة، بناءً على الإرادة الشعبية، في نظامٍ يُعلي كلمة المواطن ضمن فلسفةٍ تجمع بين "الهوية الإسلامية" و"مبادئ الجمهورية"، بغض النظر عن بعض العيوب هنا أو هناك، مما لا يَسلَمُ نظام حكمٍ منها.

أما التحليلات المبنية على الرغبات التي تتبناها القوى الغربية وكل مَن يشاطرهم العداء غير المبرر لإيران في منطقتنا، فسيكون مصيرها على الأغلب كمصير تلك التحليلات التي ما انفكّت تتنبأ بنهاية الجمهورية الإسلامية خلال 42 عاماً خلت، لا لشيء سوى كون هذه التحليلات غير مبنيةٍ على الواقع.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عمرو علان

كاتب وباحث فلسطيني

إقرأ للكاتب

الانسحاب الأميركي من وسط آسيا بين الفوضى والاستقرار

كما كان دخول أميركا عسكرياً إلى قلب آسيا، من خلال احتلال أفغانستان قبل 20 عاماً، تبدّلاً نوعياً...

"الإنذار الأحمر" وفشل الرهان الأميركي

لا يأتي التصعيد العسكري ضد القوات الأميركية في العراق وسوريا مفاجئاً لبعض متتبّعي السياسة...

الكيان الصهيوني: من طور التأسيس إلى طور النَّزْع الأخير

الكيان الصهيوني كيانٌ وظيفيٌ، أُنشئ بالتعاون مع قوى الاستعمار القديم من أجل إدامة السيطرة على...

ماذا بعد "سيف القدس"؟

يمكن القول إنَّ فصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة "حماس"، بعد أن ألحقت الهزيمة بالعدو في هذه...

"الدولة تحترق".. المشهد بعيون إسرائيلية

بهذا الوعي الشعبي الجمعي، والإدراك الكامل لطبيعة المعركة ومصيريتها، هبَّ المقدسيون دفاعاً عن...

موقع المقاومة في استراتيجية انتفاضةٍ ثالثةٍ

تُؤكّد الأحداث كل يوم أن الكيان الصهيوني يمر في أسوأ ظروفه منذ حين، فهو لم يعد قادراً على شن...