في الأردن سيجارة بسمنة.. سيجارة بزيت

هل أصبح نظام التسويق الحكومي للدخان هو "لتعيش أكثر شوية ابتعد عن السيجارة الالكترونية وخليك على السيجارة العادية"؟

سيجارة بسمنة.. سيجارة بزيت
سيجارة بسمنة.. سيجارة بزيت

كبرنا ونحن نشاهد برامج التوعية المرئية والمسموعة والمقروءة للحدّ من تقنين الدخان وإظهار مخاطره، حتى أنّ صورة رئة معطوبة أصبحت تتصدَّر علبة الدخان. باتت خطورة كلّ أنواع التنباك معروفة بالضرورة للجميع. إذن الإقبال على التدخين أو عدمه هو أمر شخصي يُقرّره الفرد مُتحمّلاً تبعة نتائجه وحده.

القضية المستهجَنة هي تجنيد أردني حكومي وإعلامي ومؤسّسي في محاربة السيجارة الإلكترونية وتضخيم مخاطر استخدامها ليكون الترويج للتنباك العادي بديهياً.

في جميع المناطق الحدودية في العالم توجد منطقة تسمّى "الحرّة" يُسمح فيها للمُسافِر شراء حاجيات بنِسَبٍ محدودةٍ من دون إخضاعها للضريبة، والحال في الأردن لا تختلف عن غيره من الدول بهذا الخصوص.

صدر يوم 23 آب/ أغسطس 2019 قرار من مجلس الوزراء الأردني بعدم السماح للمسافرين القادمين إلى الأردن بإدخال أكثر من كروز دخان واحد من المنطقة الحرّة مع كل مسافر. قرار تحديد كميات السجائر التي يُدخِلها المسافر معه عبر الحدود بكروزٍ واحد، يأتي حسب تبرير المجلس للحدّ من عمليات تهريب الدخان.

هل هذا الإجراء يُقنّن من التهريب أم يساهم في بيع دخان "مطيع"؟

تبع هذا القرار والتعديلات القانونية اعتبار شراء كروز دخان واحد إضافي جناية وليس جنحة، تبعه احتجاجات وفوضى عارِمة وحَرْق إطارات في الشوارع الرئيسة وإغلاقها في شمال المملكة لواء الرمثاء في محافظة إربد.

سجّلت وزارة الصحة الأميركية منذ فترة وجيزة حالة وفاة بسبب الآثار الجانبية لاستخدام السيجارة الإلكترونية وكثيراً من إصابات الرئة، حسب صحيفة الدستور الأردني. انتشر هذا الخبر في الصحافة الأردنية على نطاقٍ واسعٍ ليصبّ الذُعر في قلوب أصحاب "الكَيْف" الإلكتروني، ومنذ أيام والإعلام يقدّم أرقاماً وصوَراً مُفزِعة من انفجار أو إصابات جرّاء استخدام سيجارة "الجن" هذه، وكأن السيجارة العادية أكثر نفعاً من زيت الزيتون.

هلّا قدّمت الصحافة الأردنية ومن ورائها الحكومة بعض أرقام مُسجّلة في أميركا أو أي بلد في العالم حول وفيات مُدّخني السيجارة العادية والتي تتجاوز من دون أدنى شك الإصابة الواحدة، فمثلاً ألمانيا تُقدِّر أنّ 110.000 شخص يموت سنوياً، فقط من وراء الآثار الجانبية للسيجارة التقليدية.

أعيب على كثير الصحف التي تساهم في تنفيذ أجندة حكومية للضغط على مواطن "مستوي" فقط لتسويق دخان "مطيع" وكأن هذا الإسم ارتبط بالضرورة بالسجائر التي تُباع مُهرّبة لصالح المتنفّذين في الدولة.

قضية الدخان في الفترة الأخيرة كشفت بوضوح حجم تنفّذ كثير من رجالات الدولة في استخدام مُقدَّرات هذا البلد الذي يعمل أبناؤه على قدمٍ وساقٍ للخروج من أزمات خانِقة تحيط به سياسياً واقتصادياً داخلياً وخارجياً وضغوطات وتهديدات صريحة حيناً وأخرى ضمنية. فلائحة الإتهام المكوَّنة من 65 صفحة والصادِرة عن العقيد القاضي العسكري مُدّعي عام محكمة أمن الدولة فواز العتوم بتاريخ 6 شباط/فبراير2019م والتي استثنى فيها سنوات الفساد والتهريب وركَّز فقط على شخصية واحدة أو اثنتين ليكونا كبش فداء، كانت هي الدليل الوافي لإدانة كثيرين ممَّن يُعتَبرون رموزاً للحكومة وللقاضي في آن، ولقد فصّلت هذا في مقالٍ سابق "حكومات من دخان".

الحقيقة أنّ شبكة من المستفيدين، وهم قريبون جداً من القرار الأول يعبثون في مستقبل وطننا وقرارته التي تجاوزت اليوم كروز دخان، وتجنيد مؤسَّسات الدولة بما فيها الصحافة بشكلٍ أساسي، لترويج الدخان بشكلٍ قَذِرٍ من خلال تقديم إحصائيات لا أشكّك بصحتها، إنمّا بأهدافها.

لا أستهين بالميزانية التي ستعود من وراء منع كروز الدخان الواحد رغم الذي يُقلّله كثيرون في الشارع الأردني، ولا بقرار المنع بحدّ ذاته تماشياً مع كثير من الدول الأوروبية التي تحاول الأردن تقليدها من جانبٍ واحد، وهو وضع الضريبة على كل مُنتَج وآلية بيع، كالذي صرَّح به وزير الريادة مُثنّى الغرايبة في إخضاع دعايات "الغوغل" و"الفيس بوك" وكل المبيعات التي تسوّق إلكترونياً للضريبة. قرار حكيم ويتماشى فعلاً مع سياسات الدول المتقدّمة سعادة الوزير، بَيْدَ أنّك نسيت أو تناسيت - وكليهما كالذي يهرب من التعطيل فيقع في التشبيه - بأنّ هذه الدول المتقدّمة التي تحاول نهجها، تعود بهذا الكمّ من ناتج الضريبة لخدمة المواطن من تأمينٍ صحي شاملٍ وعادل، وهذا هو عُرف الدول المتقدّمة وسنامها، وليس إبن وزير وآخر إبن حراث. ولا أظنّك سعادة الوزير تشكّك بهذا الزعم وأنت إبن البلد وتعي تماماً الإهمال الصحي كمستشفى الأميرة بسمة وليس له من إسمه نصيب، ومستشفى الزرقاء الحكومي وإسمه دلالة عليه وغيرهما الكثير، وتعليم مجاني وخدمات وراتب للعاطلين عن العمل. فهلّا أكملت برنامج الطرح الضريبي سعادة الوزير؟   

الذي يُثير الاستياء هو الاستخفاف بعقول الشعب لتمرير قرار مَنْع الكروز بذريعة التقنين من التهريب وليس المنع بحدّ ذاته.

للدولة حق تشريع القوانين بما يتناسب مع مصلحة الدولة والشعب. فهل أصبح نظام التسويق الحكومي للدخان هو "لتعيش أكثر شوية ابتعد عن السيجارة الالكترونية وخليك على السيجارة العادية"؟