كيف ينهض الشباب العربي بهويّاته الضائعة؟

المستقبل لنا، نحن الشباب، المحرّك الأقوى لهذا المجتمع، فلننهض، فلنجتمع، فلنتحادث، وننصت، ونغيّر لاسترداد هويّاتنا الضائعة.

  • المصيبة الكبرى القائمة في مجتمعنا هي مجاعة الفكر وضياع الهوية والإنتماء (رسم هيلدا هياري)

مع اقتراب نهاية هذا العام الحافل، والمثقل بالأحداث والوقائع، المؤلمة والمفرحة، والمشقّات والجدالات والاتهامات والتهديدات، على الصعيد العام بداية وعلى صعيد شخصيّ ثانياً، يحضرني الحديث عن الأشياء التي استرجعتها واكتسبتها جرّاء المتابعة اليوميّة للناس والأحداث على مختلف مواقع التواصل والإعلام والملاحظات التي احتفظت بها. 

في هذا العام استرجعت موهبتي في الكتابة، التي لم تغب يوماً، ولكنّي كنت قد أخمدتها لفترة، لكنّي اليوم أعدت إشعالها. ولعلّ قلمي الحر، الذي لم تستعبده المجاملات والتملّقات والمديح والثناءات، لم يعجب الكثيرين، لأنني أكتب الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة. أنتقد وأشذب بشدّة وبشكل لاذع. ولا "أُبرئ" نفسي من أسلوبي الذي كان في بعض الأوقات حادًا، وفي كثير من الأوقات تهكميًا ساخرًا، لأن بعض الرسائل لا تصل لبعض الناس، للأسف، سوى بالتهكّم الذي يبيت خلفه المقصد.

فبعض الفئات من النّاس إذا عرضت أمامهم الأدلة والحجج، لن يقرؤوها، ولن يعيروها اهتماماً. ويعود ذلك إلى أن بعضهم يرتاحون للأفكار التي تأتيهم جاهزة ومُعلّبة، ولا يبحثون في حقائق الأمور. 

لقد تحدّثتُ وعرضت مواضيع كثيرة، جعلتني بنظر فئة من الناس "ضالًا" ومن تيار "النقد السلبي" و"خائنًا" و"مرتدًا"، وغيرها من الصفات الاتهاميّة الكثيرة. لا أنتظر تبريراً من أحد، روّضتني التجربة على ألاّ يرتفع همّ الناس على ما دعا الله الإنسان إليه، والهدف الذي خلقه من أجله. وكما قال السيد موسى الصدر : "إن رضا الله سبحانه وتعالى لا رضا الناس أنشودتي وغناي".  

هذا على الصعيد الشخصي، أما على الصعيد العام، ففي نظرة سريعة على الأحداث الأخيرة في العالم العربي، وكيفية التفاعل الإجتماعي للناس مع الأزمات، نرى أن المصيبة الكبرى القائمة في مجتمعنا هي مجاعة الفكر وضياع الهوية والإنتماء. ففي القرون الماضية، كنا نقرأ أن العرب في مقدمة شعلة الحضارة، يقصدهم الناس من كل البلاد، وكان من يريد أن يكسب علمًا يتعلم العربية أولًا، لأنها كانت لغة العلوم. وانتشرت في حضاراتهم علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات والأحياء والطب والفلسفة وعلم الكلام.

إلى أن ذهب كل شيء ذرّ الرياح، وباتت بعض مجتمعاتنا من طليعة المتحضرين إلى طليعة المتخلفين. رمينا كل ما أوتي إلينا، واستعبدنا أنفسنا وبلادنا، وقدّمنا أدمغتنا للآخرين وتبعناهم لنرتقي، من دون أن نفعل ذلك لمجتمعاتنا. فبعد أن كان العربي، الفارس، الرحّالة، العالم العلاّمة، صار يُدعى "التنبل"، "ذو الكرش"، الجالس خلف الشاشات والعالم الافتراضي. صار العربي الذي كانت له يومًا أولى وأكبر المكتبات، لم يعد يقرأ اليوم سوى في كتب الطبخ والأبراج، وتغريدات "المؤثرين"، فتملؤهم الدهشة، من دون أي مجهود للسعي وراء الخبر، وراء الحقائق والمعلومات، وراء الحقيقة نفسها! وطبعاً الكلام غير معمّم، لكنها فئات كبيرة مستحوذة على الصورة العامّة.  

والمخزي أكثر اليوم، أن بعض الأنظمة العربيّة أنزلت من مقدار الإنسان، فصارت الأرواح بخسة، من خلال تظافر الحروب عليها. ولا نفعل سوى أن نمضي مطأطئي الرأس، نستحضر النكسة تلو النكسة، والنكبة بعد النكبة. 

ولم يكفنا جهل الكثيرين، بل تنصّل البعض من هويته وتاريخة وعروبته. ولا أقصد أن لا نستفيد من آثار وأفكار وأيدولوجيات الجميع، إلا ما يخالف قناعاتنا وقضايانا، بل قصدت أن لا نقف في مكاننا، أن نستغل أيامنا، أن نقرأ ونكتب، أن نبتكر ونبدع. الساسة الذين يعيثون في الأرض فساداً لن يُخلّدوا، المستقبل لنا، نحن الشباب، المحرّك الأقوى لهذا المجتمع، فلننهض، فلنجتمع، فلنتحادث، وننصت، ونغيّر لاسترداد هويّاتنا الضائعة. دعوا كل إرهاصات وإسقاطات الغير، ونبذهم للآخر والرأي والاختلاف. هؤلاء الدجالون، الذين يقولون نحن نقبل الرأي الآخر طالما كان مثل رأينا! ونقبل الإختلاف طالما كان مثل اختلافنا! بعُدنا، بعُدنا عن المبادئ والقيم والأخلاق، وتعلقنا بالكبرياء الزائف والقشور وأطلقنا لسانًا لقلاقاً. فانتشر التكفير والتضليل والترهيب.

كنت قد وعدتُ نفسي أن أكون متفائلاً هذا العام وفي أيامي المقبلة، أن أضع كل حزني واكتئابي وقلقي جانبًا، أن أكون متفهماً ومتسامحاً، حاولت ولا زلت أحاول. أضأت شعلة الأمل وتحديت جميع العوامل. أنا لست ناصحًا ولا واعظًا، بدأت بنفسي قبل الآخرين. أنتقد الحالات الشاذة والأحداث والأفعال لا الأشخاص. وكم أتمنى لو نفعل كلنا هذا. لو نبتعد عن خطاب التجريح، وتجذير اليأس، وإحباط البأس، نحن لسنا ضعفاء، لسنا جبناء، لسنا مكسر عصى أو كبش محرقة، نحن الشباب العربي، الذي إذا ما قال سعى، وإذا ما قام ومضى، بيده تزدهر كل المنطقة، وبيده يُحرر الأقصى. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن شرف الدين

كاتب من لبنان

إقرأ للكاتب

كورونا وعبور الحدود الطبقية والعرقية.. هل هي فرصة الانقلاب الفكري؟

انقلب العالم رأساً على عقب، تبدلت آليات إدارة النظم البشرية، إن كان في القطاعات الصحية أو حتى...

وديعة الخالق بين حكم العرف والمطارق

نحن بحاجة اليوم إلى إعادة تعريف لمكونات هذا المجتمع، وتحديداً المرأة. على المجتمع أن يعي بالدرجة...

في ليلة فلسطين الحزينة.. الروح ما يقاتل فينا يا يوسف

يوسف روح تقاتل، متجذرة، شجرة زيتون معمّرة، لا تنسفها صفقات رعاديد رعاع خونة، ولا يجتث جسدها...

إلى مرضي النفسي: أحتال عليكَ فتتلاشى!

في بداية الأمر أخفيت الموضوع عن الجميع سوى عن قلة قليلة ممن أثق بهم، ذلك لأنني أعرف التفكير...

إلى المعلّم الذي أجاب على عذر اكتئابي بـ"كلنا لدينا مشكلات"

مررت بـ"غيبوبة" لمدة أربعة أيام، مكثت في سريري ولم أتحرك إلى أي جهة ولم أرَ شيئاً سوى النار...

كيف يُطفئ الحزن اشتعال المُقل؟

يقولون إنه اكتئاب، يخرج على شكل حزن عميق، يحتل ضفتيّ هذا العقل، ويغزو ما تبقى منه، تاركاً لي...