حاجة فلسطينيّة وضرورة استراتيجيّة لمؤتمر وطني

إن المطلوب من هذا المؤتمر أن تشخّص المشكلة الحقيقية وأن تطرح الحلول وتحدّد الآليات وتدوّن التوصيات بحيث تكون مُلزِمة للقيادة السياسية الفلسطينية في غزَّة والضفة الغربية.

  • حاجة فلسطينيّة وضرورة استراتيجيّة لمؤتمر وطني
    حاجة فلسطينيّة وضرورة استراتيجيّة لمؤتمر وطني

ما من شك أن القضية الفلسطينية تمر في أصعب الظروف في الوقت الراهِن، وتتعرَّض لجُملة كبيرة من المخاطر والتحديات على كافة الأصعدة، في ظل مُتغيّرات داخلية محلية وعربية وإقليمية، أمام سياسة أميركية إسرائيلية مُتمثّلة بفرض قرارات عملية على أرض الواقع بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة، وظهرت ملامحها على الأرض واضحة مع تقلّد دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية عبر ما سمّي بصفقة القرن، مروراً بالسياسات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية واستمرار حصار قطاع غزّة.

فلسطينياً على الصعيد الداخلي يواجه الشعب الفلسطيني أزمات معقّدة ومركّبة في ذات الوقت، انقسام لأكثر من ثلاث عشرة عاماً، وفشل مسار المصالحة الفلسطينية ووصولها إلى طريق مسدود، واستحواذ كامل من الرئيس محمود عباس على النظام السياسي الفلسطيني، وتفرّده بكل القرارات من دون مشاركة أي من ممثلي الشعب في اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني والمجلس المركزي وغيابهم عن المسرح السياسي، وامتناع كامل عن الدعوة لعقد الإطار القيادي لمنظمة التحرير، وإصراره على تعطيله من دون ذِكر الأسباب، كذلك غياب وتعطيل وحل المجلس التشريعي الفلسطيني عبر قرار من المحكمة الدستورية، وفشل مشروع الانتخابات التشريعية والرئاسية الذي تم الحديث عنه مؤخّراً بعد موافقة الفصائل الفلسطينية كافة أمام تهرّب الرئيس من إصدار مرسوم رئاسي يحدّد موعد إجرائها والتذرّع بعدم الموافقة الإسرائيلية على عقدها في مدينة القدس، ولم يبق سوى سلطة وظيفية في الضفة الغربية أصبح دورها فقط التنسيق الأمني مع "إسرائيل" والحفاظ على مكتسبات مسؤوليها على حساب معاناة الشعب الفلسطيني في كل مدن الضفة من قِبَل الاحتلال والسلطة الفلسطينية معاً.

أمام هذا الواقع والحال الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية من خطر حقيقي محدِق وانسداد كل الأفق، وتراجع المشروع السياسيّ الفلسطينيّ في ظل التهديدات الإسرائيلية المُعلَنة بإجراءات جديدة تمثلت بضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية تحت السيادة الإسرائيلية، ألم يحن الوقت بعد إلى الدعوة لعقد مؤتمر وطني فلسطيني شامل تحضره الفصائل الفلسطينية كافة من دون استثناء أحد؟ وشخصيات وطنية ونخب ومفكرون وأكاديميون يعقد في أية دولة أو عاصمة عربية، من أجل وضع رؤية و خطوط عريضة لاستراتيجية وطنية جديدة للعمل الوطني؟

أمام المشهد الذي استعرضته أعلاه، فنحن كشعب نعيش في أزمة حقيقية على عدّة صعد. هذه الأزمة تحمل في ثناياها ضياعاً حقيقياً للقضية الوطنية والمشروع الوطني، ولابد من وقفة مسؤولة وجادّة تقدّم فيها مصلحة الوطن والقضية على مصلحة الحزب أو أية مصالح أخرى، وإلا فالتاريخ لن يرحم أحداً.

إن عقد مثل هذا المؤتمر في هذا التوقيت يشكّل حاجة فلسطينيّة وضرورة استراتيجيّة، كما أن من أهم ما يجب التركيز عليه خلال هذا المؤتمر الذي يُعدّ من أولويات المرحلة القادمة هو ضرورة مناقشة استراتيجية فلسطينية وطنية جامِعة تتصدّى للاستراتيجية الأميركيّة والإسرائيليّة ضدّ القضيّة الفلسطينيّة، تتلخّص بموقف فلسطيني عملي ورافِض لصفقة القرن، وإجراء حوار فلسطيني عميق يتطرَّق إلى كافة القضايا المتعلقة بالقضية الفلسطينية بحيث يسفر عن تقديم رؤية وطنية استراتيجيّة بديلة عمّا تشهده الساحة الفلسطينيّة التي وصلت إلى أفق مسدود.

إن المطلوب من هذا المؤتمر أن تشخّص المشكلة الحقيقية وأن تطرح الحلول وتحدّد الآليات وتدوّن التوصيات بحيث تكون مُلزِمة للقيادة السياسية الفلسطينية في غزَّة والضفة الغربية، ونتوقّف جدياً لماذا فشلنا كفلسطينيين في إدارة المرحلة الماضية باتفاقياتها؟

بل إن المطلوب من مثل هكذا مؤتمر أن يضع المجتمعون منهاجاً وطنياً واضحاً لكل القضايا الاستراتيجية، وبرامج ترتكز على قاعدة الإيمان بالآخر والعمل الوطني المشترك على قاعدة الوطن للجميع فلا استفراد ولا تفرّد، ولا مفاوضات إلى ما لا نهاية، وكفى لإدارة الانقسام ولتحقّق الوحدة الوطنية واقعاً عملياً بين كل الأطياف والقوى الفلسطينية الحية.

ليسجّل عام 2020 أنه عام الوحدة الوطنية وتحقيق الشراكة وعقد الانتخابات وتجديد كل الشرعيات كمحاولة أخيرة لإنقاذ شعبنا الفلسطيني من مصيره المجهول الذي يعيشه سواءً بفعل الأخطاء الداخلية من جهة والتهديدات الخارجية من جهة أخرى، وضرورة التخندق صفاً واحداً وتحت مظلة سياسية جامعة في مواجهة الصلف الإسرائيلي والعنجهية والعربدة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شرحبيل الغريب

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

إقرأ للكاتب

صلاة المطبعين ونبوءة التوراة!

تكرار زيارات الوفود الإماراتية، بعد التطبيع مع الاحتلال، إلى المسجد الأقصى ليس عبثاً. هي زيارات...

فلسطينيون تحت سياط القضاء السّعوديّ.. غياب العدالة؟!

هذه المحاكمات لها هدفان أساسيان، الأول محاولة تغيير المزاج العربي المؤيد لفلسطين، أما الثاني فهو...

الانتخابات الفلسطينيَّة بين الاستحقاق والتّوظيف

لإنجاح الجهود التي يقودها السيد جبريل الرجوب لأوَّل مرة منذ تاريخ الانقسام الفلسطيني، لا بدَّ من...

الجنود الأسرى مقابل ازدهار اقتصاديّ في غزة

ثمة تطورات سريعة تطرأ بين ساعة وأخرى على المشهد الميداني والموقف الإسرائيلي في قطاع غزة.

اتّصالات أميركيّة مع حماس.. الهدف والتّوقيت!

من يسلّط الضوء على سلوك الإدارة الأميركية يدرك تماماً الأهداف الخفية من مثل هذه الاتصالات مع...

"إسرائيل" صامتة.. معركة أمنية تُدار في الخفاء

25 دقيقة بثّتها قناة الميادين الفضائية كانت كافية لفَضْحِ أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وقيادتها...