لماذا نعتقد أن الكفّ الإيراني سيهزم مخرز الحصار والوباء؟

لماذا أستذكر كل هذه الانطباعات الآن، وهي جزء من عشرات الانطباعات التي عشتها واقعاً ملموساً، وليس عبر وسائل الإعلام الموجّهة التي شكّلت لسنوات رأياً عاماً معادياً لتلك الجمهورية؟

  • رجل يرتدي قناعاً واقياً أمام غرافتي للمرشد والمقاومة الإيرانية في طهران (أ ف ب)

ما زلت أذكر جيداً ذلك الصباح المشرق في 18 أيار/مايو 2012، حين أقلعت بنا طائرة شركة "ماهان" الإيرانية من مطار دمشق الدولي في سوريا العروبة إلى العاصمة الإيرانية طهران، لحضور أحد المؤتمرات الداعمة لمقاومة الشعب الفلسطيني.

كنتُ ومجموعة من الأصدقاء العربَ الوحيدين على متن تلك الطائرة. أما المسافرون الآخرون، فقد كانوا رجالاً ونساءً إيرانيين يبدو عليهم الوقار والسكينة والهدوء الذي لم نعتده سابقاً، وكان ذلك الانطباع الأول الذي علِق في ذهني عن الشعب الإيراني الطيب.

على مدى أكثر من ساعتين من تحليق الطائرة، انتابتني أحاسيس مختلفة، ذلك أنني أتوجه إلى بلدٍ لم أسمع عنه منذ سنين سوى الأخبار المخيفة والمرعبة، وأخذت أتصوّر تلك اللحظة التي ستطأ فيها أقدامنا أرض تلك الدولة، وما سأشاهده وأسمعه هناك من أناس يصوّرهم معظم الإعلام العربي والغربي وكأنهم وحوش كاسرة، جاءت من أزمان بائدة لتعيث فساداً وخراباً في العالم المتحضّر.

وما هي إلا لحظات حتى هبطنا في مطار طهران الدولي، ومعها كان الانطباع الثاني، فقد كان واضحاً مدى الحفاوة والترحيب اللذين يُستقبل بهما المسافرون على اختلاف جنسياتهم وألوانهم وأعراقهم، مع ترحيب إضافي ملحوظ يحظى به الضيف الفلسطيني الذي تبيّن لي أن له مكانة خاصة ومميزة في قلوب الإيرانيين.

الانطباع الثالث تشكّل عندما غادرنا المطار مع مضيفينا الذين كانوا ينتظروننا، إذ شاهدت مدينة حباها الله جمالاً أخّاذاً يُبهر العيون ويأسر النفوس، وتسير الحياة فيها بانضباط شديد، رغم زحمتها وضجيجها، فالمواطن ليس بحاجة إلى شرطي مرور ليفتح له الطريق أو يخلّصه من زحمة الشوارع. كل شيء يسير بهدوء وسلاسة قلّ نظيرها في مثل هذه الأماكن المزدحمة.

رابع الانطباعات كوّنته من خلال سلوك الشخصيات الرسمية والشعبية التي تسنّى لنا مقابلتها، ومنها شخصيات رفيعة، حيث المستوى العلمي والثقافي المميز، والاطلاع الواسع، والإلمام اللافت في معظم المواضيع التي قد تخطر على بال أحد، وكذلك حجم العقول والكفاءات الشبابية في كل المجالات، وهو ما مكّن هذا الشعب من تجاوز الكثير من تداعيات الحصار الظالم المفروض عليه منذ انتصار الثورة الإسلامية في العام 1979.

أما خامس انطباعاتي، فكان حجم التطور في المجالات المدنية والعسكرية والصناعية والدوائية التي تضاهي مثيلاتها في الدول الكبرى. 
ولو أُتيحت الفرصة للشعب الإيراني بكوادره وعلمائه للعمل من دون تضييق أو حرمان من بعض الإمكانيات والموارد الضرورية، لتفوّق على كثير من دول العالم الرائدة في هذا المجال.

سادس انطباعاتي وآخرها، لعدم الإطالة، هو القيادة الإيرانية، سواء السياسية أو العسكرية، وأسلوب تفكيرها المنفتح على الشعب بشكل قلّ نظيره، ونظرتها إلى العديد من القضايا التي تهم الأمة الإسلامية، ولا سيما القضية الفلسطينية!

إن القيادة الإيرانية، بحسب ما سمعنا وعرفنا، تنظر إلى فلسطين على اعتبار أنها قضية عقائدية، وليست مجرد قضية جانبية أو هامشية للمزايدات وتحقيق المكاسب. وهذا الموقف ينسحب على عموم الشعب الإيراني المحبّ والعاشق لفلسطين وأهلها.

ولكن لماذا أستذكر كل هذه الانطباعات الآن، وهي جزء قليل من عشرات الانطباعات الإيجابية، إن لم يكن المئات، التي عشتها واقعاً ملموساً، وليس عبر وسائل الإعلام الموجّهة التي شكّلت لسنوات طويلة رأياً عاماً معادياً ومناوئاً لتلك الجمهورية العظيمة؟!

السبب هو ما تتعرّض له إيران اليوم من حرب ضروس على أكثر من صعيد، تواجه فيها الكثير من الأعداء الذين اجتمعوا على مبدأ الكيد لها ومحاولة إسقاطها وتدميرها، وعلى رأسهم الشيطان الأكبر أميركا، وحلفاؤها من عجم وعرب، إضافةً إلى مرض العصر "كوفيد 19"، الذي بات يضرب بقوة معظم مناحي الحياة فيها.

ورغم هذه الجائحة القاتلة وما تتركه من ندوب وجراحات في الجسد الإيراني المنهك بفعل العقوبات الأميركية الظالمة، ورغم التضييق الممنهج المتعدد الأشكال الذي يحيط بهذه الجمهورية من كل جانب، والذي لو مُورس ضد أمة أخرى لأسقطها منذ أمدٍ بعيد. رغم كل ذلك، ما زال لدى الشعب الإيراني وقيادته الإمكانية للصمود والتحدي والانتصار.

هذه القدرة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة العمل الدؤوب والمتواصل الذي تقوم به هذه الدولة المسلمة، وتستثمر فيه كل إمكانياتها البشرية والمادية.

نحن على ثقة بأنّ الشعب الإيراني الطيّب والمثابر والمكافح سينتصر في نهاية المطاف على كل الأعداء، رغم التضحيات الجسام والأزمات التي لا تتوقّف بفعل العدوان والحصار، وسيتمكَّن من تحويل كل هذه التهديدات إلى فرصة سانحة لكتابة الفصل الأخير في مسيرته، والذي سيروي فيه أن شعباً صبر وضحّى وعمل بكل تفانٍ، وانتصر على كل محاولات الإقصاء والتركيع ومصادرة حقه في الحياة، وأنَّ هذه الأمة تجاوزت كلّ المحن والمصاعب، واستطاعت الوصول بسفينتها إلى برّ الأمان.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أحمد عبد الرحمن

كاتب سياسي فلسطيني

إقرأ للكاتب

الانقسام الفلسطيني و"كوفيد 19".. لمن تكون الغلبة في النهاية؟

لن نجد، كشعب وفصائل، أفضل من هذا "الوباء" لنحوّله إلى فرصة للمّ الشمل ورصّ الصفوف، لمواجهة...

ماذا لو ثبت أن كورونا كان نتيجة هجوم بيولوجي أميركي؟

لو توفرت الأدلة الدامغة والمثبتة علمياً أو حتى استخبارياً لتأكيد هذه النظرية، فذلك يعني إعلان...

الانتخابات الإسرائيليَّة الثالثة ومؤشّرات التطرّف

الانتخابات الإسرائيلية، تجسيد حيّ للفكر المتطرف الَّذي بات يسيطر على المجتمع الإسرائيلي، وإنَّ...

الشَّهيد المصلوب على أسنان الجرّافة

بالرجوع إلى التوراة "المحرّفة" التي يعتمد عليها الصَّهاينة في تحديد مواقفهم وأفعالهم، نجد ما...