ما بعد "كورونا".. هوية جديدة للأرض

 ما فعلته كورونا يُعيد إعطاء هوية جديدة للأرض والقاطنين عليها، ويُحفّز الأسئلة التي استغرقنا قرناً أو أكثر لنحصل على إجاباتها بغية إنقاذ الإنسان.. ذلك المجهول!

  • ما بعد "كورونا".. هوية جديدة للأرض
    يجب إعادة النظر بالفكر الرأسمالي الذي يُعلي من شأن المال

لم تفلح الرأسمالية في تأبيد انتصارها كفكرة نهائية. رغم كل الترويج الإعلامي والتحشيد النظري خلال القرن الماضي والحالي فإنّها دائماً ما كانت تصطدم بإشكاليات الواقع وتعقيداته وتحدّياته.

قُدرتها على الالتفاف والموارَبة والمُداوَرة والتبرير والتوظيف لم تحدّ من سيول التشكيك عن طبيعتها العدوانية ونتائجها المتوحّشة وفي عدم ملائمتها لجوهر الحياة الإنسانية. 

نمو الأدوات الرأسمالية على مستوى النقد والبورصات والتجارة والأنظمة المصرفية كان دائماً مصحوباً باعتراضات أخلاقية عميقة عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. بقعة المُعاناة كانت تكبر يوماً بعد يوم حتى داخل المجتمعات التي أنشأتها واختبرتها وذاقت طعم تمدّنٍ ما لبث أنْ انقلب على ذاته! 

واحدة من الضربات الموجِعة كانت من "الكينزية" التي طرحت نفسها كبديلٍ جدّي لا تهدف إلى تصحيح خلل في مبادىء المال وقواعد الثروة فحسب، وإنما طالبت بمحو التناقُضات التي عصفت بأسس الفكرة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وذهبت للاعتراف بالدولة ودورها الرعائي "المُقدّس" في ترميم الفجوات بين الطبقات. 

مع "كورونا" عادت الأسئلة حول "جائِحة" الرأسمالية كنظامٍ اقتصادي وكنمط حياة. حول الهيمنة والعنف والامتيازات من جانب، وانحدار مستويات المعيشة ومعدلات الفقر والبطالة من جانب آخر. حول الأوليغارشية النافذة المرفّهة ودورها العابر للحدود والأوطان. وفي المقابل، هناك المعدمون المُهمّشون الذين لم يبقَ في عيونهم سوى الليل.

 الأسئلة التي تُظهر ما في أعماق الإنسان من نزوع ورغبة أكيدة إلى التغيير وتبحث في الكمالات "ما فوق مادية"، بعدما تبيّن أنّ الرأسمالية لا تمثّل إرادة الإنسان وحريته واختياره وإنما حرص الرأسماليين وجشعهم ومكرهم وحبهم المفرط للمال وانغماسهم بالأبعاد المادية في الحياة على حساب الأبعاد المعنوية والإنسانية الأخرى. وما توجّه البشرية اليوم إلى الله إلا لتؤكّد كما يقول الشهيد محمّد باقر الصدر: "رفضها المستمر لأيّ مُطلق آخر من المُطلقات المُصطنعة والمُزيّفة ". فالرأسمالية رغم كل المحاولات العلمية لجعل قوانينها قوانين كلية لا تُخدش ولا تُبور مع تقدّم الزمن، إلا أنّ طبيعة التناقضات في مدخلاتها ومخرجاتها لا تعكس إلا كونها ظاهرة تملأ جزءاً من  ظواهر الساحة التاريخية ولا يمكنها البتّة أن تستوعب كامل التاريخ ولا أن تستجيب لحركة الإنسان وتطلّعاته المادية والروحية التي يجب أن تسير إليها الإنسانية!

  يُعزّز هذا الرأي ما أدلى به مؤخّراً المُفكّر الأميركي نعوم تشومسكي إلى موقع TRUTH OUT من ضرورة إعادة بناء مجتمع قابل للحياة بعد الحُطام الذي ستتركه أزمة  "كورونا" مُستشهداً بدعوة المؤرّخ فيجاي براساد الذي قال "لن تعود الأمور إلى طبيعتها، لأن الوضع الطبيعي كان هو المشكلة". 

بمعنى آخر، يجب إعادة النظر بالفكر الرأسمالي الذي يُعلي من شأن المال ويدعو إلى تجميعه وتكديسه والتنافُس فيه، واستئصال كل العلاقات الاجتماعية والإقتصادية التي نشأت على أساس الاستغلال والطمع والتكاثُر "وتعظيم الأرباح التي من شأنها أن تحطّم أسس الحياة المُتحضّرة" كما هو رأي تشومسكي.

 ولو كانت الرأسمالية تملك قابلية إصلاح نفسها من داخلها، كان  "يجب أن يكون هناك شخص ما يلتقط الكرة ويركض بها"، لكن تشومسكي يحاجّ بأنّ ذلك من غير المقدور عليه بسبب أمراض هذا النظام الذي يقف وراء التعامل الفاشل للولايات المتحدة والغرب عموماً مع جائِحة كورونا.

إنّ عدم تدخَّل الدولة في الاقتصاد، استناداً إلى عقيدة "الحكومة هي المشكلة"، وتقديم الربح على منع كارثة مستقبلية، وتسليم عملية صنع القرار بشكل كامل إلى رجالات القطاع الخاص الذين لا يوجد فيهم مَن يهتم بالصالح العام، وتصميم السياسة لتكون لصالح أقلّية صغيرة في حين يتخبّط الباقون من الفقراء والفئات الأكثر ضعفاً، يكشف عن أنّ عقرب الأيام يقترب أكثر وأكثر من ساعة منتصف الليل. يُعلّل تشومسكي الوصول إلى هذه النتيجة إلى النسخة النيوليبرالية للرأسمالية، التي لها صلة مباشرة بما يجري اليوم، والتي ستُهدّد مصير الجنس البشري. 

لا شك أنّ أزمة كورونا عرَّت هذا النظام أخلاقياً، وكل الترهات عن فردانية الفرد الرأسمالي وحقوقه الأساسية البديهية تمّت التضحية بها من أجل الربح والسوق والمصالح التجارية! سيُدافع الرأسماليون حتماً بإجابات إلتفافية تكلّفية على طريقة ما اصطلح عليه الدكتور عبدالله العروي عن "فكر الليل وفكر النهار". لكن الأزمة أكبر من أيّ هروب إلى الأمام. 

في أعماق إنسان هذا العصر نزوع ورغبة أكيدة في التغيير. تشومسكي يعتبر أنّ الوباء يدفع الناس إلى التفكير في نوع العالم المطلوب، ويُلاقيه على الضفة الأخرى كلام لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر الذي يرى أن جائِحة فيروس كورونا ستغيّر النظام العالمي للأبد، وأنّ علينا التحضر إلى نظام ما بعد جائحة كورونا الذي يقرّ فيه بضرورة التعاون والتضامن الاجتماعي وتعزيز الكرامة الإنسانية لتحقيق السلام والاستقرار العالميين! 

وفي هذا الموقف تأكيد على التأثيرات الزلزالية لهذه الجائِحة على العقل الغربي الذي بدأ يبحث عن تصحيح ما تلبّس به من "وثوقية" ورهانات شكّلت أساساً للظلم وسوء توزيع الموارد وكفران النِعَم. ولهذا يشير الإقتصادي الأميركي الشهير جيفري ساكس بأنّ "التكلفة الإجمالية لأهداف التنمية المُستدامة تقدَّر بنحو 5% من ناتجنا السنوي، ومن الجنون ألا نعمل لتحقيق تلك الأهداف، وإن الفشل في تحقيقها سيؤكّد أنّ العالم يُسيء استخدام موارده ويعني ذلك أنّ هناك توجيهاً خاطئاً بشكلٍ كبيرٍ للموارد باتجاه الحرب أو الأكثر ثراء الذين يشترون يخوتاً بطول 300 متر أو يشترون عدداً من البيوت لا يعرفون ما سيفعلون بها". 

ساكس اعتبر أنّ العالم الذي "تحكمه القوى الغربية يُشرِف على نهايته"، وأنّ الوضع الوجودي في العالم يتوقّف على مُعالجة الاحتياج الإقتصادي والعدالة الاجتماعية والقضايا البيئية والتعاون السلمي وكلها قضايا لا تلحظها القِيَم الرأسمالية وغير مضمونة في قوانينها.

تحتاج البشرية أن تُدرِك أكثر سرّ وجودها على الأرض وتتحمَّل مسؤولياتها في إقامة العدل وتنمية الثروة لصالح الجميع. تحتاج إلى توسيع هوية الإنسان وإخراجه من وَهْم الأيديولوجيات والأنانيات المُدمِّرة.

ما فعلته كورونا يخترق اليوم الكثير من المفاهيم والتصوّرات. يُعيد إعطاء هوية جديدة للأرض والقاطنين عليها. ينسف إرثهم وأوثانهم وأقنعتهم وقِيَمهم وفنون عَيْشهم، ومُعتقداتهم السحرية بالاشتراكية حيناً والرأسمالية حيناً آخر. يُحفّز الأسئلة التي استغرقنا قرناً أو أكثر لنحصل على إجاباتها بغية إنقاذ "الإنسان... ذلك المجهول"!

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
صادق النابلسي

أستاذ جامعي

إقرأ للكاتب

حزب الله بين جيلين: مدار الأزمات والانتصارات!

تقول الرواية إنّ عدداً من مجاهدي حزب الله الشباب، وبعد أن أنهوا استعداداتهم التدريبية قبيل عملية...

شيء لم نره بعد لكنه قادم.. مخاوف "إسرائيل" لا تسعفها "صفقة القرن"

من الواضح أنّ فكرة الهروب إلى الأمام لدى كلٍّ من نتنياهو وترامب تقاطعت مع بيئة الصراع الحالية في...

التحدّيات الناعِمة لبيئة المقاومة في لبنان

في هذه المقالة الموجَزة، محاولة لفَهْمِ تموضُعات جمهور حزب الله خلال تعامُله مع وسائِط التواصُل...