من أنت يا جورج فلويد؟!

إن كان لمقتلك من غاية تُنال، فلا بد باسمك من معنى يُقال، وأنا لا أؤمن بالصدفة، فما المعنى المحمول باسمك يا ترى؟

  • من أنت يا جورج فلويد؟!
    من أنت يا جورج فلويد؟!

لا أؤمن بالصّدف. قاعدة ثبّتها في ذهني، وأثبتها لنفسي. أنطلق منها لفهم ما يجري من أمور.

 عندما سمعنا بخبر مقتل المظلوم جورج فلويد، وشاهدنا بشاعة الطريقة التي قضى بها نحبه، علق اسمه بذهني كسهم أصاب اللبّ من هدفه، لا اللبّ بإمكانه النجاة بإخراج السهم منه، ولا السهم يرحم ذلك اللبّ من غزّ الوجع.

 بقي ذلك الاسم يتردَّد مراراً في بالي، حتى خالطت حروفه وجداني، وأنا أشاهد كل يوم كيف أشعل صاحبه الحزن في قلوب الناس، وأوقد الغضب في نفوسهم في بلاد الله الواسعة. ومن وسط أعتى دول الأرض، فرض بإيقاع موته ترنيمة هادرة، بدأت تنشدها الاحتجاجات الواسعة، وباتت ترفعها التظاهرات العارمة بنداءاتها: لا نستطيع التنفّس.

 

"لا نستطيع التنفس".. "لا نستطيع التنفس "

حشود تتلوها على أثر حشود، وشعلة زفيرها تحرق آثام القعود، وحرارة الدموع من غفلة الخنوع تذيب المقل، حتى تلقّفتها عنهم الوقفات المنددة حول العالم، كأنها تربة أرض قاحلة كانت للغيث مرتقبة، فاهتزت عندما ارتوت من حنينها وربت، فأصبح صداها يصدّع سدود الآفاق، ويقطع حدود الأوهام، وغدا هديرها يهز قلاع الشر، ويتردد بين الجبال، جبال النهضة، كهدير السيل العرم.

 لماذا أنت يا جورج فلويد؟ لم أعلم عنك سوى اسمك وفاجعة مقتلك، حين عاجلتك نحوب الشر، واستوفتك خطوب القوم لملاقاة المنيّة.

 حدِّثني عنك. لِمَ كل هذا منك؟ إن اسمك في داخل ذهني يتردد. يا جورج فلويد، إن كان لمقتلك من غاية تُنال، فلا بد باسمك من معنى يُقال، وأنا لا أؤمن بالصدفة، فما المعنى المحمول باسمك يا ترى؟ 

جورج! جورج في الغرب، ولعلك يوري في الشرق، جورجيوس، جرجس، جرجي... لا بد من مراجعة المصادر! لقد قيل فيها بعد مراجعة سريعة نذكر منها هنا باختصار، إنّ اسم جورج ينحدر عن سلفه الإغريقي خورخي وخارخوس، ولفظه باللاتيني جورجيوس. وبلغات غرب أوروبا جورجي وجورج. وعند أهل شرق الغرب يوري، وأصله يعود إلى جرجس؛ مار جرجس، ذلك الشهير محارب التنين، ليعيد الخصوبة إلى الأرض، والذي عاد اسمه من اليونانية إلينا على شكل جرجس، بعد أن رحل إليهم منا على شكل خارخوس. وقد كان عندنا من قبل حارثاً. ولتعذّر لفظ الحاء عند الإغريق، قُلب إلى خاء، فصار يعرف باسم خارث. ولما كانت اليونانية تقتضي إضافة سين إلى كلّ اسم علم مذكر، صار "خارخوس"، ثم دار دورته بين لغات أوروبا، وعاد لنا على هيئة اليونانية جرجس، وذلك ما ذكرناه في البداية.

وحارث في اللغات القديمة معناه العامل بالأرض، أي الفلاح، وهو من يقلب التربة وينثر البذار، ومنه بالعربية اسم الحارث.

آه يا جورج! أيها الحارث للأرض، وناثر البذور للزراعة، فتخضرّ السّهول مؤذنة بالخير ووفرة النّعم. وليس غريباً أن نجد أنَّ المسلمين أطلقوا على مار جرجس اسم الخضر، لما للاسم في الموروث من ارتباط بخصوبة الأرض واخضرارها.

وقيل في المصادر إنّ اسم فلويد ينحدر من إيرلندا، وأصله من كلمة فلود، والتغيّر الحاصل مقتصر على طرق الكتابة المتعددة للكلمة آنذاك. والآن، ليقف كلّ بحث هنا، فقد شفيت فضولي، واكتفيت من جمع الإشارات، وأترك الغوص أكثر من هذا القدر للمتخصّصين في اللغات. إنّ كلمة فلود تعني الفيضان. اسم عائلة هذا الرجل يفيض على حرث اسمه، وهل يخرج الخير الكثير إلا ببركة الماء الوفير!

 يا جورج فلويد، يا حارث الأرض، وناثر البذور وغامرها بالماء، فتخضرّ وتثمر، إني أستميحك عذراً لاستنطاق اسمك، وقد كان كافياً أن أنظر إلى ما يحصل في أميركا والعالم من أثر فاجعة مقتلك.

وإني أرى أنَّ هذا الزارع قد نثر بذار نبذ العنصرية والعبودية في عقر دار الشيطان في نفوس الجميع، وستنبت وتثمر عبر اتحادنا مع الإنسان في كل مكان، بعتق رقابنا عاجلاً من أغلال الشياطين.

إنّنا الآن أمام ربيع أميركي يؤذن بحلول ربيع عالمي، لكنه ربيع حقيقي هذه المرة، وقد بدأ من حيث يجب، وما أحبّ الربيع على قلب النبات! فيزهر ويتورّد مع محين اللقاء.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً