بلسان حال الأميركيّ

يومها، عملت وسائل الإعلام الأميركية بعتادها وعديدها على تضليل الرأي العام الأميركي، ولكن اليوم لا مزيد من التضليل. انكشف الحال وبان المآل... كيف؟

  • بلسان حال الأميركيّ
    اشتباك بين متظاهرين والجيش اللبناني في حي باب التبانة بمدينة طرابلس (أ ف ب).

ما بعد 17 تشرين لا يُشبه ما قبله". لا زلت أسمع هذه الجملة جيّداً، وكأنَّ أستاذي في الجامعة يقولها الآن! كلّ من يعمل في المجال الإعلاميّ كان مذهولاً أمام المشهد اللبناني آنذاك، وخصوصاً طلاب الإعلام، الَّذين صدموا بواقع مهنيّ متخبّط أمام ما تعلّموه على مقاعد الدّراسة، ونحن بالطّبع كنّا من طبقة المذهولين بكلّ ما يجري حولنا. 

تلك الأيام ليست بعيدة، فقد تركت أثراً في نفس كلٍّ منا. البعض يذكر ساعات الانتظار الطّويلة على الطريق. البعض يذكر "نهفات" التّظاهرات. بعضنا لا زال يسمع رنين الهتافات في نومه حتى اللحظة. البعض يأمل أن تذهب تلك الفوضى إلى غير عودة، لأنَّ ما حصل هدَّد راحة باله وأوقعه فريسة الحيرة، وآخرون منا فقدوا أعزّاء.

تلك الحقبة لمن عايشها، ولو من خلف شاشة، "لا تُنسى"، وربما لا يجب أن ننساها. البعض يبتسم حين يذكرها، ولكن البعض الآخر، "وهم كثيرون"، مصابون بمتلازمة الخيبة بسببها، إما خيبة من أشخاص صُدموا بمواقفهم (وهؤلاء من الطرفين: من دعم ومن عارض)، وإما خيبة بأمل مُرتجى تبخّر حين اصطدم بالواقع المعقّد الذي نعيشه، ثم ماذا؟

توالت الأحداث الإقليمية والمحلية، وجاءت كورونا. نخالها أتت من شيخ الجان الذي "يفكّ التعاويذ والسحر"، لتكشف رقع الحضارة عن وجه الدول، فيظهر المرج بعد ذوبان الثلوج عن ضمائر السلطات! راح شبح الموت يتجول على أرصفة أوروبا وتحت برج إيفل. أشعل القنديل الحجري في يد تمثال الحرية ودقَّ ناقوس الخطر. وفي لحظة ما، اجتمعت قلوب الشعوب على اختلافها. وفي تلك اللحظة عينها، تكشَّفت براثن ترامب عن عنجهيّة تفكيره، حتى إن رائحة العفن من جثة ضميره تسلَّلت من الشاشات إلى منازلنا. كلّ من تغنّى بحضارة الغرب لعقود من الزمن، تهاوت خاوية على رأسه. رآها مجرّدة من أدنى مقوّمات الإنسانية، ولكن!

كان الأميركيّ يمتلك من الوقاحة ما يخوّله أن يتحدّث على الملأ عن إنجازاته ويواصل ادعاءاته الكاذبة، رغم أنّ فشله ظهر للعيان، "كل العيان في العالم"، تماماً كما كان يمتلك من الوقاحة ما يخوّله التدخل وإبداء رأيه في تظاهرات تشرين! ولطالما امتلك الجرأة في استضعاف الشّعوب وتحديد مصيرها، وكأنَّ العالم بأسره ليس إلا مسرح دمى يحركه كيفما يشاء.

كلّ ذلك كان محمولاً، إلى أن قُتل بالأمس القريب جورج فلويد تحت ركبة شرطي عنصري يشبه ترامب إلى حد كبير. أليست الشرطة وجه الدولة على الأرض؟ قُتل جورج، وهبَّت الجموع كلّها لإدانة المجرمين. أشعل غضب المتظاهرين الأبنية. ورغم ذلك، صرّح ترامب بوقاحته المعتادة بأنه "مع تحقيق العدالة!"، ولكن هذا الغضب ليس وليد اللحظة. هو نتاج عنصرية قديمة اعتادها الأميركي. ومن يتابع الشأن الأميركيّ يعلم أنّ الجرائم من هذا النوع كثيرة في أميركا العظمى، وتكاد يكون يومية، فالعنصريّة مشروعة لدى رئيس الولايات عينه. 

حبّذا لو يدري هؤلاء أنَّ المئات من الأبرياء يُقتلون يومياً في اليمن بسلاح أميركي سعودي أيضاً، وقد قُتل بالفعل آلاف في فلسطين والعراق وسوريا والبحرين، وغيرها من الدول التي لم تسلم يوماً من شر الشيطان الأميركي. يومها، عملت وسائل الإعلام الأميركية بعتادها وعديدها على تضليل الرأي العام الأميركي، ولكن اليوم لا مزيد من التضليل. انكشف الحال وبان المآل... كيف؟

بالمقارنة مع أحداث تشرين الثاني (أكتوبر) في لبنان، وتدخّل أميركا يومها، حبّذا لو يحلّل أحد ما منشورات اللبنانيين اليوم حول تظاهرات مدينة مينيابوليس. منشورات مضحكة مبكية يعيد فيها روّاد "فايسبوك" و"تويتر" أحداث تظاهرات تشرين عبر ربطها بلسان حال الأميركي اليوم... قدرة اللبناني على "التنكيت"، رغم كلّ الظروف، بحثٌ بحاله، ولكن فيه ما يثير الإعجاب والتعجّب.

جميل أن نرى قدرة هذا الشَّعب على تحويل كلّ مأساة إلى نكات حقيقيّة، إلا أنّ العجيب أن أميركا، "الدولة العظمى"، تثير سخرية شعب عانى من بطشها على مر السنوات. قد يقول البعض الآن: "اللهم لا شماتة...". حقاً، اللهم لا شماتة، قبل أن نرى زنداً أسمر يحرق البيت الأبيض. اللهم لا شماتة قبل أن نرى من ينتقم للضحية، وهو يردد "الموت لكل ظالم"، انتقاماً لجورج، ولكل مظلوم أسود وأبيض، ولضحايا فييتنام، ولأبرياء هيروشيما، ولكل طفل يمني وامرأة سوريّة وشاب فلسطينيّ وعائلة عراقية... 

اللهمَّ لا شماتة قبل أن نرى قوة الطغيان العظمى تتهاوى خاوية على عروشها أمام النموذج الإنساني الذي قدّمته ثورة الإمام الخميني للبشرية. اللهم لا شماتة قبل أن نعبر على رؤوس الطغاة لنصلّي في القدس!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
بتول جميل عبدالساتر

خريجة صحافة مكتوبة وإلكترونية

إقرأ للكاتب

حلم إبليس بالسّلاح

ما لم يتوقعه أبو هيثم هو أن "يكش" الملك قذيفة تودي بنصر اللاعبين وحياتهم معاً.