حتميّة اللا إصلاح في النظام اللبناني

إن قيام لبنان لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال دولة مؤسّسات تُبنى على أُسسٍ وطنيةٍ تؤمّن العدالة الاجتماعية وتنزع الطائفية من النفوس بسُلطان الإلزام النصّي المرتبط بالروح الوطنية.

  • أعلن الجنرال غورو قيام الجمهورية اللبنانية عام 1926
    أعلن الجنرال غورو قيام الجمهورية اللبنانية عام 1926

عاش لبنان مرحلة دقيقة في تاريخه الحديث بدأت بالتبلور بُعيد إعلان الجمهورية عام 1926  إذ شكّل النسيج الطائفي حالة فريدة تمايزت عن مثيلاتها بنقل فكرة التعدّدية من الجانب المجتمعي العائلي إلى الممارسة السياسية من خلال ما سُمّي بالميثاق الوطني والتقسيم الطائفي.

تقاسمت الطوائف مفاصل الدولة الوليدة، وبدأت أطر السيادة الطائفية تتشكّل عبر نصوص وأعراف اتّسمت بالإلزام، حتى ابتكر اللبنانيون ما اصطلح على تسميته "الديمقراطية التوافقية".

شكّلت مرحلة الأربعينات من القرن الماضي فرصة لصوغ نظام دستوري مستمد من الممارسة الطائفية التوافقية والبرلمانية المُقنّعة، وصيغت الحياة القانونية والتشريعية والسياسية اللبنانية تحت مظلّة التعديلات الدستورية والتي جمعت بين مفهوم البرلمانية وشبه الرئاسية في الإطار الطائفي المذكور.

أدّت هذه التركيبة والحال الهجينة في شكل النظام السياسي والدستوري اللبناني إلى جملة صدامات سياسية وغير سياسية تفجّرت بالكامل عام 1975 واستمرت حتى العام 1990 بإنتاج وثيقة الوفاق الوطني في الطائف والتي تحوّلت إلى تعديلات دستورية جذرية.

استطاعت هذه التعديلات أن تخرج شكلياً من حال التردّد والتذبذب الدستوري بنصوص واضحة صيغت في المقدّمة المُضافة وحاولت نقل لبنان إلى مصاف الدول المعتمدة وبحق النظام البرلماني والفصل المرن بين السلطات والتدرّج المُتتابع في إلغاء الطائفية السياسية.

بدأ الصراع منذ أواخر العام 1990 بين البولييارشية المتمثلة بسلطان الطائفة وبين البرلمانية المُصاغة نصوصاً في الدستور، ولا نبالغ إن قلنا إن جولات هذا الصراع لم تنته حتى اليوم، بل أن بعضها قد حُسم لصالح الدولة العميقة والمُتمثلّة لبنانياً بحُكم الطوائف والسيادة الطوائفية.

هذا المشهد على تركيبه واضطرابه، يطرح إشكالية حقيقية وبارزة في الواقع الدستوري اللبناني تتمثل بالتساؤل حول مدى إمكانية إصلاح النظام السياسي اللبناني والتركيبة الدستورية بل والمجتمعية، وبالتالي هل بالإمكان نجاح البرلمانية اللبنانية في ظلّ الطائفية السياسية وهل يُطبّق لبنان فعلاً النظام البرلماني؟

بل إن السؤال الأبرز هو عن أثر الطائفية في الحياة السياسية اللبنانية، وهل كرّس اتفاق الطائف الطائفية السياسية أم ألغاها؟ 

أعتقد أن الإجابة ليست بالسهولة واليُسر المُتوقّع، بل إن حُكم الطوائف في لبنان وصل إلى مرحلة التوصيف البولييارشي، المتربّع على عرش السلطات بل والنظام ككل.

هذا التوصيف يمكن اعتباره إجابة مبدئية متأتية من أزمة النظام اللبناني عموماً، حيث أن البولييارشية تعني كما أشرنا وجود مراكز قوى مُتعدّدة ومُتوازِنة من حيث القوّة والتأثير، إضافة إلى أنه وفي هذا النظام لا وجود للفرد ولا للمجتمع بل للجماعات وحدها، وهي في الحال اللبنانية تتمثل بالطوائف التي تُهيمن على المشهد العام وتُنحّي جانباً فكرة المجتمع الوطني.

إن أية صيغة سياسية أو دستورية تُنتَج في لبنان لا بدّ من أن تراعي هذا النظام، لا بل لا بدّ لها من أن تتواءم مع مُكوّناته وطلباته وسمّوه كفكرة ومبدأ يعلو ولا يُعلى عليه تحت طائلة اهتزاز السِلم الأهلي، ما أفرز مُصطلحات بالغة الدلالة على هذه التركيبة كالتعايُش بدل العيش المشترك المفترض الوجود.

إن قيام لبنان لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال دولة مؤسّسات تُبنى على أُسسٍ وطنيةٍ تؤمّن العدالة الاجتماعية وتنزع الطائفية من النفوس بسُلطان الإلزام النصّي المرتبط بالروح الوطنية والمُبتَعد عن فكرة أن قاطِن هذا الاقليم إنما ينتمي اولاً لمرتكز قوّته، أي الطائفة، ومن ثم يتماهى مع أقرانه في إطار تركيبة تأكل نفسها كل عقدين أو ثلاثة بلا أمل ولا سعي، وإلى أن يتحقّق هذا الأمر تبقى الفكرة الأصدق هي حتميّة اللا إصلاح.. والسلام.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
وليد حدرج

محامي لبناني وباحث دستوري