أربعة أبعاد للمقاومة في منطقتنا

محور المقاومة قادر على توحيد الشعوب، بمعنى أنه يتسم بكونه عابراً للدول والقوميات والمذاهب، وهي ميزة مهمة جداً، وربما تكون أكثر ما يزعج الطرف المقابل.

  • أربعة أبعاد للمقاومة في منطقتنا
    محور المقاومة قادر على توحيد الشعوب، بمعنى أنه يتسم بكونه عابراً للدول والقوميات والمذاهب

عند ذكر كلمة المقاومة، غالباً ما يتبادر إلى الذهن المعنى العسكري أو الوظيفة التحررية للعمل المقاوم. بالطبع، هذا الكلام صحيح، ولكنه لا يعبّر عن المعنى الكلي أو الوظيفة الشاملة لعملية المقاومة.

عند مقاربة الحقيقة السابقة وتطبيقها على محور المقاومة في منطقة غرب آسيا، والطرف المقابل والمتمثل بشكل أساسي بـ"إسرائيل" وحلفائها في واشنطن والعواصم الغربية عموماً، يمكن الملاحظة أنّ عملية المقاومة ضد كل تلك القوى لا بد من أن تكون ذات أبعاد خاصة وفريدة، حتى تستطيع تحقيق النتائج المطلوبة، بالنظر إلى جملة من الأسباب والمميزات المتعلقة بنمط الصراع وأبعاده على مستوى المنطقة:

-  في البداية، إن محور المقاومة قادر على توحيد الشعوب، بمعنى أنه يتسم بكونه عابراً للدول والقوميات والمذاهب، وهي ميزة مهمة جداً، وربما تكون أكثر ما يزعج الطرف المقابل. لذا، يحاول دائماً إطلاق الصفات المذهبية الضيقة على هذا المحور، ولكن الحقيقة مغايرة تماماً، فعملية المقاومة الحالية، كما هو واضح، تضم مكونات من طوائف وقوميات وتوجهات سياسية مختلفة، ولكن تجمعها أهداف استراتيجية عليا تعمل بشكل متناغم على تحقيقها، وهذا البعد الشامل والموحد للمقاومة، كما تمت الإشارة سابقاً، هو أكثر ما يقلق الطرف المقابل المتمثل بـ"إسرائيل" وحلفائها.

-يتعلق البعد الثاني بالقدرة العلمية والتقنية للطرف المقابل، أي تل أبيب ومن معها، فمن المعروف أن "إسرائيل" والولايات المتحدة لديهما قدرات علمية وتقنية هائلة، وعلى جميع المستويات، وبالتالي ينبغي لمحور المقاومة أن يكون هو الآخر متقدماً في تلك القدرات أيضاً، إذ لا يمكن مقاومة الدول المتقدمة علمياً ببنية دول متخلفة، وخصوصاً من الناحية العلمية. هذا الأمر غير ممكن في نمط الحروب غير التقليدية الحالية. وكمثال على التقدم العلمي في "إسرائيل"، يمكن ذكر المثال التالي:

بحسب موقع "US- News"، تعتبر جامعات "وايزمان" و"القدس العبرية" و"تل أبيب" من بين أفضل الجامعات على مستوى المنطقة، ومن بين أفضل 20 جامعة آسيوية كبرى في العام 2016، كما أنّ الجامعات الثلاث السابقة تعد من بين أفضل 40 جامعة في العالم في علوم المناعة والأحياء الدقيقة وعلم الوراثة وعلم النفس والطب النفسي...

في الحقيقة، إنَّ استراتيجية محور المقاومة كانت مدركة، ولا تزال، لهذا البعد من الصراع، وقامت، ولا تزال، بتطوير قدراتها العلمية والتكنولوجية. صحيح أنها لم تصل بعد إلى مستوى الطرف المقابل في العديد من المجالات، ولكنها استطاعت، على الرغم من الظروف غير المؤاتية، تحقيق إنجازات حيوية في هذا المجال. وبالطبع، هذه العملية ستبقى مستمرة للوصول إلى حالة من التوازن مع الطرف المقابل.

- البعد الثالث هو حرب الأفكار والوعي: إن أي شيء يعوق التواصل بين الشعوب والحكومات بشكلٍ عام يجب إصلاحه، فخسارة الشعب في حرب الأفكار والوعي تعني خسارة الدولة، والعكس الصحيح، وهذا ينطبق بشكل أو بآخر على محور المقاومة، فإصلاح نقاط الضعف الموجودة في هذا السياق يعد أمرّاً بالغ الأهمية، لأنها تعد تهديدات مباشرة يستغلّها الغرب في كسر القيم والاعتقادات وتشويه الأهداف المركزية.

ولعلّ عشرات الأفلام والمسلسلات التي تُنتج سنوياً في الغرب، وتُروج للسياسات والثقافة الغربية في المنطقة، تسعى إلى شيطنة دول المقاومة وحركاتها، على سبيل المثال لا الحصر، منصة "نتفليكس"، التي كان لها الانتشار الواسع في البيوت العربية، فهي تبث أفلاماً ومسلسلات غربية، وحتى "إسرائيلية". وفي المقابل، لا بد من تفعيل هذه الأداة من قبل محور المقاومة بشكل أكبر والاستفادة منها، وخصوصاً مع وجود تجارب سابقة لذلك.

-  البعد الرابع هو البعد الاقتصادي. إنَّ الطرف المقابل يستخدم سلاح العقوبات الاقتصادية والحصار بشكل مكثف، وهي بالطبع ليست أساليب جديدة، ولكن الجديد فيها الآن أنها تُفرض، وبشكل متزامن، على كل الشعوب التي تؤمن بفكرة المقاومة، بل إن تأثيرات تلك العقوبات تمتدّ لتشمل أيضاً الأفراد الذين يتخذون موقفاً حيادياً من مجمل القضايا السياسية.

مثل هذا الواقع سيفرض بالتأكيد على المعنيين بقضية المقاومة الوصول إلى حلول لتلك المشكلات، إذ إنَّ المقاومة لا تعني الجوع أو الاستسلام له، ولا يمكن أن تستمر عملية المقاومة بشعوبٍ جائعة.

في الختام، يمكن القول إن عملية المقاومة هي عملية شاملة موحّدة، لا تسعى إلى تحرير الأرض المحتلة فحسب، إنما، وفي ظل الظروف المميزة لنمط الصراع في منطقتنا، ستكون تلك العملية ذات أبعاد متعددة تسعى في النهاية إلى بناء المجتمع والحضارة من جديد، ولكن بالطبع هي عملية تحتاج إلى جهود مكثفة، وفي كل الاتجاهات، ولا يبدو أن العقل الاستراتيجي لمحور المقاومة عاجز عن تنفيذها. 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
فادي ميده

باحث سياسي سوري