أبواب دمشق وحلب

المؤكد أن استكمال الانتصار والتعافي السوري سيعني بصورة حاسمة إعادة الثقل الاستراتيجي الحقيقي إلى دور سوريا في صناعة المعادلات.

  •  ستكون بوابات دمشق مفتوحة أيضاً للدولة والشعب اللبنانيين في جميع المجالات
    ستكون بوابات دمشق مفتوحة أيضاً للدولة والشعب اللبنانيين في جميع المجالات

لن ندخل في تحليل ونقاش جديد لأبعاد الحرب الكونية التي استهدفت الدولة والشعب السوريين، وكيفية تحرك الأحداث والمشاهد طيلة السنوات الماضية من عمر العدوان، وما رافق ذلك من متغيرات عبر أشدّ المعارك والمواجهات العسكرية والسياسية، والتي نقف عند محصّلتها في تحقيق بدايات الهزيمة للمشروع التدميري الاستعماري، ووضع الأساس لبناء سلسلة الانتصارات الفعلية التي ستقود الخطوات نحو الانتصار الحاسم والنهائي، الذي تكاد شروطه العمليّة تصبح متوفرة وقائمة في الميدان، وتحتاج إلى القليل لترجمتها على الأرض في اللحظة والشكل المناسبين.

 ولعلّ من المهمّ الانتباه إلى أن إنجاز الحسم الكامل للصراع على الجبهة السورية لا يعني إنجازاً للحسم على مستوى المنطقة بأسرها، وتحقيق الهزيمة الشاملة لمشروع واشنطن وحلفائها، وقلب المعادلات التي أفرزتها الحرب الشاملة على سوريا، لكن المؤكد أن استكمال الانتصار والتعافي السوري سيعني بصورة حاسمة إعادة الثقل الاستراتيجي الحقيقي إلى دور سوريا في صناعة المعادلات والمواقف السياسية، وإعادة تشكيل المشهد ومحركاته الفعلية، ورسم الخطوط التي تؤمن السير في الاتجاه الذي سيقضي على أطماع السيطرة والهيمنة وتقسيم مقدرات شعوب المنطقة وحقوقها، وسيعلن عن دفن ما سمي بـ"صفقة القرن" وأية أوهام للتسوية على حساب الحق الفلسطيني والعربي.

وبلغة مباشرة، إنّ تثبيت ركائز الانتصار الحاسم والناجز في الساحة السورية سيشكّل، أولاً، فرصة استثنائية لإعادة الحسابات والنظر في السياسات الخارجية للحكومة التركية، ومخرجاً للانفكاك من التحالفات المعادية لمصالح دول المنطقة وشعوبها، ولإزالة أسباب التوتر والصدام، والبحث في المساحات المشتركة الّتي يمكن البناء عليها لعلاقات متوازنة، واحترام عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام حقوقها السيادية الطبيعية.

ثانياً، سيكون للقضية الكردية ملامح جديدة تتشكّل من خلالها طبيعة العلاقة مع الدول ذات الصلة بالنسيج الكردي، بما يصحح بعض الاختلالات التي أصابت مواقف عدد من المكونات الكردية حيال القضايا القومية الكبرى لشعوب المنطقة، والخروج من الأوهام التي انساق البعض خلفها. 

ثالثاً مع الأشقاء في العراق، فإن المساحة السياسية أصبحت أوسع بكثير للنهوض بعلاقات استراتيجية بين البلدين، ووضعها في مكانتها المحورية، بعد استكمال انتصار الشعبين على التشكيلات الإرهابية، وإفشال مشاريع التقسيم والدويلات التي خططت لها قوى الاستعمار، والتي تسعى كذلك للإبقاء على استنزافها للبلدين، ومنع امتلاك عوامل القوة والاستقرار، والحيلولة دون اضطلاعهم بمسؤولياتهم التاريخية في قضايا الأمة.

رابعاً، ستكون بوابات دمشق مفتوحة أيضاً للدولة والشعب اللبنانيين في جميع المجالات، لتحقيق أقصى درجات التعاون والتنسيق، وتجديد روابط النسيج والتلاحم والمصير المشترك لكلا الشعبين، وإفشال كل نزعات الشرذمة التي حاولت تأجيج الصراعات الوهمية للمسّ بجذور العلاقات التاريخية المصيرية.

إن تصحيح الأوضاع الاقتصادية، وإعادة تأهيل البنية الإنتاجية وتطويرها، ورفع أشكال الضغط والابتزاز والتجويع التي تواجه الوضع في لبنان، تحتّم على مراكز القرار اللبناني الاستعجال في اتخاذ القرارات والسياسات التي توفر كامل الجهوزية في دمشق للمضي في التكامل معها ودعمها، كما سيحقّق الانتصار في سوريا تحولاً استراتيجياً في ساحة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهزيمة مباشرة لما يسمى "صفقة القرن" وأية مشاريع وتسويات تنتقص من الحق الفلسطيني والعربي، وستكون سلطة الاحتلال مرغمة على إعادة حساباتها والرضوخ للفشل الجديد الذي منيت به جراء فشل العدوان الظالم على سوريا. ومن المؤكد أن قواعد الاشتباك والمواجهة لن تكون كما كانت عليه قبل وأثناء الحرب الكونية التي شنت على سوريا وشعبها، ومن خلاها على المنطقة بأكملها.

خامساً، وعلى المسافة ذاتها، إنّ رصيد الانتصار السوري وزخمه يمكن تصريفه وتوظيفه في مواجهة الأطماع والتهديدات الوجودية التي تستهدف وحدة الأرض والشعب الليبي، وتعزيز عوامل القوة في التصدي لهذا المشروع التصفوي، إلى جانب الموقف المصري الحاسم الذي اتخذ دفاعاً عن وحدة الدولة ولمنع تقسيمها ونهبها، والمضي قدماً في مواجهة تحديات العدوان للقوى الاستعمارية وملحقاتها من الجماعات الإرهابية والتكفيرية والمرتزقة.

سادساً، إن سوريا المناصرة وحدها قادرة ومؤهلة للشروع في إزالة حقول الألغام التي زرعت في طريق العلاقات الطبيعية بين الدولة الإسلامية الإيرانية ودول المنطقة العربية وشعوبها، ودحض الأكاذيب والأباطيل التي بثت للنيل من السياسة الإيرانية، وإشاعة المخاوف والنعرات المسمومة عن الهيمنة الدينية المذهبية والأطماع الإيرانية في المنطقة، والتي تجرأ البعض في المفاضلة بين العلاقة مع إيران والكيان الصهيوني لتبرير بضاعة التطبيع وترويجها، والالتحاق بالمشروع الأميركي - الإسرائيلي، والخضوع للشروط والإملاءات والابتزاز بكل أهدافه.

إن العلاقة الإيرانية - العربية، وكذلك مع بعض الدول الإسلامية المحورية في الإقليم، ستوفر للجميع القدرة على التخلص من الضغوط والابتزاز الأميركي، وتوسيع فرص التوازن في اختبار الخيارات الأكثر جدوى في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والمساهمة في بناء التعددية والتنوع في العلاقات الدولية، ومحو نسخة التفرد والهيمنة الأحادية المتوحشة.

 سابعاً، إن دمشق التي لم تدر ظهرها لجميع الحركات والقوى والأحزاب الوطنية والقومية، والتي حافظت على الدوام على مسافة واحدة من التواصل مع الجميع، ستكون أكثر جهوزية لدعم أوسع الخطوات التي تعيد إنتاج الدور الريادي المطلوب من هذه القوى، وفتح آفاق الحوار والمراجعة والتقييم، والمشاركة في الخلاصات اللازمة للتعامل مع تحديات المستقبل برؤى وإبداعات تتجاوب مع طبيعة المتغيرات التي يشهدها العالم في أشكال إدارة الصراع والعلاقة بين مكوناته.

ولعلَّ استعادة سوريا قوتها وثقلها ستنعكس تلقائياً أيضاً على الحالة الرسمية العربية التي تمثلها مؤسّسات جامعة الدول، لجهة إجراء المعالجات الملحة لجميع أوضاعها، ولدورها الراهن والمستقبلي إزاء قضايا الأمة، وعدم السماح باختطاف هذه المؤسسات للانقلاب على الأسس والمبادئ الأساسية والمواثيق التي تشكّلت وبنيت لأجلها.

إنّ الحاجة ماسّة وضرورية جداً لإعادة بناء جسور الثقة بين هذه المؤسّسات الرسمية وشعوبها، وتفعيل دورها الأصيل في قيادة القضايا المصيرية، وتحقيق التنمية والاستقرار والتطور، وسط تشابك المصالح القائم بين التكتلات والتحالفات العالمية.

من هنا، إن الجميع مطالب شعبياً ووطنياً بالمبادرة الفورية، من عمان، مروراً ببغداد وفلسطين ولبنان، وإلى باقي دول المشرق والمغرب العربي، بإعلاء الصوت عالياً، لكسر الحصار الظالم عن سوريا، والتلاحم مع شعبها العظيم في إنجاز الخطوة الأخيرة لرفع راية النصر الكامل والشامل، وفتح أبواب دمشق وحلب وكل الأرض السورية أمام مستقبل تستحقه هذه الأمة المجيدة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
مصطفى مسلماني

أسير فلسطيني محرر

إقرأ للكاتب

انطلاقاً من خطاب السيّد نصرالله.. أي دور للقوى الوطنية والقومية؟

انطلاقاً من خطاب السيّد نصرالله الأخير حول استنهاض الإنتاج هل يمكن للأحزاب والقوى الوطنيّة...